الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة البقرة ‹ الآية ١٩٤
تفسير الآية ١٩٤ من سورة البقرة
ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَٰتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ١٩٤
اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزولاسأل على واتساب
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com
الشهر الحرام الذي مكّنَكم الله فيه من دخول الحرم وأداء العمرة سنةَ سَبع، هو عِوَض عن الشهر الحرام الذي صدكم فيه المشركون عن الحرم سنةَ سِتٍّ، والحُرمات -كحرمة البلد الحرام والشهر الحرام والإحرام- يجري فيها القصاص من المعتدين، فمن اعتدى عليكم فيها فعاملوه بمثل فعله، ولا تتجاوزوا حد المماثلة، إن الله لا يحب المتجاوزين لحدوده، وخافوا الله في تجاوز ما أذن لكم فيه، واعلموا أن الله مع المتقين له بالتوفيق والتأييد.
التفسير الميسر
نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com
قتالكم -أيها المؤمنون- للمشركين في الشهر الذي حرَّم الله القتال فيه هو جزاء لقتالهم لكم في الشهر الحرام. والذي يعتدي على ما حَرَّم الله من المكان والزمان، يعاقب بمثل فعله، ومن جنس عمله. فمن اعتدى عليكم بالقتال أو غيره فأنزلوا به عقوبة مماثلة لجنايته، ولا حرج عليكم في ذلك; لأنهم هم البادئون بالعدوان، وخافوا الله فلا تتجاوزوا المماثلة في العقوبة، واعلموا أن الله مع الذين يتقونه ويطيعونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه.
أسباب النزول
أسباب نزول القرآن — أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت 468هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ قالَ قَتادَةُ: أقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ في ذِي القَعْدَةِ حَتّى إذا كانُوا بِالحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ دَخَلُوا مَكَّةَ فاعْتَمَرُوا في ذِي القَعْدَةِ، وأقامُوا بِها ثَلاثَ لَيالٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ فَخَرُوا عَلَيْهِ حِينَ رَدُّوهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأقَصَّهُ اللَّهُ مِنهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ .
تفسير السعدي
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com
{194} يقول تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} يحتمل أن يكون المراد به ما وقع من صد المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه عام الحديبية عن الدخول لمكة وقاضوهم على دخولها من قابل، وكان الصد والقضاء في شهر حرام وهو ذو القعدة فيكون هذا بهذا، فيكون فيه تطييب لقلوب الصحابة بتمام نسكهم وكماله، ويحتمل أن يكون المعنى أنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام، فقد قاتلوكم فيه وهم المعتدون، فليس عليكم في ذلك حرج، وعلى هذا فيكون قوله: {والحرمات قصاص}؛ من باب عطف العام على الخاص، أي كل شيء يحترم من شهر حرام أو بلد حرام أو إحرام، أو ما هو أعم من ذلك جميع ما أمر الشرع باحترامه، فمن تجرأ عليها فإنه يقتص منه: فمن قاتل في الشهر الحرام قوتل، ومن هتك البلد الحرام أخذ منه الحد ولم يكن له حرمة، ومن قتل مكافئاً له قتل به، ومن جرحه، أو قطع عضواً منه اقتص منه، ومن أخذ مال غيره المحترم؛ أخذ منه بدله، ولكن هل لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا؟ خلاف بين العلماء، الراجح من ذلك أنه إن كان سبب الحق ظاهراً كالضيف إذا لم يقره غيره، والزوجة والقريب إذا امتنع من تجب عليه، النفقة من الإنفاق عليه، فإنه يجوز أخذه من ماله، وإن كان السبب خفيًّا كمن جحد دَيْن غيره أو خانه في وديعة أو سرق منه ونحو ذلك، فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له جمعاً بين الأدلة، ولهذا قال تعالى توكيداً وتقوية لما تقدم: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}؛ هذا تفسير لصفة المقاصة وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي.
ولما كانت النفوس ـ في الغالب ـ لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي أمر تعالى بلزوم تقواه التي هي الوقوف عند حدوده وعدم تجاوزها وأخبر تعالى أنه {مع المتقين}؛ أي: بالعون والنصر والتأييد والتوفيق، ومن كان الله معه حصل له السعادة الأبدية، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه، وخذله فَوَكَلَه إلى نفسه، فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد.
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ، ومِقْسَم، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ: لَمَّا سَارَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرًا فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، وحَبَسَه الْمُشْرِكُونَ عَنِ الدُّخُولِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، وَصَدُّوهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذِي القعْدة، وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى الدُّخُولِ مِنْ قَابِلٍ، فَدَخَلَهَا فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، هُوَ وَمَنْ كَانَ [مَعَهُ] مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وأقَصه اللَّهُ مِنْهُمْ، فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلَّا أَنْ يُغْزى ويُغْزَوا فَإِذَا حَضَرَهُ أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ .
اقرأ بقية تفسير ابن كثير
هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ؛ وَلِهَذَا لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ -وَهُوَ مُخَيِّم بِالْحُدَيْبِيَةِ -أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ -وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ فِي رِسَالَةٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ -بَايَعَ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ تحتَ الشَّجَرَةِ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يقْتل كَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وَجَنَحَ إِلَى الْمُسَالِمَةِ وَالْمُصَالِحٍةِ، فَكَانَ مَا كَانَ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ هَوازِن يَوْمَ حُنَيْنٍ وتَحَصَّن فَلُّهم بِالطَّائِفِ، عَدَل إِلَيْهَا، فحاصَرَها وَدَخَلَ ذُو القَعْدة وَهُوَ مُحَاصِرُهَا بِالْمَنْجَنِيقِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا إِلَى كَمَالِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ . فَلَمَّا كَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ انْصَرَفَ عَنْهَا وَلَمْ تُفْتَحْ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ وَاعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنين. وَكَانَتْ عُمْرته هَذِهِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ أَيْضًا عَامَ ثَمَانٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أمْر بِالْعَدْلِ حَتَّى فِي الْمُشْرِكِينَ: كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] . وَقَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشُّورَى: ٤٠] .
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إن قَوْلَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حَيْثُ لَا شَوْكَةَ وَلَا جهَاد، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ الْجِهَادِ بِالْمَدِينَةِ. وَقَدْ رَدّ هَذَا الْقَوْلَ ابنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: بَلْ [هَذِهِ] الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ بَعْدَ عُمْرة القَضيَّة، وَعَزَا ذَلِكَ إِلَى مُجَاهِدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أُطْلِقَ هَاهُنَا الِاعْتِدَاءُ عَلَى الِاقْتِصَاصِ، مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ أُمِّ كُلْثُومَ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أحدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجَهَلْ فوق جهل الجاهلينا ...
وقال ابن دريد: لِيَ اسْتِوَاءٌ إِنْ مَوالِيَّ اسْتَوَا ... لِيَ الْتِوَاءٌ إن تعادى الْتَوَا ...
وَقَالَ غَيْرُهُ:
وَلِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ ... وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالْجَهْلِ مُسْرَجُ ...
وَمَنْ رَامَ تَقْوِيمِي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ ... وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجِي فَإِنِّي مُعَوَّجُ ...
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أمْرٌ لَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ، وإخبارٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
حواشي المحقق
زيادة من جـ، ط، أ، و.
في جـ: "إلا يغزوا الغزو"، وفي أ: "إلا أن يقر ويقروا".
المسند (٣/٣٤٥) .
الحديث بهذا المعنى في صحيح مسلم برقم (١٠٥٩) .
في جـ، ط، أ، و: "بآية القتال".
زيادة من جـ، ط، أ.
تفسير الجلالين
جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net
﴿الشَّهْر الْحَرَام﴾ الْمُحَرَّم مُقَابَل ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَام﴾ فَكُلَّمَا قاتلوكم فيه قاتلوهم فِي مِثْله رَدّ لِاسْتِعْظَامِ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ ﴿وَالْحُرُمَات﴾ جَمْع حُرْمَة مَا يَجِب احْتِرَامه ﴿قِصَاص﴾ أَيْ يَقْتَصّ بِمِثْلِهَا إذَا اُنْتُهِكَتْ ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَم أَوْ الْإِحْرَام أَوْ الشَّهْر الْحَرَام ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ سَمَّى مُقَابَلَته اعْتِدَاء لِشَبَهِهَا بِالْمُقَابِلِ بِهِ فِي الصُّورَة ﴿وَاتَّقُوا اللَّه﴾ فِي الِانْتِصَار وَتَرْك الِاعْتِدَاء ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بِالْعَوْنِ وَالنَّصْر
١٩ -
تفسير البغوي
معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نَزَلَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَصَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَامَهُ ذَلِكَ وَيَرْجِعَ الْعَامَ الْقَابِلَ فَيَقْضِيَ عُمْرَتَهُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَهُ ذَلِكَ وَرَجَعَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَقَضَى عُمْرَتَهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ مَكَّةَ وَقَضَيْتُمْ فِيهِ عُمْرَتَكُمْ سَنَةَ سَبْعٍ ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي صُدِدْتُمْ فِيهِ عَنِ الْبَيْتِ سَنَةَ سِتٍّ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ جَمْعُ حُرْمَةٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِصَاصُ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ وَهُوَ أَنْ يُفْعَلَ بِالْفَاعِلِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَقِيلَ هَذَا فِي أَمْرِ الْقِتَالِ مَعْنَاهُ: إِنْ بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَاتِلُوهُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ قِصَاصٌ بِمَا فَعَلُوا فِيهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وَقَاتِلُوهُمْ ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتُدِيَ عَلَيْكُمْ﴾ سُمِّيَ الْجَزَاءُ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ عَلَى ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤٠-الشُّورَى) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢٨/ب
اقرأ بقية تفسير البغوي
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَرَادَ بِهِ الْجِهَادَ وَكُلَّ خَيْرٍ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ إِطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قِيلَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ زَائِدَةٌ، يُرِيدُ: وَلَا تُلْقُوا أَيْدِيَكُمْ، أَيْ أَنْفُسَكُمْ ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ عَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ بِالْأَيْدِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٣٠-الشُّورَى) أَيْ بِمَا كَسَبْتُمْ، وَقِيلَ الْبَاءُ فِي مَوْضِعِهَا، وَفِيهِ حَذْفٌ، أَيْ لَا تُلْقُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَيِ الْهَلَاكِ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ كُلُّ شَيْءٍ يَصِيرُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الْهَلَاكِ، أَيْ وَلَا تَأْخُذُوا فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْهَلَاكُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ لَا تَقُولُ لِلْإِنْسَانِ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَّا فِي الشِّرْكِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي الْبُخْلِ وَتَرَكِ الْإِنْفَاقِ. يَقُولُ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ حُذَيْفَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَهْمٌ أَوْ مِشْقَصٌ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي لَا أَجِدُ شَيْئًا، وَقَالَ: السُّدِّيُّ بِهَا: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ عِقَالًا ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَلَا تَقُلْ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ قَالَ رَجُلٌ: أُمِرْنَا بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْفَقْنَا أَمْوَالَنَا بَقِينَا فُقَرَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِيهَا: لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ نَفَقَةٍ فِي حَقٍّ خِيفَةُ الْعَيْلَةِ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ أَخْبَرَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ بَشَّارِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ غُضَيْفٍ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعُودُهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً فِي سبيل الله فسبعمائة، وَمَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ فَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ رِجَالٌ يَخْرُجُونَ فِي الْبُعُوثِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَقْطَعَ بِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ كَانُوا عِيَالًا فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فَلَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا قُوتٍ فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَالتَّهْلُكَةُ: أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ أَوْ بِالْمَشْيِ، وَقِيلَ: أُنْزِلَتِ الْآيَةُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَعَزَّ دِينَهُ وَنَصَرَ رَسُولَهُ قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا أَهْلَنَا وَأَمْوَالَنَا حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ وَنَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا فَأَقَمْنَا فِيهَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فَالتَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَتُوُفِّيَ هُنَاكَ وَدُفِنَ فِي أَصْلِ سُورِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الْإِلْقَاءُ إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: قَدْ هَلَكْتُ لَيْسَ لِي تَوْبَةٌ فَيَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَمِكُ فِي الْمَعَاصِي، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٨٧-يُوسُفَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [أَيْ أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ وَأَخْلَاقَكُمْ وَتَفَضَّلُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ]
حواشي المحقق
رواه الترمذي: في فضائل الجهاد - باب: ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله ٥ / ٢٥٤ وقال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث الركين بن ربيع. في الترمذي والنسائي عن خريم بن فاتك بدون زيادة (ومن أنفق نفقة على أهله..) . أخرجه النسائي: في الجهاد - باب: فضل النفقة في سبيل الله: ٦ / ٤٩. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٥٩ عن خريم وإسناده صحيح.
رواه مسلم: في الإمارة - باب: ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (١٩١٠) ٣ / ١٥١٧. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٧٥.
ساقط من (ب) .
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقَاقُ الشَّهْرِ. وَسَبَبُ نُزُولِهَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَمِقْسَمٍ وَالسُّدِّيِّ وَالرَّبِيعِ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: نَزَلَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَعَامِ الْحُدَيْبِيَةِ، [وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتَّى بَلَغَ الْحُدَيْبِيَةَ [فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ، فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَنِ الْبَيْتِ فَانْصَرَفَ، وَوَعَدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَيَدْخُلُهُ، فَدَخَلَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَقَضَى نُسُكَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَنُهِيتَ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: (نَعَمْ). فَأَرَادُوا قِتَالَهُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. الْمَعْنَى: إِنِ اسْتَحَلُّوا ذَلِكَ فِيهِ فَقَاتِلْهُمْ، فَأَبَاحَ اللَّهُ بِالْآيَةِ مُدَافَعَتَهُمْ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
اقرأ بقية تفسير القرطبي
الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ الْحُرُمَاتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ، كَالظُّلُمَاتِ جَمْعُ ظُلْمَةٍ، وَالْحُجُرَاتُ جَمْعُ حُجْرَةٍ. وَإِنَّمَا جُمِعَتِ الْحُرُمَاتُ لِأَنَّهُ أَرَادَ] حُرْمَةَ [الشَّهْرِ الْحَرَامِ] وَحُرْمَةَ [الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ. وَالْحُرْمَةُ: ما منعت من أنتها كه. وَالْقِصَاصُ الْمُسَاوَاةُ، أَيِ اقْتَصَصْتُ لَكُمْ مِنْهُمْ إِذْ صَدُّوكُمْ سَنَةَ سِتٍّ فَقَضَيْتُمُ الْعُمْرَةَ سَنَةَ سَبْعٍ. ف "الْحُرُماتُ قِصاصٌ" عَلَى هَذَا مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ مَقْطُوعٌ مِنْهُ. وَهُوَ ابْتِدَاءُ أَمْرٍ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ: إِنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَكَ نِلْتَ مِنْهُ مِثْلَ مَا اعْتَدَى عَلَيْكَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْقِتَالِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَا تَنَاوَلَتِ الْآيَةُ مِنَ التَّعَدِّي بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْجِنَايَاتُ وَنَحْوُهَا لَمْ يُنْسَخْ، وَجَازَ لِمَنْ تُعُدِّيَ عَلَيْهِ فِي مَالٍ أَوْ جُرْحٍ أَنْ يَتَعَدَّى بِمِثْلِ مَا تُعُدِّيَ بِهِ عَلَيْهِ إِذَا خَفِيَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ شي، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَأُمُورُ الْقِصَاصِ وَقْفٌ عَلَى الْحُكَّامِ. وَالْأَمْوَالُ يَتَنَاوَلُهَا قَوْلُهُ ﷺ: (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ). خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. فَمَنِ ائْتَمَنَهُ مَنْ خَانَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخُونَهُ وَيَصِلَ إِلَى حَقِّهِ مِمَّا ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَمَسُّكًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ. قَالَ قُدَامَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ: سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ مَيْسَرَةَ الْخُرَاسَانِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: لِي عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ، وَقَدْ جَحَدَنِي بِهِ وَقَدْ أَعْيَا عَلَيَّ الْبَيِّنَةَ، أَفَأَقْتَصُّ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَقَعَ بِجَارِيَتِكَ، فَعَلِمْتَ مَا كُنْتَ صَانِعًا. قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ كَيْفَ مَا تَوَصَّلَ إِلَى أَخْذِ حَقِّهِ مَا لَمْ يَعُدْ سَارِقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ الدَّاوُدِيُّ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خِيَانَةً وَإِنَّمَا هُوَ وُصُولٌ إِلَى حَقٍّ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) وَأَخْذُ الْحَقِّ مِنَ الظَّالِمِ نَصْرٌ لَهُ. وَقَالَ ﷺ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي وَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ). فَأَبَاحَ لَهَا الْأَخْذَ وَأَلَّا تَأْخُذَ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ لَهَا. وَهَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ في الصحيح، وقوله تَعَالَى: "فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ" قَاطِعٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ. الثَّالِثَةُ- وَاخْتَلَفُوا إِذَا ظَفِرَ لَهُ بِمَالٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِهِ، فَقِيلَ: لَا يَأْخُذُ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا الْأَخْذُ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ ظَفِرَ لَهُ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَأْخُذُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْجِنْسِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَحَرَّى قِيمَةَ مَا لَهُ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ مِقْدَارَ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ- وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَخْذِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدُّيُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ الشافعي: لا، بل يأخذ ماله عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَبَرُ مَا يَحْصُلُ لَهُ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي الْفَلَسِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ عُمُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِمَّا بِالْمُبَاشَرَةِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِمَّا بِالْحُكَّامِ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُكَافَأَةِ هَلْ تُسَمَّى عُدْوَانًا أَمْ لَا، فَمَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ، قَالَ: الْمُقَابَلَةُ عُدْوَانٌ، وَهُوَ عُدْوَانٌ مُبَاحٌ، كَمَا أَنَّ الْمَجَازَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَذِبٌ مُبَاحٌ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ:
فَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً
وَكَذَلِكَ:
امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي
وَكَذَلِكَ:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَنْطِقُ. وَحَدُّ الْكَذِبِ: إِخْبَارٌ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ. وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ سَمَّى هَذَا عُدْوَانًا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ وَمُقَابَلَةَ الْكَلَامِ بِمِثْلِهِ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جهل الجاهلينا
وَقَالَ الْآخَرُ:
وَلِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمُ ... وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالْجَهْلِ مُسْرَجٌ
وَمَنْ رَامَ تَقْوِيمِي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ ... وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجِي فَإِنِّي مُعَوَّجٌ
يُرِيدُ: أُكَافِئُ الْجَاهِلَ وَالْمُعْوَجَّ، لَا أَنَّهُ امْتَدَحَ بِالْجَهْلِ وَالِاعْوِجَاجِ. السَّادِسَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ أَوْ أَفْسَدَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمِثْلِ، وَلَا يُعْدَلُ إِلَى الْقِيمَةِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴾فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ" وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. قَالُوا: وَهَذَا عُمُومٌ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَعَضَّدُوا هَذَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ الْقَصْعَةَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْهَا وَدَفَعَ الصَّحِيحَةَ وَقَالَ: (إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ) خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمِ قَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، قَالَ: فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ وَيَقُولُ: (غَارَتْ أُمُّكُمْ). زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى (كُلُوا) فَأَكَلُوا حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتَهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا. ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى لَفْظِ حَدِيثِ مُسَدِّدٍ وَقَالَ: (كُلُوا) وَحَبَسَ الرَّسُولُ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ وَحَدَّثَنَا فُلَيْتٌ الْعَامِرِيُّ- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ- عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ قَالَتْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا رَأَيْتُ صَانِعًا طَعَامًا مِثْلَ صَفِيَّةَ، صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا فَبَعَثَتْ بِهِ، فَأَخَذَنِي أَفْكَلٌ فَكَسَرْتُ الْإِنَاءَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ؟ قَالَ: (إِنَاءٌ مِثْلُ إناء وطعام مثل طعام). قال مالك وَأَصْحَابُهُ: عَلَيْهِ فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ الْقِيمَةُ لَا الْمِثْلُ، بِدَلِيلِ تَضْمِينِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ قِيمَةَ نِصْفِ شَرِيكِهِ، وَلَمْ يُضَمِّنْهُ مِثْلَ نِصْفِ عَبْدِهِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَضْمِينِ الْمِثْلِ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (طَعَامٌ بِطَعَامٍ). السَّابِعَةُ- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَصْلٌ فِي الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَمَنْ قَتَلَ بِشَيْءٍ قُتِلَ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، مَا لَمْ يَقْتُلْهُ بِفِسْقٍ كَاللُّوطِيَّةِ وَإِسْقَاءِ الْخَمْرِ فَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ: إِنَّهُ يُقْتَلُ بِذَلِكَ، فَيُتَّخَذُ عُودٌ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَيُطْعَنُ بِهِ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَمُوتَ، وَيُسْقَى عَنِ الْخَمْرِ مَاءٌ حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنَّ مَنْ قَتَلَ بِالنَّارِ أَوْ بِالسُّمِّ لَا يُقْتَلُ بِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: (لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ، إِلَّا اللَّهُ). وَالسُّمُّ نَارٌ بَاطِنَةٌ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِذَلِكَ، لِعُمُومِ الْآيَةِ. الثَّامِنَةُ- وَأَمَّا الْقَوَدُ بِالْعَصَا فَقَالَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْقَتْلِ بِالْعَصَا تَطْوِيلٌ وَتَعْذِيبٌ قَتَلَ بِالسَّيْفِ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَفِي الْأُخْرَى: يُقْتَلُ بِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَجَرِ وَالْعَصَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِمَا إِذَا كَانَتِ الضَّرْبَةُ مُجْهِزَةً، فَأَمَّا أَنْ يَضْرِبَ ضَرَبَاتٍ فَلَا. وَعَلَيْهِ لَا يُرْمَى بِالنَّبْلِ وَلَا بِالْحِجَارَةِ لِأَنَّهُ مِنَ التَّعْذِيبِ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "وَالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ وَاجِبَةٌ، إِلَّا أَنْ تَدْخُلَ فِي حَدِّ التَّعْذِيبِ فَلْتُتْرَكْ إِلَى السَّيْفِ". وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قطع يده ورجله وفقا عينه بقصد التَّعْذِيبِ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتَلَةِ الرِّعَاءِ. وَإِنْ كَانَ فِي مُدَافَعَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ قُتِلَ بِالسَّيْفِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى خِلَافِ هَذَا كُلِّهِ فَقَالُوا: لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ أَبِي حنيفة والثعلبي والنخعي.
وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا قَوَدَ إِلَّا بِحَدِيدَةٍ)، وَبِالنَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ، وَقَوْلِهِ: (لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ). وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ! أَفُلَانٌ، أَفُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن تُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وَقَوْلِهِ: "فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ". وَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، لَا يُرْوَى مَنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ، لَوْ صَحَّ قُلْنَا بِمُوجَبِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِهَا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَرَضَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْمُثْلَةِ فَنَقُولُ أَيْضًا بِمُوجِبِهَا إِذَا لَمْ يُمَثِّلْ، فَإِذَا مَثَّلَ مَثَّلْنَا بِهِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ. وَقَوْلُهُ: (لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ) صَحِيحٌ إِذَا لَمْ يُحْرِقْ، فَإِنْ حَرَقَ حُرِقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ عُمُومُ الْقُرْآنِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: إن طرحه في النار عمدا طرح فِي النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ، وَذَكَرَهُ الْوَقَارُ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَخْنُقُ الرَّجُلَ: عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَقَالَ: لَوْ خَنَقَهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ طرحه في بئر فمات، أو ألفاه مِنْ جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ فَمَاتَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَكَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ- قَدْ خَنَقَ غَيْرَ وَاحِدٍ- فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمَّا أَقَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْيَهُودِيِّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ الْجَارِيَةِ بِالْحَجَرِ كَانَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ. قُلْتُ: وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: وَقَدْ شَذَّ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ فِيمَنْ قَتَلَ بِخَنْقٍ أَوْ بِسُمٍّ أَوْ تَرْدِيَةٍ مِنْ جَبَلٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ بِخَشَبَةٍ: إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ ولا يقتص منه، إلا إذا قَتَلَ بِمُحَدَّدِ حَدِيدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أو كان معروفا بالخنق والتردية وكان عَاقِلَتِهِ الدِّيَةَ. وَهَذَا مِنْهُ رَدُّ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِحْدَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْرُ الْأُمَّةِ، وَذَرِيعَةٌ إِلَى رَفْعِ الْقِصَاصِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِلنُّفُوسِ، فَلَيْسَ عَنْهُ مَنَاصٌ. التَّاسِعَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَبَسَ رَجُلًا وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَقَالَ عَطَاءٌ: يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَيُحْبَسُ الْحَابِسُ حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ حَبَسَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا جَمِيعًا، وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالنُّعْمَانِ يُعَاقَبُ الْحَابِسُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قُلْتُ: قَوْلُ عَطَاءٍ صَحِيحٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى التَّنْزِيلِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الْآخَرُ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَهُ). رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ مُرْسَلًا. الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى ﴾ الِاعْتِدَاءَ هُوَ التَّجَاوُزُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ يَتَجَاوَزُهَا، فَمَنْ ظَلَمَكَ فَخُذْ حَقَّكَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِكَ، وَمَنْ شَتَمَكَ فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ، وَمَنْ أَخَذَ عِرْضَكَ فَخُذْ عِرْضَهَ، لَا تَتَعَدَّى إِلَى أَبَوَيْهِ وَلَا إِلَى ابْنِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَبَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُقَابَلُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَلَوْ قَالَ لَكَ مَثَلًا: يَا كَافِرٌ، جَازَ لَكَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: أَنْتَ الْكَافِرُ. وَإِنْ قَالَ لَكَ: يَا زَانٍ، فَقِصَاصُكَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: يَا كَذَّابُ يَا شَاهِدَ زُورٍ. وَلَوْ قُلْتُ لَهُ يَا زَانٍ، كُنْتَ كَاذِبًا وَأَثِمْتَ فِي الْكَذِبِ. وَإِنْ مَطَلَكَ وَهُوَ غَنِيٌّ دُونَ عذر فقل: يَا ظَالِمٌ، يَا آكِلَ أَمْوَالِ النَّاسِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ). أَمَّا عِرْضُهُ فَبِمَا فَسَّرْنَاهُ، وَأَمَّا عُقُوبَتُهُ فَالسِّجْنُ يُحْبَسُ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَقْوَى الْإِسْلَامُ، فَأَمَرَ مَنْ أُوذِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجَازِيَ بِمِثْلِ مَا أُوذِيَ بِهِ، أَوْ يَصْبِرَ أَوْ يَعْفُوَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وَقِيلَ: نُسِخَ ذَلِكَ بِتَصْيِيرِهِ إِلَى السُّلْطَانِ. وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بإذن السلطان.
حواشي المحقق
راجع ص ٢٩٠ من هذا الجزء.
ما بين المربعين ساقط من ب.
قوله: "إذ خفى" أي ظهر. وهذا اللفظ من الأضداد، يقال: خفيف الشيء: كتمته. وخفيته: أظهرته. راجع ج ١١ ص ١٨٢.
راجع ج ٥ ص ٢٥٥.
راجع ج ١٠ ص ٢٠٠.
الأفكل (على وزن أفعل): الرعدة. أي ارتعدت من شدة الغيرة.
هم قوم من عربية قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأسلموا واستوخموا المدينة وسقمت أجسامهم واصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم، فبعث بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا فقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث نبى الله في طلبهم فأتى بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. راجع كتب السنة في هذا الحديث.
الوقار (كسحاب): لقب ذكريا بن يحيى بن إبراهيم الفقيه المصري، أخذ عن ابن القاسم وابن وهب.
راجع ج ٣ ص ١٤٦ وج ١٨ ص ١٥٦.
اللي: المطل. والواجد: القادر على قضاء دينه.
راجع ج ٨ ص ١٣٦.
تفسير الطبري
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"الشهر الحرام بالشهر الحرام" ذا القعدة، وهو الشهر الذي كان رسولُ الله ﷺ اعتمر فيه عُمرة الحديبية، فصدّه مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة، سنة ست من هجرته، وصالح رسول الله ﷺ المشركين في تلك السنة، على أن يعود من العام المقبل، فيدخل مكة ويقيم ثلاثا، فلما كان العامُ المقبل، وذلك سنة سبع من هجرته، خرج معتمرا وأصحابه في ذي القَعدة - وهو الشهر الذي كان المشركون صدُّوه عن البيت فيه في سنة ست- وأخلى له أهل مكة البلد حتى دخلها رسولُ الله ﷺ، فقضى حاجته منها، وأتم عمرته، وأقام بها ثلاثا، ثم خرج منها منصرفا إلى المدينة، فقال الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ وللمسلمين مَعه"الشهرُ الحرام" = يعني ذا القَعدة، الذي أوصَلكم الله فيه إلى حَرمَه وبيته، على كراهة مشركي قُريش ذلك، حتى قضيتم منه وَطَركم ="بالشهر الحرام"، الذي صدكم مشركو قريش العامَ الماضيَ قَبله فيه حتى انصرفتم عن كره منكم عن الحرم، فلم تدخلوه، ولم تصلوا إلى بيت الله، فأقصَّكم الله أيها المؤمنون من المشركين بإدخالكم الحرم في الشهر الحرام على كره منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهر الحرام من الصدّ والمنْع من الوصول إلى البيت. كما:
اقرأ بقية تفسير الطبري
٣١٣٠ - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا يوسف - يعني: ابن خالد السَّمْتيّ - قال، حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"والحرمات قصاص" قال: هم المشركون، حبسوا محمدا ﷺ في ذي القَعدة، فَرَجَعه الله في ذي القَعدة فأدخله البيتَ الحرام، فاقتص له منهم .
٣١٣١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرماتُ قِصَاص" قال: فخرت قريش بردِّها رسولَ الله ﷺ يوم الحُديبية محرِما في ذي القَعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القَعدة، فقضى عُمرته، وأقصَّه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية.
٣١٣٢- حدثني المثنى قال، حدثني أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٣١٣٣ - حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قِصَاص" أقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه فاعتمروا في ذي القَعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون، فصالحهم نبيُّ الله ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل فيكون بمكة ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدْي بالحديبية، وحلَّقوا وَقصَّروا. حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيُّ الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فأقصَّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدة، فقال الله:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص".
٣١٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وعن عثمان، عن مقسم في قوله:"الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص" قالا كان هذا في سَفر الحديبية، صدَّ المشركون النبي ﷺ وأصحابه عن البيت في الشهر الحرام، فقاضوا المشركين يومئذ قضيّة: أنّ لكم أن تعتمروا في العام المقبل - في هذا الشهر الذي صدُّوهم فيه، فجعل الله تعالى ذكره لهم شهرًا حرامًا يعتمرون فيه، مكانَ شهرهم الذي صُدُّوا، فلذلك قال:"والحُرمات قصَاص".
٣١٣٥ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاص" قال: لما اعتمر رسول الله ﷺ عُمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ستٍّ من مُهاجَره، صدَّه المشركون وأبوا أن يتركوه، ثم إنهم صالحوه في صُلحهم على أن يُخْلوا له مكة من عام قابل ثلاثةَ أيام، يخرجون ويتركونه فيها، فأتاهم رسول الله ﷺ بعد فتح خَيْبر من السنة السابعة، فخَلَّوْا له مكة ثلاثة أيام، فنكح في عُمرته تلك مَيمونة بنت الحارث الهلالية.
٣١٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"الشهرُ الحرَام بالشهر الحرام والحرماتُ قِصاص"، أحصَرُوا النبي ﷺ في ذي القَعدة عن البيت الحرام فأدخله الله البيت الحرامَ العامَ المقبلَ، واقتصَّ له منهم، فقال:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصاص".
٣١٣٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: أقبل نبي الله ﷺ وأصحابه فأحرَموا بالعمرة في ذي القَعدة ومعهم الهدْي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فصالحهم رسول الله ﷺ أن يرجع ذلك العامَ حتى يرجع العامَ المقبل، فيقيم بمكة ثلاثة أيام ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة. فنحروا الهديَ بالحديبية وحلَّقوا وقصَّروا. حتى إذا كانوا من العام المقبل، أقبل النبي ﷺ وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، وأقاموا بها ثلاثة أيام، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فقاصَّ الله له منهم، وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القعدة. قال الله جل ثناؤه:"الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص".
٣١٣٨- حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"والحُرمات قصاص" فهم المشركون، كانوا حبسوا محمدا ﷺ في ذي القعدة عن البيت، ففخروا عليه بذلك، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله الله البيت الحرام واقتصَّ له منهم.
٣١٣٩ - حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام" حتى فرغ من الآية، قال: هذا كله قد نُسخ، أمرَه أن يجاهد المشركين. وقرأ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦] وقرأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [سورة التوبة: ١٢٣] العرب، فلما فرغ منهم، قال الله جل ثناؤه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ حتى بلغ قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩] قال: وهم الروم. قال: فوَجَّه إليهم رسول الله ﷺ.
٣١٤٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحرماتُ قصاص" قال: أمركم الله بالقصاص، [ويأخذ] منكم العدوان .
٣١٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال، قلت لعطاء، وسألته عن قوله:"الشهر الحرام بالشهر الحرام والحُرمات قصاص" قال: نزلت في الحديبية، مُنعوا في الشهر الحرام، فنزلت:"الشهر الحرام بالشهر الحرام": عمرة في شهر حرام، بعمرة في شهر حرام.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القَعدة"الشهرَ الحرام"، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرِّم فيه القتال والقتل، وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحدٌ أحدًا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه"ذا القَعدة" لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تُسمِّيه به.
* * *
وأما"الحرمات" فإنها جمع"حُرْمة"،"كالظلمات" جمع"ظلمة"،"والحجرات" جمع"حُجرة". وإنما قال جل ثناؤه:"والحرمات قصاص" فجمع، لأنه أراد: الشهرَ الحرام، والبلد الحرام وحُرمة الإحرام.
* * *
فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه: دخولكم الحرَم، بإحرامكم هذا، في شهركم هذا الحرام، قصاصُ مما مُنعتم من مثله عامَكم الماضي، وذلك هو"الحرمات" التي جعلها الله قصَاصًا.
* * *
وقد بينا أن"القصاص" هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البَدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيما نزل فيه قوله:"فمن اعتدَى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم".
فقال بعضهم بما:
٣١٤٢- حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطانٌ يقهرُ المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين، مَنْ يجازي منهم أن يجازِيَ بمثل ما أُتي إليه أو يصبر أو يعفوَ فَهو. أمثل فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمرَ المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سُلطانهم، وأن لا يعدوَ بعضهم على بعض كأهل الجاهلية.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ بالمدينة، وبعد عُمرة القضيَّة.
* ذكر من قال ذلك:
٣١٤٣ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم.
* * *
قال أبو جعفر: وأشبه التأويلين بما دلّ عليه ظاهر الآية، الذي حُكي عن مجاهد، لأن الآيات قبلها إنما هي أمرٌ من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة، وذلك قوله:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم" والآيات بعدها، وقوله:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه" إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمرُ بالقتال والجهاد، واللهُ جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة.
فمعلوم بذلك أن قوله:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" مدنيّ لا مكيّ، إذ كان فرضُ قتال المشركين لم يكن وَجَب على المؤمنين بمكة، وأنّ قوله:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" نظيرُ قوله:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحَرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلتُ الحُرمات قصاصًا، فمن استحلّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمي، فاستحلوا منه مثله فيه.
وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرَم ابتداءً في الحرم وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦]
* * *
... على نحو ما ذكرنا، من أنه بمعنى: المجازاة وإتباع لفظٍ لفظًا، وإن اختلف معنياهما، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: ٥٤] وقد قال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٧٩] وما أشبه ذلك مما أتبع لفظٌ لفظًا واختلف المعنيان .
* * *
والآخر: أن يكون بمعنى"العدو" الذي هو شدٌّ ووثوب. من قول القائل:"عدا الأسد على فَريسته". فيكون معنى الكلام: فمن عَدا عليكم - أي فمن شد عليكم وَوثب - بظلم، فاعدوا عليه - أي فشُدُّوا عليه وثبُوا نحوَه - قصاصًا لما فعل عليكم لا ظلمًا. ثم تُدخل"التاء""في عدا"، فتقال:"افتعل" مكان"فعل"، كما يقال:"اقترب هذا الأمر" بمعنى"قرب"، و"اجتلب كذلك" بمعنى"جَلب" وما أشبه ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: واتقوا الله أيها المؤمنون في حُرُماته وحدوده أن تعتَدُوا فيها، فتتجاوزوا فيها ما بيَّنه وحدَّه لكم، واعلموا أن الله يُحب المتقين، الذين يتقونه بأداء فَرائضه وتجنب محارمه.
حواشي المحقق
الخبر: ٣١٣٠- محمد بن عبد الله بن بزيع -بفتح الباء الموحدة وكسر الزاي- شيخ الطبري: ثقة، وثقه أبو حاتم وغيره، وروى عنه مسلم في صحيحه. وقد مضى مثل هذا الإسناد، ولكن حرف فيه اسم جده إلى"زريع"، وذكرنا أنه غير معروف، واحتمال أن يكون صوابه"بن بزيغ" في: ٢٤٥١- فقد تبين الصواب هنا.
يوسف بن خالد السمتي: ضعيف جدا كذاب، كما ذكرنا في ذاك الإسناد، ووقع في المطبوعة هنا"السهمي"، بدل"السمتي". وهو خطأ.
قاضي الرجل يقاضيه قضاء وقضية. حاكمه في مخاصمة، وانتهى معه إلى قضاء فصل وحكم يتراضيانه. وفي صدر صلح الحديبية: "هذا ما قاضى عليه محمد" أي صالح. وبذلك سميت عمرة الحديبية هذه"عمرة القضية"، و"عمرة الصلح.
أحصره المرض وغيره: منعه وحبسه.
ما بين القوسين هكذا في الأصل. ولم أجد الخبر في مكان. وهو خطأ لا شك فيه، أو بين الكلامين خرم لم أتبينه. والمعنى على كل حال: أمركم الله بالقصاص، وكره منكم العدوان، أي أمرهم أن يقتصوا ولا يعتدوا. هذا ما أرجحه إن شاء الله.
انظر ما سلف في هذا الجزء ٣: ٣٥٧-٣٦٦.
وضعت هذه النقط، وفصلت بين قوله: "وقاتلوا المشركين كافة" وقوله: "على نحو ما ذكرنا" لوجود خرم لا شك فيه. فإنه سيقول بعد أسطر: "والآخر: أن يكون بمعنى العدو". فهو بصدد تفسير قوله: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم"، من جهة اللغة. ولا صلة بين كلامه في الآية أهي منسوخة أم غير منسوخة. وقوله: "والآخر" دليل على أنه يذكر وجهين من تفسير"اعتدى" أهي من"العدوان"، أم من"العدو". وكأن كلام الطبري في موضع هذا الخرم كان:
[وأما قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) . ففي"الاعتداء" وجهان من التأويل:
أحدهما: أن يكون"الاعتداء" من"العُدْوَان"، وَهوَ مجاوزة الحدّ ظُلْمًا وَبغيًا. ويكون معنى الآية: فمن جاوز حدّه ظُلْمًا وَبغيًا، فقاتلكم في الشهر الحرام فكافِئُوه بمثل ما فعل بكم، على نحو ما ذكرنا من أنه. .]
هذا ما استظهرته من تفسير الطبري فيما سلف ٢: ٣٠٧، وهذا الجزء ٣: ٣٧٥، ٣٧٦، ٥٦٤، ٥٧٣ ثم يبقى خرم قبل ذلك في كلامه عن الآية، منسوخة هي أم غير منسوخة.
انظر ما سلف ٢: ٣٠٧، وهذا الجزء ٣: ٣: ٣٧٥، ٣٧٦، ٥٦٤، ٥٧٣.
النفحات المكية
محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com
ثم خاطبَ سبحانه عباده الموحِّدين مُبيِّنًا لهم؛ أنَّه في حالِ قاتَلَكم المشركون في الشهر الحرام -وهي الأشهرُ المعظَّمةُ لديكم ولديهم؛ ذو القعدة وذو الحِجَّة والمحَّرمُ ورجبٌ- فقاتِلُوهم في الشهر الحرام، مجازاةً لهم على عُدْوانهم؛ لأن مَن انتهَك الحرُماتِ اقتُصَّ منه؛ والحرماتُ: كلُّ ما يجب احترامُه وحفظُه، ومنع الشرعُ من انتهاكِه. فمَن اعتدى عليكم بقتلٍ أو جراحٍ أو أخذِ مالٍ، فاعتدوا عليه مِثْلًا بمِثْلٍ، وسواءً بسواء، واتقوا الله؛ فلا تتجاوزوا في الاعتداء والعقوبة. واعلموا: أن الله مع المتقين -الذين وقَفوا عند حدودِه فلم ينتهِكوها-؛ يُعِينُهم وينصُرُهم ويؤيِّدهم.
نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.