الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة البقرة ‹ الآية ٣٦
تفسير الآية ٣٦ من سورة البقرة
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ ٣٦
اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزولاسأل على واتساب
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com
فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ويزين؛ حتى أوقعهما في الزلل والخطيئة بالأكل من تلك الشجرة التي نهاهما الله عنها، فكان جزاؤهما أن أخرجهما الله من الجنة التي كانا فيها، وقال الله لهما وللشيطان: انزلوا إلى الأرض، بعضكم أعداء بعض، ولكم في تلك الأرض استقرار وبقاء وتَمَتُّعٌ بما فيها من خيرات إلى أن تنتهي آجالكم، وتقوم الساعة.
التفسير الميسر
نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com
فأوقعهما الشيطان في الخطيئة: بأنْ وسوس لهما حتى أكلا من الشجرة، فتسبب في إخراجهما من الجنة ونعيمها. وقال الله لهم: اهبطوا إلى الأرض، يعادي بعضكم بعضًا -أي آدم وحواء والشيطان- ولكم في الأرض استقرار وإقامة، وانتفاع بما فيها إلى وقت انتهاء آجالكم.
تفسير السعدي
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com
{36} فاغترا به وأطاعاه؛ فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم، والرغد، وأُهْبِطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة {بعضكم لبعض عدو}؛ أي: آدم وذريته أعداء لإبليس وذريته.
ومن المعلوم أن العدو يَجِدُّ ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق وحرمانه الخير بكل طريق، ففي ضمن هذا تحذير بني آدم من الشيطان كما قال تعالى: {إنّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً} ثم ذكر منتهى الإهباط فقال: {ولكم في الأرض مستقر}؛ أي: مسكن وقرار {ومتاعٌ إلى حين}؛ انقضاء آجالكم ثم تنتقلون منها للدار التي خُلقتم لها وخلقت لكم، ففيها أن مدة هذه الحياة مؤقتة عارضة ليست مسكناً حقيقياً، وإنما هي معبر يُتزوَّد منها لتلك الدار، ولا تُعمَّر للاستقرار.
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَنْهَا﴾ عَائِدًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ كَمَا قَالَ [حَمْزَةُ وَ] عَاصِمُ بْنُ بَهْدلَة، وَهُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُود، فَأَزَالَهُمَا، أَيْ: فنجَّاهما. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِينَ، وَهُوَ الشَّجَرَةُ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقتادةُ ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ أَيْ: مِنْ قَبِيلِ الزَّلَلِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ أَيْ: بِسَبَبِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٩] أَيْ: يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ مَنْ هُوَ مَأْفُوكٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أَيْ: مِنَ اللِّبَاسِ وَالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ وَالرِّزْقِ الْهَنِيءِ وَالرَّاحَةِ.
اقرأ بقية تفسير ابن كثير
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: قَرَارٌ وَأَرْزَاقٌ وَآجَالٌ ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مُؤَقَّتٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ كالسُّدِّي بِأَسَانِيدِهِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّه وَغَيْرِهِمْ، هَاهُنَا أَخْبَارًا إِسْرَائِيلِيَّةً عَنْ قِصَّةِ الحَيَّة، وَإِبْلِيسَ، وَكَيْفَ جَرَى مِنْ دُخُولِ إِبْلِيسَ إِلَى الْجَنَّةِ وَوَسْوَسَتِهِ، وَسَنَبْسُطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، فَهُنَاكَ الْقِصَّةُ أَبْسَطُ مِنْهَا هَاهُنَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طُوَالا كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوق، فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَد فِي الْجَنَّةِ، فَأَخَذَتْ شَعْرَه شجرةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَاهُ الرَّحْمَنُ: يَا آدَمُ، مِنِّي تَفِرُّ! فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَا رَبِّ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً" .
قَالَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَكَمِ الْقُومَشِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا ذَاقَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَرَّ هَارِبًا؛ فَتَعَلَّقَتْ شَجَرَةٌ بِشَعْرِهِ، فَنُودِيَ: يَا آدَمُ، أفِرارًا مِنِّي؟ قَالَ: بَلْ حَيَاء مِنْكَ، قَالَ: يَا آدَمُ اخْرُجْ مِنْ جِوَارِي؛ فَبِعِزَّتِي لَا يُسَاكِنُنِي فِيهَا مَنْ عَصَانِي، وَلَوْ خَلَقْتُ مِثْلَك مِلْءَ الْأَرْضِ خَلْقًا ثُمَّ عَصَوْنِي لَأَسْكَنْتُهُمْ دَارَ الْعَاصِينَ" .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، بَلْ إِعْضَالٌ بَيْنَ قَتَادَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَقَالَ الْحَاكِمُ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ بَالُويه ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَمَّار بْنِ مُعَاوِيَةَ البَجَلي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا أسكن آدَمُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ.
وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا رَوح، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَبِثَ آدَمُ فِي الْجَنَّةِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، تِلْكَ السَّاعَةُ ثَلَاثُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: خَرَجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ لِلسَّاعَةِ التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ، فَأَخْرَجَ آدَمُ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ، عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ وَهُوَ الْإِكْلِيلُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فَهَبَطُوا فَنَزَلَ آدَمُ بِالْهِنْدِ، وَنَزَلَ مَعَهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَقَبْضَةٌ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ فَبَثَّهُ بِالْهِنْدِ، فَنَبَتَتْ شَجَرَةُ الطِّيبِ، فَإِنَّمَا أَصْلُ مَا يُجَاءُ بِهِ مِنَ الْهِنْدِ مِنَ الطِّيبِ مِنْ قَبْضَةِ الْوَرَقِ الَّتِي هَبَطَ بِهَا آدَمُ، وَإِنَّمَا قَبَضَهَا آدَمُ أَسَفًا عَلَى الْجَنَّةِ حِينَ أُخْرِجَ مِنْهَا .
وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ بِدَحْنا، أَرْضِ الْهِنْدِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: دَحْنا، بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالْهِنْدِ، وَحَوَّاءُ بِجُدَّةَ، وَإِبْلِيسُ بدَسْتُمِيسان مِنَ الْبَصْرَةِ عَلَى أَمْيَالٍ، وَأُهْبِطَتِ الْحَيَّةُ بِأَصْبَهَانَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالصَّفَا، وَحَوَّاءُ بِالْمَرْوَةِ
وَقَالَ رَجَاءُ بْنُ سَلَمَةَ: أُهْبِطَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَدَاهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ، وَأُهْبِطَ إِبْلِيسُ مُشَبِّكًا بين صابعه رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ مَعْمَر: أَخْبَرَنِي عَوْف عَنْ قَسَامة بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حِينَ أَهْبَطَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ، عَلَّمه صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ، وَزَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَثِمَارُكُمْ هَذِهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ تَتَغَيَّرُ وَتِلْكَ لَا تَتَغَيَّرُ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ: اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَهْدِيدًا عَظِيمًا عَنْ كُلِّ الْمَعَاصِي مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ تَصَوَّرَ مَا جَرَى عَلَى آدَمَ بِسَبَبِ إِقْدَامِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّلَّةِ الصَّغِيرَةِ كَانَ عَلَى وَجَلٍ شَدِيدٍ مِنَ الْمَعَاصِي، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا نَاظِرًا يَرْنُو بِعَيْنَيْ رَاقِدٍ وَمُشَاهِدًا لِلْأَمْرِ غَيْرَ مُشَاهِدِ ...
تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرَجَ الْجِنَانِ وَنَيْلَ فَوْزِ الْعَابِدِ ...
أَنَسِيتَ رَبَّكَ حِينَ أَخْرَجَ آدَمًا ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبٍ وَاحِدِ ...
قَالَ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ فَتْحٍ الْمَوْصِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَسَبَانَا إِبْلِيسُ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَيْسَ لَنَا إِلَّا الْهَمُّ وَالْحُزْنُ حَتَّى نُرَدَّ إِلَى الدَّارِ الَّتِي أُخْرِجْنَا مِنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ جَنَّةُ آدَمَ الَّتِي أُسْكِنَهَا فِي السَّمَاءِ كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ يُمَكَّنُ إِبْلِيسُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ طُرِدَ مِنْ هُنَالِكَ طَرْدًا قَدَرِيًّا، وَالْقَدَرِيُّ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا آدَمُ فِي الْأَرْضِ لَا فِي السَّمَاءِ، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَجْوِبَةٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مُكَرَّمًا، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الرَّدْعِ وَالْإِهَانَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: كَمَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ دَخَلَ فِي فَمِ الْحَيَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ خَارِجُ بَابِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ فِي الْأَرْضِ، وَهُمَا فِي السَّمَاءِ، ذَكَرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْقُرْطُبِيُّ هَاهُنَا أَحَادِيثَ فِي الْحَيَّاتِ وَقَتْلِهِنَّ وَبَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ، فَأَجَادَ وَأَفَادَ .
حواشي المحقق
في جـ، ط: "كما قرأ".
زيادة من جـ، ط.
في جـ، ط، ب: "من قبل".
في جـ: "يستدير".
تفسير ابن أبي حاتم (١/١٢٩) .
في هـ: "القرشي".
في هـ: "سليمان".
تفسير ابن أبي حاتم (١/١٣٠) .
في جـ، ب، و: "عنه".
في جـ: "مالويه".
في جـ، ط، ب، أ، و: "فأنزل معه بالحجر الأسود ويقبضه".
في جـ، ط، ب: "وإنما قبضها آدم حين أخرج من الجنة أسفا على الجنة حين أخرج منها".
في و: "بدسمت ميسان".
في جـ، ط، ب، أ، و: "عمرو بن أبي قيس عن الزبير عن ابن عدي".
تفسير عبد الرزاق (١/٦٦) .
صحيح مسلم برقم (٨٥٤) وسنن النسائي (٣/٨٩) .
تفسير القرطبي (١/٣١٣-٣١٧) .
تفسير الجلالين
جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَان﴾ إبْلِيس أَذْهَبهُمَا وَفِي قِرَاءَة فَأَزَالهُمَا نَحَّاهُمَا ﴿عَنْهَا﴾ أَيْ الْجَنَّة بِأَنْ قَالَ لَهُمَا هَلْ أَدُلّكُمَا عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَقَاسَمَهُمَا بِاَللَّهِ إنَّهُ لَهُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ فَأَكَلَا مِنْهَا ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ مِنْ النَّعِيم ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ إلَى الْأَرْض أَيْ أَنْتُمَا بِمَا اشْتَمَلْتُمَا عَلَيْهِ مِنْ ذُرِّيَّتكُمَا ﴿بَعْضكُمْ﴾ بَعْض الذُّرِّيَّة ﴿لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ مِنْ ظُلْم بَعْضكُمْ بَعْضًا ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ﴾ مَوْضِع قَرَار ﴿وَمَتَاع﴾ مَا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنْ نَبَاتهَا ﴿إلَى حِين﴾ وَقْت انْقِضَاء آجَالكُمْ
٣ -
تفسير البغوي
معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ)
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها﴾ قَرَأَ الْجَمَاعَةُ "فَأَزَلَّهُمَا" بِغَيْرِ أَلِفٍ، مِنَ الزَّلَّةِ وَهِيَ الْخَطِيئَةُ، أَيِ اسْتَزَلَّهُمَا وَأَوْقَعَهُمَا فِيهَا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ "فَأَزَالَهُمَا" بِأَلِفٍ، مِنَ التَّنْحِيَةِ، أَيْ نَحَّاهُمَا. يُقَالُ: أَزَلْتُهُ فَزَالَ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فَأَزَالَهُمَا مِنَ الزَّوَالِ، أَيْ صَرَفَهُمَا عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْقِرَاءَتَانِ بِمَعْنًى، إِلَّا أَنَّ قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ أَمْكَنُ فِي الْمَعْنَى. يُقَالُ مِنْهُ: أَزْلَلْتُهُ فَزَلَّ. وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا " [آل عمران: ١٥٥]، وقوله: "فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ" وَالْوَسْوَسَةُ إِنَّمَا هِيَ إِدْخَالُهُمَا فِي الزَّلَلِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَيْسَ لِلشَّيْطَانِ قُدْرَةٌ عَلَى زَوَالِ أَحَدٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ إِنَّمَا قُدْرَتُهُ [عَلَى] إِدْخَالِهِ فِي الزَّلَلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى زَوَالِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ يذنبه. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى أَزَلَّهُمَا مِنْ زَلَّ عَنِ الْمَكَانِ إِذَا تَنَحَّى، فَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ مِنَ الزَّوَالِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
اقرأ بقية تفسير القرطبي
يُزِلُّ الْغُلَامُ الْخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِ ... وَيُلْوِي بِأَثْوَابِ الْعَنِيفِ الْمُثَقَّلِ
وَقَالَ أَيْضًا:
كُمَيْتٍ يُزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ ... كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالْمُتَنَزِّلِ
الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ إِذَا جَعَلَ أَزَالَ مِنْ زَالَ عَنِ الْمَكَانِ فَقَوْلُهُ: "فَأَخْرَجَهُما" تَأْكِيدٌ وَبَيَانٌ لِلزَّوَالِ، إِذْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَزُولَا عَنْ مَكَانٍ كَانَا فِيهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ إِخْرَاجُهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ، لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْهَا، وَلِيَكُونَ آدَمُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ. وَلَمْ يَقْصِدْ إِبْلِيسُ- لَعَنَهُ اللَّهُ- إِخْرَاجَهُ مِنْهَا وَإِنَّمَا قَصَدَ إِسْقَاطَهُ مِنْ مَرْتَبَتِهِ وَإِبْعَادِهِ كَمَا أُبْعِدَ هُوَ، فَلَمْ يَبْلُغْ مَقْصِدَهُ وَلَا أَدْرَكَ مُرَادَهُ، بَلِ ازْدَادَ سُخْنَةَ عَيْنٍ وَغَيْظَ نَفْسٍ وَخَيْبَةَ ظَنٍّ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ﴾ [طه: ١٢٢] فَصَارَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ جَارًا لَهُ فِي دَارِهِ، فَكَمْ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْجَارِ! ﷺ. وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى إِبْلِيسَ، لِأَنَّهُ كَانَ بِسَبَبِهِ وَإِغْوَائِهِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مُتَوَلِّيَ إِغْوَاءِ آدَمَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْكَيْفِيَّةِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَغْوَاهُمَا مُشَافَهَةً، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ وَالْمُقَاسَمَةُ ظَاهِرُهَا الْمُشَافَهَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ،: دَخَلَ الْجَنَّةَ فِي فَمِ الْحَيَّةِ وَهِيَ ذَاتُ أَرْبَعٍ كَالْبُخْتِيَّةِ مِنْ أَحْسَنِ دَابَّةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أن عرض نَفْسَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَمْ يُدْخِلْهُ إِلَّا الْحَيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ بِهِ الْجَنَّةَ خَرَجَ مِنْ جَوْفِهَا إِبْلِيسُ فَأَخَذَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ آدَمَ وَزَوْجَهُ عَنْهَا فَجَاءَ بِهَا إِلَى حَوَّاءَ فَقَالَ: انْظُرِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ، مَا أَطْيَبَ رِيحَهَا وَأَطْيَبَ طَعْمَهَا وَأَحْسَنَ لَوْنَهَا! فَلَمْ يَزَلْ يُغْوِيهَا حَتَّى أَخَذَتْهَا حَوَّاءُ فَأَكَلَتْهَا. ثُمَّ أَغْوَى آدَمَ، وَقَالَتْ لَهُ حَوَّاءُ: كُلْ فَإِنِّي قَدْ أَكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي، فَأَكَلَ مِنْهَا فبدت لهما سوآتهما وَحَصَلَا فِي حُكْمِ الذَّنْبِ، فَدَخَلَ آدَمُ فِي جَوْفِ الشَّجَرَةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا هَذَا يَا رَبِّ، قَالَ: أَلَا تَخْرُجُ؟ قَالَ أَسْتَحِي مِنْكَ يَا رَبِّ، قَالَ: اهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي خُلِقْتَ مِنْهَا. وَلُعِنَتِ الْحَيَّةُ وَرُدَّتْ قَوَائِمُهَا فِي جَوْفِهَا وَجُعِلَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي آدَمَ، وَلِذَلِكَ أُمِرْنَا بِقَتْلِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَقِيلَ لِحَوَّاءَ: كَمَا أَدْمَيْتِ الشَّجَرَةَ فَكَذَلِكَ يُصِيبُكِ الدَّمُ كُلَّ شَهْرٍ وَتَحْمِلِينَ وَتَضَعِينَ كُرْهًا تُشْرِفِينَ بِهِ عَلَى الْمَوْتِ مِرَارًا. زَادَ الطَّبَرِيُّ وَالنَّقَّاشُ: وَتَكُونِي سَفِيهَةً وَقَدْ كُنْتِ حَلِيمَةً. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَى آدَمَ بَعْدَ مَا أُخْرِجَ مِنْهَا وَإِنَّمَا أَغْوَى بِشَيْطَانِهِ وَسُلْطَانِهِ وَوِسْوَاسِهِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ ﷺ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ). وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي الْأَعْرَافِ أَنَّهُ لَمَّا أَكَلَ بَقِيَ عُرْيَانًا وَطَلَبَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ فَتَبَاعَدَتْ عَنْهُ الْأَشْجَارُ وَبَكَّتُوهُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَرَحِمَتْهُ شَجَرَةُ التِّينِ، فَأَخَذَ مِنْ وَرَقِهِ فَاسْتَتَرَ بِهِ، فَبُلِيَ بِالْعُرْيِ دُونَ الشَّجَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِخْرَاجِ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ عِمَارَةُ الدُّنْيَا. الثَّالِثَةُ: يُذْكَرُ أَنَّ الْحَيَّةَ كَانَتْ خَادِمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْجَنَّةِ فَخَانَتْهُ بِأَنْ مَكَّنَتْ عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهَا وَأَظْهَرَتِ الْعَدَاوَةَ لَهُ هُنَاكَ، فَلَمَّا أُهْبِطُوا تَأَكَّدَتِ الْعَدَاوَةُ وَجُعِلَ رِزْقُهَا التُّرَابَ، وَقِيلَ لَهَا: أَنْتِ عَدُوُّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ أَعْدَاؤُكِ وَحَيْثُ لَقِيَكِ مِنْهُمْ أَحَدٌ شَدَخَ رَأْسَكِ. رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ) فَذَكَرَ الْحَيَّةَ فِيهِنَّ. وَرُوِيَ أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لَهَا: أَدْخِلِينِي الْجَنَّةَ وَأَنْتِ فِي ذِمَّتِي، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْفِرُوا ذِمَّةَ إِبْلِيسَ. وَرَوَتْ سَاكِنَةُ بِنْتُ الْجَعْدِ عَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ الْغَنَوِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (اقْتُلُوا) الْحَيَّاتِ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا وَأَسْوَدَهَا وَأَبْيَضَهَا فَإِنَّ مَنْ قَتَلَهَا كَانَتْ لَهُ فِدَاءً مِنَ النَّارِ وَمَنْ قَتَلَتْهُ كَانَ شَهِيدًا (. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَإِنَّمَا كَانَتْ لَهُ فِدَاءً مِنَ النَّارِ لِمُشَارَكَتِهَا إِبْلِيسَ وَإِعَانَتِهِ عَلَى ضَرَرِ آدَمَ وَوَلَدِهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ كَافِرًا. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. الرَّابِعَةُ- رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: بِمِنًى فَمَرَّتْ حَيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اقتلوها) فسبقتنا إلى حجر فَدَخَلَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَاتُوا بِسَعَفَةٍ وَنَارٍ فَأَضْرِمُوهَا عَلَيْهِ نَارًا). قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَخُصُّ نَهْيَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْمُثْلَةِ وَعَنْ أَنْ يُعَذِّبَ أَحَدٌ بِعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: فَلَمْ يَبْقَ لِهَذَا الْعَدُوِّ حُرْمَةٌ حَيْثُ فَاتَهُ حَتَّى أَوْصَلَ إِلَيْهِ الْهَلَاكَ مِنْ حَيْثُ قَدَرَ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُحْرَقَ الْعَقْرَبُ بِالنَّارِ، وَقَالَ: هُوَ مُثْلَةٌ. قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْأَثَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَمِلَ عَلَى الْأَثَرِ الَّذِي جَاءَ: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ) فَكَانَ عَلَى هَذَا سَبِيلُ الْعَمَلِ عِنْدَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ وقد أنزلت عليه: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات: ١] فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً، إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهَا)، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا). فَلَمْ يُضْرِمْ نَارًا وَلَا احْتَالَ فِي قَتْلِهَا. قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَجِدْ نَارًا فَتَرَكَهَا، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْجُحْرُ بِهَيْئَةٍ يُنْتَفَعُ بِالنَّارِ هُنَاكَ مَعَ ضَرَرِ الدُّخَانِ وَعَدَمِ وُصُولِهِ إِلَى الْحَيَوَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: (وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ) أَيْ قَتْلَكُمْ إِيَّاهَا (كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا) أي لسعها.
الْخَامِسَةُ: الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ إِلَى دَفْعِ الْمَضَرَّةِ الْمَخُوفَةِ مِنَ الْحَيَّاتِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَحَقَّقُ الضَّرَرِ وَجَبَتِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى قَتْلِهِ، لِقَوْلِهِ: (اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ). فَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْعُمُومِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ عِظَمِ ضَرَرِهِمَا. وَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ضَرَرُهُ فَمَا كَانَ مِنْهَا فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ قُتِلَ أَيْضًا لِظَاهِرِ الْأَمْرِ الْعَامِّ، وَلِأَنَّ نَوْعَ الْحَيَّاتِ غَالِبُهُ الضَّرَرُ، فَيُسْتَصْحَبُ ذَلِكَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ كُلَّهُ مُرَوِّعٌ بِصُورَتِهِ وَبِمَا فِي النُّفُوسِ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ). فَشَجَّعَ عَلَى قَتْلِهَا. وَقَالَ فِيمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: (اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ [كُلَّهُنَّ] فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي). وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةُ: مَا كَانَ مِنَ الْحَيَّاتِ فِي الْبُيُوتِ فَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُؤْذَنَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام). وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا لِإِسْلَامِ الْجِنِّ بِهَا، قَالُوا: وَلَا نَعْلَمُ هَلْ أَسْلَمَ مِنْ جِنِّ غَيْرِ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَوْ لَا، قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَانِ الْبُيُوتِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الْآيَةَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ) وَفِيهِ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ، الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي سُورَةِ "الْجِنِّ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا ثبت هذا فلا يقتل شي مِنْهَا حَتَّى يُحَرِّجَ عَلَيْهِ وَيُنْذَرَ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.
السَّابِعَةُ: رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينِ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ، فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ، فَقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ). فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي! فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَّزَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعُ مَوْتًا، الْحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى! قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ [لَنَا]، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ثُمَّ قَالَ:- إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ (. وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) إن لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهَا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ- وَقَالَ لَهُمْ:- اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ (. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْجَانَّ الَّذِي قَتَلَهُ هَذَا الْفَتَى كَانَ مُسْلِمًا وَأَنَّ الْجِنَّ قَتَلَتْهُ بِهِ قِصَاصًا، لِأَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْقِصَاصَ مَشْرُوعٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْجِنِّ لَكَانَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ، وَهَذَا الْفَتَى لَمْ يَقْصِدْ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إِلَى قَتْلِ مَا سُوِّغَ قَتْلُ نَوْعِهِ شَرْعًا، فَهَذَا قَتْلُ خَطَأٍ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ. فالأولى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُفَّارَ الْجِنِّ أَوْ فَسَقَتَهُمْ قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وانتقاما. وقد قتلت سعد ابن عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وُجِدَ مَيِّتًا فِي مُغْتَسَلِهِ وَقَدِ اخْضَرَّ جَسَدُهُ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ وَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا:
قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ ... رَجِ سعد بن عباده
ورميناه بسهمين ... فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهُ
وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا) لِيُبَيِّنَ طَرِيقًا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَرُّزُ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمْ وَيَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَى قَتْلِ الْكَافِرِ مِنْهُمْ. رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَتَلَتْ جَانًّا فَأُرِيَتْ فِي الْمَنَامِ أَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهَا: لَقَدْ قَتَلْتِ مُسْلِمًا، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: مَا دَخَلَ عَلَيْكِ إِلَّا وَعَلَيْكِ ثِيَابُكِ. فَأَصْبَحَتْ فَأَمَرَتْ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَجُعِلَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا دَخَلَ عَلَيْكِ إِلَّا وَأَنْتِ مُسْتَتِرَةٌ، فَتَصَدَّقَتْ وَأَعْتَقَتْ رِقَابًا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ: الْجَانُّ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّتِي نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا هِيَ الَّتِي تَمْشِي وَلَا تَلْتَوِي، وَعَنْ عَلْقَمَةَ نَحْوُهُ. الثَّامِنَةُ- فِي صِفَةِ الْإِنْذَارِ، قَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ إِلَيَّ أَنْ يُنْذَرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، وَإِنْ ظَهَرَ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا. وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى إِنْذَارِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَكُونَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: يَكْفِي ثَلَاثَ مِرَارٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا)، وَقَوْلِهِ: (حَرِّجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا) وَلِأَنَّ ثَلَاثًا لِلْعَدَدِ الْمُؤَنَّثِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَوْلُ مَالِكٍ أَوْلَى، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ). وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ مُقَيِّدٌ لِتِلْكَ الْمُطْلَقَاتِ، وَيُحْمَلُ ثَلَاثًا عَلَى إِرَادَةِ لَيَالِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثِ، فَغَلَّبَ اللَّيْلَةَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي بَابِ التَّارِيخِ فَإِنَّهَا تُغَلِّبُ فِيهَا التَّأْنِيثَ. قَالَ مَالِكٌ: وَيَكْفِي فِي الْإِنْذَارِ أَنْ يَقُولَ: أُحَرِّجُ عَلَيْكِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَلَّا تَبْدُوا لَنَا وَلَا تُؤْذُونَا. وَذَكَرَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ حَيَّاتُ الْبُيُوتِ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فِي مَسَاكِنِكُمْ فَقُولُوا: أَنْشُدُكُمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنْشُدُكُمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا بَعْدُ فَاقْتُلُوهُ. قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْإِذْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: (أَنْشُدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَلَّا تُؤْذِينَنَا وَأَلَّا تَظْهَرْنَ عَلَيْنَا). التَّاسِعَةُ- روى جبير عن نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ- وَاسْمُهُ جُرْثُومٌ- أن رسول الله ﷺ قَالَ: (الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْلَاثٍ فَثُلُثٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ وَثُلُثٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ وَثُلُثٌ يَحُلُّونَ وَيَظْعَنُونَ). وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ- وَاسْمُهُ عُوَيْمِرٌ- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (خُلِقَ الْجِنُّ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ فَثُلُثٌ كِلَابٌ وَحَيَّاتٌ وَخَشَاشُ الْأَرْضِ وَثُلُثٌ رِيحٌ هَفَّافَةٌ وَثُلُثٌ كَبَنِي آدَمَ لَهُمُ الثَّوَابُ وَعَلَيْهِمُ الْعِقَابُ وَخَلَقَ اللَّهُ الْإِنْسَ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ فَثُلُثٌ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَأَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَآذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وَثُلُثٌ أَجْسَادُهُمْ كَأَجْسَادِ بَنِي آدَمَ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ وَثُلُثٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ (. الْعَاشِرَةُ- مَا كَانَ مِنَ الْحَيَوَانِ أَصْلُهُ الْإِذَايَةُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ ابْتِدَاءً، لِأَجْلِ إِذَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرِ وَالْوَزَغِ، وَشَبَهِهِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ... ). وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَالْحَيَّةُ أَبْدَتْ جَوْهَرَهَا الْخَبِيثَ حَيْثُ خَانَتْ آدَمَ بِأَنْ أَدْخَلَتْ إِبْلِيسَ الْجَنَّةَ بَيْنَ فَكَّيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ تُبْرِزُهُ مَا تَرَكَهَا رَضْوَانُ تَدْخُلُ بِهِ. وَقَالَ لَهَا إِبْلِيسُ أَنْتِ فِي ذِمَّتِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهَا وَقَالَ: (اقْتُلُوهَا وَلَوْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ) يَعْنِي الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ. وَالْوَزَغَةُ نَفَخَتْ عَلَى نَارِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الدَّوَابِّ فَلُعِنَتْ. وَهَذَا مِنْ نَوْعِ مَا يُرْوَى فِي الْحَيَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: من قتل وزغة فكأنما
قَتَلَ كَافِرًا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ وفي الثالثة دون ذلك. وفي رواية أَنَّهُ قَالَ: (فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعُونَ حَسَنَةٍ). وَالْفَأْرَةُ أَبْدَتْ جَوْهَرَهَا بِأَنْ عَمَدَتْ إِلَى حِبَالِ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَطَعَتْهَا. وَرَوَى عَبْدُ الرحمن بن أبي نعم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْحِدَأَةَ وَالسَّبُعَ الْعَادِيَّ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالْفُوَيْسِقَةَ). وَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَخَذَتْ فَتِيلَةً لِتَحْرُقَ الْبَيْتَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهَا. وَالْغُرَابُ أَبْدَى جَوْهَرَهُ حَيْثُ بَعَثَهُ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ السَّفِينَةِ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَرْضِ فَتَرَكَ أَمْرَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى جِيفَةٍ. هَذَا كُلُّهُ فِي مَعْنَى الْحَيَّةِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهُ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَابِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي التَّعْلِيلِ فِي "الْمَائِدَةِ" وَغَيْرِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى "وَقُلْنَا اهْبِطُوا" حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنَ "اهْبِطُوا" فِي اللَّفْظِ لِأَنَّهَا أَلِفُ وَصْلٍ. وَحُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْ "قُلْنَا" فِي اللَّفْظِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى عَنْ أَبِي حَيْوَةَ ضَمَّ الْبَاءِ فِي "اهْبِطُوا"، وَهِيَ لُغَةٌ يُقَوِّيهَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ وَالْأَكْثَرُ فِي غَيْرِ الْمُتَعَدِّي أَنْ يَأْتِيَ عَلَى يَفْعُلَ. وَالْخِطَابُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَالْحَيَّةِ وَالشَّيْطَانِ، فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: آدَمُ وَحَوَّاءُ وَالْوَسْوَسَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ أَيْضًا: بَنُو آدَمَ وَبَنُو إِبْلِيسَ. وَالْهُبُوطُ: النُّزُولُ مِنْ فَوْقٍ إِلَى أَسْفَلَ، فَأُهْبِطَ آدَمُ بِسَرَنْدِيبَ فِي الْهِنْدِ بجبل يقال له "بوذا" وَمَعَهُ رِيحُ الْجَنَّةِ فَعَلِقَ بِشَجَرِهَا وَأَوْدِيَتِهَا فَامْتَلَأَ مَا هُنَاكَ طِيبًا، فَمِنْ ثَمَّ يُؤْتَى بِالطِّيبِ مِنْ رِيحِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَكَانَ السَّحَابُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ فَأَصْلَعَ، فَأَوْرَثَ وَلَدَهُ الصَّلَعَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَسَيَأْتِي. وَأُهْبِطَتْ حَوَّاءُ بِجَدَّةَ وَإِبْلِيسُ بِالْأُبُلَّةَ، وَالْحَيَّةُ بِبَيْسَانَ، وَقِيلَ: بِسِجِسْتَانَ. وَسِجِسْتَانَ أَكْثَرُ بِلَادِ اللَّهِ حَيَّاتٍ، وَلَوْلَا الْعِرْبَدُّ الَّذِي يَأْكُلُهَا وَيُفْنِي كَثِيرًا مِنْهَا لَأُخْلِيَتْ سِجِسْتَانُ مِنْ أَجْلِ الْحَيَّاتِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَسْعُودِيُّ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى "بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" ... "بَعْضُكُمْ" مُبْتَدَأٌ، "عَدُوٌّ" خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ وَهَذِهِ حَالُكُمْ. وحذفت الواو من و "بَعْضُكُمْ" لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ عَائِدًا، كَمَا يُقَالُ: رَأَيْتُكَ السَّمَاءُ تُمْطِرُ عَلَيْكَ. وَالْعَدُوُّ: خِلَافُ الصَّدِيقِ، وَهُوَ من عدا إذا ظلم. وذيب عَدْوَانُ: يَعْدُو عَلَى النَّاسِ. وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ الصُّرَاحُ. وَقِيلَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُجَاوَزَةِ، مِنْ قَوْلِكَ: لَا يَعْدُوكَ هَذَا الْأَمْرُ، أَيْ لَا يَتَجَاوَزُكَ. وَعَدَاهُ إِذَا جَاوَزَهُ، فَسُمِّيَ عَدُوًّا لِمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ فِي مَكْرُوهِ صَاحِبِهِ، وَمِنْهُ الْعَدْوُ بِالْقَدَمِ لِمُجَاوَزَةِ الشَّيْءِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، فَإِنَّ مَنْ ظَلَمَ فَقَدْ تَجَاوَزَ. قُلْتُ: وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُ تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] عَلَى الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، وَفِيهِ بُعْدٌ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مَعْنًى. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَصْبَحَ تَقُولُ جَوَارِحُهُ لِلِسَانِهِ اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّكَ إِذَا اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا (. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ "عَدُوٌّ" وَلَمْ يَقُلْ أَعْدَاءٌ، فَفِيهِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَعْضًا وَكُلًّا يُخْبَرُ عَنْهُمَا بِالْوَاحِدِ عَلَى اللَّفْظِ وَعَلَى الْمَعْنَى، وَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً" [مريم: ٩٥] عَلَى اللَّفْظِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] عَلَى الْمَعْنَى. وَالْجَوَابُ الْآخَرُ: أَنَّ عَدُوًّا يُفْرَدُ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] بِمَعْنَى أَعْدَاءٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْعَدُوُّ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْوَاحِدِ والاثنين والثلاثة والتأنيث، وقد يجمع.
الثَّالِثَةُ- لَمْ يَكُنْ إِخْرَاجُ اللَّهِ تَعَالَى آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَإِهْبَاطُهُ مِنْهَا عُقُوبَةً لَهُ لِأَنَّهُ أَهْبَطَهُ بَعْدَ أَنْ تَابَ عَلَيْهِ وَقَبِلَ تَوْبَتَهُ وَإِنَّمَا أَهْبَطَهُ إِمَّا تَأْدِيبًا وَإِمَّا تَغْلِيظًا لِلْمِحْنَةِ. وَالصَّحِيحُ فِي إِهْبَاطِهِ وَسُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ مَا قَدْ ظَهَرَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ نَشْرُ نَسْلِهِ فِيهَا لِيُكَلِّفَهُمْ وَيَمْتَحِنَهُمْ وَيُرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابَهُمْ وَعِقَابَهُمُ الْأُخْرَوِيَّ إِذِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ لَيْسَتَا بِدَارِ تَكْلِيفٍ فَكَانَتْ تِلْكَ الْأَكْلَةُ سَبَبَ إِهْبَاطِهِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَلِلَّهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ. وَقَدْ قَالَ "إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً". وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَفَضِيلَةٌ كَرِيمَةٌ شَرِيفَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنَ الْأَرْضِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّمَا أَهْبَطَهُ بَعْدَ أَنْ تَابَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ثَانِيَةً: "قُلْنَا اهْبِطُوا" وَسَيَأْتِي. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرَارٍ. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: "مُسْتَقَرٌّ" يَعْنِي الْقُبُورَ. قُلْتُ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:" جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً" [غافر: ٦٤] يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَتاعٌ﴾ الْمَتَاعُ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ مِنْ أَكْلٍ وَلُبْسٍ وَحَيَاةٍ وَحَدِيثٍ وَأُنْسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مُتْعَةُ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا يُتَمَتَّعُ بِهَا. وَأَنْشَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حِينَ وَقَفَ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ أَيُّوبَ إِثْرَ دَفْنِهِ:
وَقَفْتُ عَلَى قَبْرٍ غَرِيبٍ بِقَفْرَةٍ ... مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقِ
السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلى حِينٍ﴾ اخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي الْحِينِ عَلَى أَقْوَالٍ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ إِلَى الْمَوْتِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: الْمُسْتَقَرُّ هُوَ الْمُقَامُ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: الْمُسْتَقَرُّ هُوَ الْقُبُورُ وَقَالَ الرَّبِيعُ: "إِلى حِينٍ" إِلَى أَجَلٍ وَالْحِينُ: الْوَقْتُ الْبَعِيدُ فَحِينَئِذٍ تَبْعِيدٌ مِنْ قَوْلِكَ الْآنَ قَالَ خُوَيْلِدٌ:
كَابِي الرَّمَادِ عَظِيمُ الْقِدْرِ جَفْنَتُهُ ... حِينَ الشِّتَاءِ كَحَوْضِ الْمَنْهَلِ اللَّقِفِ
لَقِفَ الْحَوْضُ لَقْفًا، أَيْ تَهَوَّرَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاتَّسَعَ. وَرُبَّمَا أَدْخَلُوا عَلَيْهِ التَّاءَ قَالَ أَبُو وَجْزَةَ:
الْعَاطِفُونَ تَحِينُ مَا مِنْ عَاطِفٍ ... وَالْمُطْعِمُونَ زَمَانَ أين المطعم
وَالْحُيْنُ أَيْضًا: الْمُدَّةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] وَالْحِينُ: السَّاعَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ" [الزم ٥٨] قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْحِينُ الْقِطْعَةُ مِنَ الدَّهْرِ كَالسَّاعَةِ فَمَا فَوْقَهَا. وَقَوْلُهُ" فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ " [المؤمنون: ٥٤] أي حتى تفنى آجالهم وقول تعالى ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أَيْ كُلَّ سَنَةٍ وَقِيلَ: بَلْ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ: بَلْ غُدْوَةً وَعَشِيًّا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْحِينُ اسْمٌ كَالْوَقْتِ يَصْلُحُ لِجَمِيعِ الْأَزْمَانِ كُلِّهَا طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَلَا يَنْقَطِعُ نَفْعُهَا الْبَتَّةَ. قَالَ: وَالْحِينُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَالْحِينُ: الْغُدْوَةُ وَالْعَشِيَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وَيُقَالُ: عَامَلْتُهُ مُحَايَنَةً مِنَ الْحِينِ وَأَحْيَنْتُ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَمْتُ بِهِ حِينًا. وَحَانَ حِينَ كَذَا أَيْ قَرُبَ. قَالَتْ بُثَيْنَةُ:
وَإِنَّ سُلُوِّيَ عَنْ جَمِيلٍ لَسَاعَةٌ ... مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِينُهَا
السَّابِعَةُ- لَمَّا اخْتَلَفَ أَهْلُ اللِّسَانِ فِي الْحِينِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَيْضًا عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ فَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْحِينُ حِينَانِ: حِينٌ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ وَالْحِينُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ [إبراهيم: ٢٥] سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْحِينُ الْمَجْهُولُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وَالْحِينُ الْمَعْلُومُ هُوَ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ وَيَرْتَبِطُ بِهِ التَّكْلِيفُ وَأَكْثَرُ الْمَعْلُومِ سَنَةٌ. وَمَالِكٌ يَرَى فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَيْمَانِ أَعَمَّ الْأَسْمَاءِ وَالْأَزْمِنَةِ. وَالشَّافِعِيُّ يَرَى الْأَقَلَّ. وَأَبُو حَنِيفَةَ تَوَسَّطَ فَقَالَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَلَا معنى لقوله لان المقدرات عِنْدَهُ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الْمَعْنَى بَعْدَ مَعْرِفَةِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لُغَةً فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ حِينًا فَيُحْمَلُ عَلَى رَكْعَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَقَلُّ النَّافِلَةِ قِيَاسًا عَلَى رَكْعَةِ الْوِتْرِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: أَقَلُّ النَّافِلَةِ رَكْعَتَانِ فَيُقَدَّرُ الزَّمَانُ بِقَدْرِ الْفِعْلِ وَذَكَرَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ فِي أَحْكَامِهِ: أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَ فُلَانًا حِينًا أَوْ لَا يَفْعَلَ كَذَا حِينًا أَنَّ الْحِينَ سَنَةٌ قَالَ: وَاتَّفَقُوا فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَفْعَلَ كَذَا حينا أولا يُكَلِّمَ فُلَانًا حِينًا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى سَنَةٍ لم تدخل في يمينه قُلْتُ: هَذَا الِاتِّفَاقُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَفْعَلَ شَيْئًا إِلَى حِينٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ دَهْرٍ، فَذَلِكَ كُلُّهُ سَنَةٌ. وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ: إِنَّهُ شَكَّ فِي الدَّهْرِ أَنْ يَكُونَ سَنَةً وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ يَعْقُوبَ وَابْنِ الْحَسَنِ: أَنَّ الدَّهْرَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَعُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ [إبراهيم: ٢٥] أَنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْحِينُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْحِينِ وَقْتٌ مَعْلُومٌ وَلَا لِلْحِينِ غَايَةٌ قَدْ يكون الحين عنده مدة الدنيا. وقال: لانحنثه أَبَدًا، وَالْوَرَعُ أَنْ يَقْضِيَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ الْحِينُ وَالزَّمَانُ عَلَى مَا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ يُقَالُ: قَدْ جِئْتَ مِنْ حِينٍ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِئْ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ. قَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ الشَّافِعِيُّ وَبِالْجُمْلَةِ الْحِينُ لَهُ مَصَارِفُ وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ تَعْيِينَ مَحْمَلٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحَامِلِ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ لَمْ يُوضَعْ فِي اللُّغَةِ لِمَعْنًى مُعَيَّنٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قول تَعَالَى: "إِلى حِينٍ" فَائِدَةُ بِشَارَةٍ إِلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ بَاقٍ فِيهَا وَمُنْتَقِلٌ إِلَى الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَهِيَ لِغَيْرِ آدَمَ دَالَّةٌ عَلَى الْمَعَادِ فَحَسْبُ والله أعلم.
حواشي المحقق
راجع ج ٤ ص ٢٤٣
الخف (بالكسر): الخفيف. والصهوة: موضع اللبد من ظهر الفرس. ويلوى بها: يذهب بها من شدة عدوه. والعنيف: الذي لا يحسن الركوب، وليس له رفق بركوب الخيل. والمثقل: الثقيل.
الكميت: لون ليس بأشقر ولا أدهم. والحال: موضع اللبد من ظهر الفرس. والصفواء (جمع صفاة): الصخرة الملساء. والمتنزل: الذي ينزل عليها فيزلق عنها.
سخنت عينه: نقيض قرت.
راجع ج ١١ ص ٢٥٧
راجع ج ٧ ص ١٨١.
أي انقضوا عهده وذمامه.
في التقريب: (بفتح أولها وتشديد الراء المهملة مع المد). وفي أسد الغابة: (بفتح السين وإمالة الراء المشددة، وآخره ياء ساكنة).
كذا في جميع نسخ الأصل. وفي غيرها من التفاسير: (عن عبد الله بن مسعود). ويبدو أن الأصل: (عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله) إلخ.
الضمير للحديث، أي لم يبق هذا الحديث إلخ.
ذو الطفيتين: حية لها خطان أسودان كالطفيتين أي الخوصتين.
الزيادة عن سنن أبي داود.
جنان (بتشديد النون الاولى، جمع جان): ضرب من الحيات الدقيق الخفيف يضرب إلى الصفرة ليس بسام، وهو كثير في بيوت الناس.
راجع ج ١٦ ص ٢١٠.
راجع ج ١٩ ص ١ فما بعد.
في هامش نسخة من الأصل: (التحريج هو أن يقول لها: أنت في حرج- أي في ضيق- إن عدت إلينا فلا تلومينا أن نضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل (. وكذلك هو في نهاية ابن الأثير واللسان.
الزيادة عن صحيح مسلم.
في صحيح مسلم: (لصاحبكم).
العوامر: الحيات التي تكون في البيوت، واحدها عامر وعامرة.
الوزغة (بالتحريك): هي التي يقال لها سام أبرص.
راجع ج ٦ ص ٣٠٣.
في اللسان والقاموس ومعجم البلدان ومروج الذهب: (راهون).
الابلة (بضم أوله وثانيه وتشديد اللام وفتحها): البلد المعروف قرب البصرة من جانبها البحري.
بيسان: بلدة بمرو وبالشام وموضع باليمامة.
سجستان (بكسر أوله وثانيه وقد يفتح أوله): اسم مدينة من مدن خراسان.
(عن شرح القاموس).
العربد (بكسر العين وسكون الراء وفتح الباء وكسرها وتشديد الدال): حية تنفخ ولا يؤذي.
راجع ج ١١ ص ١٦٠.
راجع ج ١٣ ص ٢٤١.
راجع ج ١٠ ص ٤٢٠.
راجع ج ١٨ ص ١٢٥
ص ٣٢٧.
راجع ج ١٥ ص ٣٢٨.
كابي الرماد: أي عظيم الرماد.
راجع ج ١٩ ص ١١٦.
راجع ج ١٥ ص ٢٧٢.
راجع ج ١٢ ص ١٣٠.
راجع ج ٩ ص ٣٦٠.
راجع ج ١٤ ص ١٤
راجع ج ١٤ ص ١٤
تفسير الطبري
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القَرَأة في قراءة ذلك. فقرأته عامتهم،"فأزلَّهما" بتشديد اللام، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زلَّ الرجل في دينه: إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه. وأزلَّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه، ولذلك أضاف الله تعالى ذكره إلى إبليسَ خُروجَ آدم وزوجته من الجنة، فقال:"فأخرجهما" يعني إبليس"مما كانا فيه"، لأنه كانَ الذي سَبَّب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة.
وقرأه آخرون:"فأزَالهما"، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيته عنه.
وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله:"فأزلهما"، ما:-
٧٤١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى:"فأزلهما الشيطان" قال: أغواهما.
اقرأ بقية تفسير الطبري
وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ:"فأزلَّهما"، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في الحرف الذي يتلوه. بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه. وذلك هو معنى قوله"فأزالهما"، فلا وجه - إذْ كان معنى الإزالة معنى التنحية والإخراج - أن يقال:"فأزالهما الشيطانُ عنها فأخرجهما مما كانا فيه" فيكون كقوله:"فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه. ولكن المفهوم أن يقال: فاستزلهما إبليسُ عن طاعة الله - كما قال جل ثناؤه:"فأزلهما الشيطان"، وقرأت به القراء - فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة.
فإن قال لنا قائل: وكيف كان استزلال إبليسُ آدمَ وزوجته، حتى أضيف إليه إخراجهما من الجنة؟
قيل: قد قالت العلماء في ذلك أقوالا سنذكر بعضها
فحكي عن وهب بن منبه في ذلك ما:-
٧٤٢ - حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهرِب قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: لما أسكن الله آدمَ وذريته - أو زوجته - الشك من أبي جعفر: وهو في أصل كتابه"وذريته" - ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرةً غصونها متشعِّبٌ بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نَهى الله آدمَ عنها وزوجته. فلما أراد إبليس أن يستزلَّهما دَخل في جوف الحية، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتِيَّة، من أحسن دابة خلقها الله - فلما دخلت الحية الجنة، خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء فقال: انظري إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحَها وأطيبَ طعمها وأحسن لونها! فأخذت حواءُ فأكلَتْ منها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: انظرْ إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحها وأطيبَ طعمها وأحسنَ لونها! فأكل منها آدم، فبدت لهما سوآتُهما. فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربُّه يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب ! قال: ألا تخرج؟ قال: أستحيي منك يا رب. قال: ملعونة الأرض التي خُلقتَ منها لعنةً يتحوَّل ثمرها شوكًا. قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرةٌ كان أفضل من الطَّلح والسِّدر، ثم قال: يا حواء، أنت التي غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحملين حَملا إلا حملته كَرْهًا، فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا. وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرَّ عبدي، ملعونة أنتِ لعنة تَتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحدًا منهم أخذت بعقِبه، وحيث لقيك شدَخ رأسك. قال عمر: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء .
وروي عن ابن عباس نحو هذه القصة:
٧٤٣ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: لما قال الله عز وجلّ لآدم:"اسكن أنتَ وزوجُك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين"، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فمنعته الخزَنة. فأتى الحية - وهي دابَّة لها أربعُ قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب - فكلمها أن تُدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فُقْمها - قال أبو جعفر: والفقم جانب الشدق - فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر. فكلمه من فُقمها فلم يبال كلامه ، فخرج إليه فقال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [سورة طه: ١٢٠] يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت مَلِكًا مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين ، فلا تموتان أبدًا. وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين. وإنما أراد بذلك ليبديَ لهما ما تَوارى عنهما من سَوْآتهما بهتكِ لباسهما. وكان قد علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك. وكان لباسُهما الظُّفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كُلْ! فإني قد أكلتُ فلم يضرَّني. فلما أكل آدم بدت لهما سوآتُهما وَطفقا يَخصفان عليهما من ورق الجنة .
٧٤٤ - حُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثني محدّث: أن الشيطان دخل الجنة في صورة دابة ذات قوائم، فكان يُرى أنه البعير، قال: فلعِن، فسقطت قوائمه فصار حيَّة.
٧٤٥ - وحُدِّثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: وحدثني أبو العالية أن منَ الإبل مَا كان أوّلها من الجن، قال: فأبيحت له الجنة كلها إلا الشجرة ، وقيل لهما:"لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين". قال: فأتى الشيطان حواء فبدأ بها، فقال: أنُهيتما عن شيء؟ قالت: نعم! عن هذه الشجرة فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠] قال: فبدأت حواء فأكلت منها، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال: وكانت شجرةً من أكل منها أحدث. قال: ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَث. قال:"فأزالهما الشيطان عَنها فأخرجهما مما كانا فيه" ، قال: فأخرج آدم من الجنة .
٧٤٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أن آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة وما أعطاه الله منها، قال: لو أن خُلدًا كان! فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه ، فأتاه من قِبَل الخلد. .
٧٤٧ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حُدثت: أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما، أنه ناح عليهما نياحَة أحزنتهما حين سمعاها، فقالا ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما. ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال: يا آدم هَل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى؟ وقال:"ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين". أي تكونا مَلَكين، أو تخلدَا، إن لم تكونا ملكين - في نعمة الجنة فلا تموتان. يقول الله جل ثناؤه:"فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ" .
٧٤٨ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها، ثم حسَّنها في عين آدم. قال: فدعاها آدم لحاجته، قالت: لا! إلا أن تأتي ههنا. فلما أتى قالت: لا! إلا أن تأكل من هذه الشجرة. قال: فأكلا منها فبدَت لهما سَوآتهما. قال: وذهب آدم هاربًا في الجنة، فناداه ربه: يا آدم أمنِّي تفرّ؟ قال: لا يا رب، ولكن حياءً منك. قال: يا آدم أنَّى أُتِيت؟ قال: من قِبَل حواء أي رب. فقال الله: فإن لها عليَّ أن أدميها في كل شهر مرة، كما أدميت هذه الشجرة ، وأن أجعلها سفيهةً فقد كنت خلقتها حَليمة، وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا، فقد كنت جعلتها تحمل يُسرًا وتَضع يُسرًا. قال ابن زيد: ولولا البلية التي أصابت حوّاء. لكان نساء الدنيا لا يَحضن، ولَكُنَّ حليماتٍ، وكن يحملن يُسرًا ويضعن يسُرًا.
٧٤٩ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعته يحلف بالله ما يستثْني - ما أكل آدم من الشجرة وهو يَعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل .
٧٥٠ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس، قال: إن عدو الله إبليس عرض نفسه على دوابّ الأرض أيُّها يحمله حتى يدخل الجنة معها ويكلم آدم وزوجته ، فكلّ الدواب أبى ذلك عليه، حتى كلّم الحية فقال لها: أمنعك من ابن آدم، فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتِني الجنة. فجعلته بين نابين من أنيابها، ثم دخلت به، فكلمهما من فيها؛ وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم، فأعراها الله وجعلها تمشي على بطنها. قال: يقول ابن عباس: اقتلوها حيث وَجَدتُموها، أخفروا ذمَّةَ عدوّ الله فيها .
٧٥١ - وحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، قال قال ابن إسحاق: وأهل التوراة يدرُسون: إنما كلم آدمَ الحية، ولم يفسروا كتفسير ابن عباس.
٧٥٢ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي مَعشر، عن محمد بن قيس، قال: نهى الله آدمَ وحواء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، ويأكلا منها رَغدًا حيث شاءَا. فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حواء، ووسوس الشيطان إلى آدم فقال:"ما نهاكما رَبُّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين". قال: فقطعت حواء الشجرة فدَميت الشجرة. وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة الأعراف: ٢٢] . لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا رب أطعمتني حواء. قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت: أمرتني الحية. قال للحية: لم أمرتِها؟ قالت: أمرني إبليس. قال: ملعونٌ مدحورٌ! أما أنت يا حواء فكما أدميْتِ الشجرة تَدْمَيْن في كلّ هلال، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جريًا على وَجهك، وَسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ .
* * *
قال أبو جعفر: وقد رُويت هذه الأخبار - عمن رويناها عنه من الصحابة والتابعين وغيرهم - في صفة استزلال إبليس عدوِّ الله آدمَ وزوجتَه حتى أخرجهما من الجنة.
وأولى ذلك بالحق عندنا ما كان لكتاب الله مُوافقًا. وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنه وسوس لآدم وزوجته ليبديَ لهما ما وُري عنهما من سَوآتهما، وأنه قال لهما:"ما نهاكما رَبكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين"، وأنه"قاسمَهما إني لكما لمن الناصحين" مُدلِّيًا لهما بغرور. ففي إخباره جل ثناؤه - عن عدوّ الله أنه قاسم آدم وزوجته بقيله لهما: إني لكما لمن الناصحين - الدليلُ الواضح على أنه قد باشر خطابهما بنفسه، إما ظاهرًا لأعينهما، وإما مستجِنًّا في غيره. وذلك أنه غير مَعقول في كلام العرب أن يقال: قاسم فلانٌ فلانًا في كذا وكذا. إذا سبّب له سببًا وصل به إليه دون أن يحلف له. والحلف لا يكون بتسبب السبب. فكذلك قوله"فوسوس إليه الشيطان"، لو كان ذلك كان منه إلى آدم - على نحو الذي منه إلى ذريته، من تزيين أكل ما نهى الله آدم عن أكله من الشجرة، بغير مباشرة خطابه إياه بما استزلّه به من القول والحيل - لما قال جلّ ثناؤه:"وقاسمَهما إني لكما لمن الناصحين". كما غير جائز أن يقول اليوم قائلٌ ممن أتى معصية: قاسمني إبليس أنه لي ناصحٌ فيما زيَّن لي من المعصية التي أتيتها. فكذلك الذي كان من آدمَ وزوجته، لو كان على النحو الذي يكون فيما بين إبليس اليومَ وذرية آدم - لما قال جلّ ثناؤه:"وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين"، ولكن ذلك كان - إن شاء الله - على نحو ما قال ابن عباس ومن قال بقوله.
فأما سَبب وصوله إلى الجنة حتى كلم آدم بعد أن أخرجه الله منها وطرده عنها، فليس فيما رُوي عن ابن عباس ووهب بن منبه في ذلك معنى يجوز لذي فهم مُدافعته، إذ كان ذلك قولا لا يدفعه عقل ولا خبر يلزم تصديقه من حجة بخلافه ، وهو من الأمور الممكنة. والقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبرنا الله جل ثناؤه ؛ وممكن أن يكون وصل إلى ذلك بنحو الذي قاله المتأولون، بل ذلك - إن شاء الله - كذلك، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك. وإن كان ابن إسحاق قد قال في ذلك ما:-
٧٥٣ - حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق في ذلك، والله أعلم، كما قال ابن عباس وأهل التوراة: إنه خَلص إلى آدم وزوجته بسُلطانه الذي جعل الله له ليبتلي به آدم وذريته، وأنه يأتي ابن آدم في نَوْمته وفي يَقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوَه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه. وقد قال الله عز وجلّ:"فأزلهما الشيطان عنها، فأخرَجهما مما كانا فيه" ، وقال: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) [سورة الأعراف: ٢٧] وقد قال الله لنبيه عليه السلام: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ﴾ إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُويت عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشيطان يجري من ابن آدمَ مَجرى الدم . ثم قال ابن إسحاق : وإنما أمرُ ابن آدم فيما بينه وبين عدوِّ الله، كأمره فيما بينه وبين آدم. فقال الله: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٣] . ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كلمهما، كما قصَّ الله علينا من خبرهما، فقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [سورة طه: ١٢٠] ، فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه - فالله أعلمُ أيّ ذلك كان - فتابا إلى ربهما.
* * *
قال أبو جعفر: وليس في يقين ابن إسحاق - لو كان قد أيقن في نفسه - أن إبليس لم يخلص إلى آدم وزوجته بالمخاطبة بما أخبر الله عنه أنه قال لهما وخاطبهما به، ما يجوز لذي فهم الاعتراضُ به على ما ورد من القول مستفيضًا من أهل العلم، مع دلالة الكتاب على صحة ما استفاض من ذلك بينهم. فكيف بشكّه؟ والله نسأل التوفيق.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾
قال أبو جعفر: وأما تأويل قوله"فأخرجهما"، فإنه يعني: فأخرج الشيطانُ آدمَ وزوجته،"مما كانا"، يعني مما كان فيه آدمُ وزوجته من رغد العيش في الجنة، وسعة نعيمها الذي كانا فيه. وقد بينا أن الله جل ثناؤه إنما أضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان - وإن كان الله هو المخرجَ لهما - لأن خروجهما منها كان عن سبب من الشيطان، فأضيف ذلك إليه لتسبيبه إياه كما يقول القائل لرجل وَصل إليه منه أذى حتى تحوّل من أجله عن موضع كان يسكنه:"ما حوَّلني من موضعي الذي كنت فيه إلا أنت"، ولم يكن منه له تحويل، ولكنه لما كان تحوّله عن سبب منه، جازَ له إضافة تحويله إليه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾
قال أبو جعفر: يقال هَبط فلان أرضَ كذا وواديَ كذا، إذا حلّ ذلك كما قال الشاعر:
مَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ ... أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا
وقد أبان هذا القولُ من الله جل ثناؤه، عن صحة ما قلنا من أنّ المخرِجَ آدمَ من الجنة هو الله جل ثناؤه، وأن إضافة الله إلى إبليس ما أضاف إليه من إخراجهما، كان على ما وصفنا. ودلّ بذلك أيضًا على أنّ هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس، كان في وقت واحد، بجَمْع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم، بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته، وتسبُّب إبليس ذلك لهما ، على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم.
* * *
قال أبو جعفر: وقد اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله:"اهبطوا"، مع إجماعهم على أن آدم وزوجته ممن عُني به.
٧٥٤ - فحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي عَوَانة، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح:"اهبطوا بَعضُكم لبعض عَدوٌّ"، قال: آدم وحواءُ وإبليس والحية .
٧٥٥ - حدثنا ابن وكيع، وموسى بن هارون، قالا حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ:"اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ"، قال: فلعنَ الحية وقطع قوائمها وتركها تمشي على بطنها، وجعل رزقها من التراب. وأهبِط إلى الأرض آدمُ وحواء وإبليس والحية .
٧٥٦ - وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله:"اهبِطوا بعضكم لبعض عدو"، قال: آدم وإبليس والحية .
٧٥٧ - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"اهبطوا بعضكم لبعض عدو"، آدم وإبليس والحية، ذريةٌ بعضُهم أعداءٌ لبعضٍ.
٧٥٨ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"بعضكم لبعض عدوٌّ"، قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.
٧٥٩ - وحدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"بعضكم لبعض عدوٌّ" قال: يعني إبليس وآدم.
٧٦٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السُّدّيّ، عمن حدثه عن ابن عباس في قوله:"اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: بعضهم لبعض عدوّ: آدم وحواء وإبليس والحية .
٧٦١ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهديّ، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول:"اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: آدم وحواء وإبليس والحية.
٧٦٢ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:"اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: لهما ولذريتهما.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كانت عداوة ما بين آدمَ وزوجته وإبليس والحية؟ قيل: أما عداوة إبليس آدم وذريته، فحسدهُ إياه، واستكبارُه عن طاعة الله في السجود له حين قال لربه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [سورة ص: ٧٦] . وأما عداوة آدم وذريته إبليس، فعداوةُ المؤمنين إياه لكفره بالله وعصيانه لربّه في تكبره عليه ومُخالفته أمرَه. وذلك من آدم ومؤمني ذريته إيمانٌ بالله. وأما عداوة إبليسَ آدمَ فكفرٌ بالله.
وأما عدَاوة ما بين آدم وذريته والحية، فقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عباس ووهب بن منبه، وذلك هي العداوة التي بيننا وبينها، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: مَا سالمناهُنّ مُنذ حَاربْناهن، فمن تركهنّ خشيةَ ثأرهنَّ فليس منَّا.
٧٦٣ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثني حَجاج بن رِشْدين، قال: حدثنا حَيْوة بن شُريح، عن ابن عَجلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما سَالمناهُنَّ مُنذ حارَبناهنّ، فمن ترك شيئًا منهنّ خيفةً، فليس منا قال أبو جعفر: وأحسبُ أن الحرب التي بيننا، كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم، في إدخالها إبليس الجنة بعد أن أخرجه الله منها، حتى استزلّه عن طاعة ربه في أكله ما نُهي عن أكله من الشجرة.
٧٦٤ - وحدثنا أبو كريب، قال حدثنا معاوية بن هشام - وحدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثني آدم - جميعًا، عن شيبان، عن جابر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: سئل رسول الله ﷺ: عن قَتل الحيَّات، فقال رسول الله ﷺ: خُلقتْ هي والإنسانُ كل واحد منهما عدوّ لصاحبه، إن رآها أفزعته، وإن لدَغته أوجعته، فاقتلها حَيث وجدتها .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال: بعضهم بما:-
٧٦٥ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"ولكم في الأرض مُستقَرٌّ" قال: هو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [سورة البقرة: ٢٢] .
٧٦٦ - وحُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ولكم في الأرض مستقرٌّ"، قال: هو قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ [سورة غافر: ٦٤] .
وقال آخرون: معنى ذلك ولكم في الأرض قَرَار في القبور.
* ذكر من قال ذلك:
٧٦٧ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ:"ولكم في الأرض مستقر"، يعني القبور .
٧٦٨ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس قال:"ولكم في الأرض مستقرٌّ"، قال: القبور .
٧٦٩ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:"ولكم في الأرض مستقر"، قال: مقامهم فيها .
* * *
قال أبو جعفر: والمستقرُّ في كلام العرب، هو موضع الاستقرار. فإذْ كان ذلك كذلك، فحيث كان من في الأرض موجودًا حالا فذلك المكان من الأرض مستقره.
إنما عنى الله جل ثناؤه بذلك: أنّ لهم في الأرض مستقرًّا ومنزلا بأماكنهم ومستقرِّهم من الجنة والسماء. وكذلك قوله:"ومتاع" يعني به: أن لهم فيها متاعًا بمتاعهم في الجنة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: ولكم فيها بَلاغ إلى الموت.
* ذكر من قال ذلك:
٧٧٠ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في قوله:"ومتاعٌ إلى حين"، قال يقول: بلاغ إلى الموت .
٧٧١ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس:"ومتاعٌ إلى حين"، قال: الحياة .
* * *
وقال آخرون: يعني بقوله:"ومتاعٌ إلى حين"، إلى قيام الساعة.
* ذكر من قال ذلك:
٧٧٢ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"ومتاع إلى حين"، قال: إلى يوم القيامة، إلى انقطاع الدنيا.
* * *
وقال آخرون:"إلى حين"، قال: إلى أجل.
* ذكر من قال ذلك:
٧٧٣ - حُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"ومتاع إلى حين"، قال: إلى أجل .
* * *
والمتاع في كلام العرب: كل ما استُمتع به من شيء، من معاش استُمتع به أو رِياش أو زينة أو لذة أو غير ذلك . فإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ثناؤه قد جَعل حياة كل حيّ متاعًا له يستمتع بها أيام حياته، وجعل الأرض للإنسان مَتاعًا أيام حياته، بقراره عليها، واغتذائه بما أخرج الله منها من الأقوات والثمار، والتذاذه بما خلق فيها من الملاذِّ، وجعلها من بعد وفاته لجثته كِفاتًا ، ولجسمه منزلا وَقرارا؛ وكان اسم المتاع يَشمل جميع ذلك - كان أولى التأويلات بالآية - إذْ لم يكن الله جل ثناؤه وضع دلالة دالة على أنه قَصد بقوله:"ومتاعٌ إلى حين" بعضًا دون بعض، وخاصًّا دون عامٍّ في عقل ولا خبر - أن يكون ذلك في معنى العامِّ، وأن يكون الخبر أيضًا كذلك، إلى وقت يطول استمتاع بني آدم وبني إبليس بها، وذلك إلى أن تُبدَّل الأرض غير الأرض. فإذْ كان ذلك أولى التأويلات بالآية لما وَصفنا، فالواجب إذًا أن يكون تأويل الآية: ولكم في الأرض مَنازلُ ومساكنُ تستقرُّون فيها استقراركم - كان - في السموات، وفي الجنان في منازلكم منها ، واستمتاع منكم بها وبما أخرجت لكم منها، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش والزَّين والملاذِّ، وبما أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم لأرْماسكم وأجدَاثكم تُدفنون فيها ، وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها.
حواشي المحقق
في المطبوعة: "اختلف القراء" والقَرَأَة جمع قارئ، وانظر ما مضى: ٥١، تعليق، وص: ٦٤، ١٠٩ وغيرهما.
الخبر: ٧٤١ - في الدر المنثور ١: ٥٣، والشوكاني ١: ٥٦.
في المطبوعة: "لكن المعنى المفهوم"، زاد ما لا جدوى فيه.
في المطبوعة: "سنذكر" بغير واو.
في المطبوعة: "عمرو" بدل"عمر"، وفي المخطوطة وابن كثير: "مهران"، بدل"مهرب". وكلاهما خطأ، صوابه ما أثبتنا: "عمر بن عبد الرحمن بن مهرب"، فهذا الشيخ ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣/١/١٢١، وقال: "سمع وهب بن منبه، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني، وعبد الرزاق". ثم روى عن يحيى بن معين، قال: "عمر بن عبد الرحمن بن مهرب: ثقة". ولم أجد له ترجمة أخرى. و"مهرب": لم أجد نصًّا بضبطها في هذا النسب، إلا قول صاحب القاموس أنهم سموا من مادة (هرب) بوزن"محسن" - يعني بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه. ووقع اسم هذا الشيخ محرفًا إلى شيخين، في تاريخ الطبري ١: ٥٤ - في هذا الإسناد، هكذا: "معمر عن عبد الرحمن بن مهران"!
في المطبوعة: "فجاء به"، والذي أثبتناه من المخطوطة وتاريخ الطبري.
في المطبوعة: "أنا هنا يا رب"، وأثبتناه ما في المخطوطة وتاريخ الطبري.
في المطبوعة: "قال عمرو"، وأثبتنا الصواب من المخطوطة، ومما ذكرنا آنفًا.
الأثر: ٧٤٢ - في تاريخ الطبري ١: ٥٤، بهذا الإسناد، وأوله في ابن كثير ١: ١٤٣.
في المطبوعة وتاريخ الطبري ١: ٥٣: "فأدخلته في فمها، فمرت الحية. . . "، وما أثبتناه من المخطوطة.
في المطبوعة وتاريخ الطبري: "فكلمة من فمها". وفي المطبوعة: "فلم يبال بكلامه".
في المخطوطة: "وتكونا من الخالدين".
الخبر: ٧٤٣. بنصه في تاريخ الطبري ١: ٥٣، وببعض الاختلاف في الدر المنثور ١: ٥٣، والشوكاني ١: ٥٦.
الأثر: ٧٤٤ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥.
في تاريخ الطبري ١: ٥٥، زيادة سياقها: ". . . كلها - يعني آدم - إلا الشجرة".
في تاريخ الطبري ١: ٥٥"فأزلهما الشيطان".
الأثر: ٧٤٥ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥
في التاريخ: "لو أنا خلدنا". وفي المطبوعة: "فاغتنمها منه الشيطان"، لم يحسنوا قراءة المخطوطة فبدلوا الحرف، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ. يقال: سمع مني كلمة فاغتمزها، أي استضعفها ووجد فيها مغمزًا يعاب يؤتي من قبله.
الأثر: ٧٤٦ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥.
في المخطوطة: "أي تكونا ملكين، أو تخلدان إن لم. . . " وفي التاريخ ١: ٥٥: "أي تكونان ملكين أو تخلدان - أي إن لم. . . ".
الأثر: ٧٤٧ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥.
في المخطوطة: "كما دمت هذه الشجرة".
الأثر: ٧٤٨ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥.
الأثر: ٧٤٩ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥ - ٥٦، وهو هناك تام.
في المخطوطة والمطبوعة والدر المنثور: "أنها تحمله حتى يدخل. . . "، وأثبت ما في تاريخ الطبري ١: ٥٤، فهو أجود وأصح.
الخبر: ٧٥٠ - في تاريخ الطبري ١: ٥٣ -٥٤، والدر المنثور ١: ٥٣. وأخفر الذمة والعهد: نقضهما، ولم يف بهما.
في المطبوعة: "فعضت حواء الشجرة"، وأثبتنا ما في المخطوطة وتاريخ الطبري ١: ٥٤.
في المطبوعة: "فتدمين"، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ.
الأثر: ٧٥٢ - في تاريخ الطبري ١: ٥٤.
في المطبوعة: "إذا كان ذلك قولا لا يدفعه قول. . . ".
في المطبوعة: "والقول في ذلك. . . ".
في المطبوعة والمخطوطة: "وقد قال الله فوسوس لهما الشيطان، فأخرجهما مما كان فيه"، وهذه ليست آية، والصواب أنه أراد آية سورة البقرة هذه.
حديث"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" - حديث صحيح جدًّا - رواه أحمد والشيخان وأبو داود، من حديث أنس، ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه، من حديث صفية، وهي بنت حيي، أم المؤمنين، كما في الجامع الصغير: ٢٠٣٦.
في المطبوعة إسقاط: "ثم".
في المطبوعة: "وأضيف ذلك. . . ".
لعل صواب العبارة: "إذا حل ذلك الموضع"، فسقطت كلمة من الناسخين.
البيت لزهير بن أبي سلمى، ديوانه: ٣٧، أرمقهم: يعني أحبابه الراحلين، وينظر إليهم حزينًا كئيبًا، والركاب: الإبل التي يرحل عليها. وراكس: واد في ديار بني سعد بن ثعلبة، من بني أسد. وفلق وفالق: المطمئن من الأرض بين ربوتين أو جبلين أو هضبتين، وقالوا: فالق وفلق، كما قالوا: يابس ويبس (بفتحتين) .
لعل الأجود: "وتسبيب إبليس ذلك لهما"، وهي في المخطوطة غير منقوطة.
الأثر: ٧٥٤ - في الدر المنثور ١: ٥٥.
الأثر: ٧٥٥ - في تاريخ الطبري ١: ٥٦، والظاهر أن إسناده هنا سقط منه شيء، وتمامه في التاريخ: ". . . عن السدي - في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: اهبطوا. . . ". وهو الإسناد الذي يكثر الطبري من الرواية به.
الأثر: ٧٥٦ - في تاريخ الطبري ١: ٥٦.
الآثار: ٧٥٧ - ٧٥٩ لم أجدها بإسنادها في مكان.
الخبر: ٧٦٠ - كالذي يليه من طريق آخر.
الخبر: ٧٦١ - في تاريخ الطبري ١: ٥٦.
الأثر: ٧٦٢ - لم أجده في مكان.
الحديث: ٧٦٣ - إسناده جيد. والحديث مروي بأسانيد أخر صحاح، كما سنذكر، إن شاء الله. حجاج: هو ابن رشدين بن سعد المصري، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/٢/١٦٠، وذكر أنه يروي عن"حيوة بن شريح"، ويروي عنه"محمد بن عبد الله بن عبد الحكم". وذكر أنه سأل عنه أبا زرعة، قال: "لا علم لي به، لم أكتب عن أحد عنه". وترجمه الحافظ في لسان الميزان، ونقل أنه ضعفه ابن عدي، وأنه مات سنة ٢١١، وأن ابن يونس لم يذكر فيه جرحًا، "وقال الخليلي: هو أمثل من أبيه، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به"، وأن ابن حبان ذكره في الثقات. وهذا كاف في توثيقه، خصوصًا وأن ابن يونس أعرف بتاريخ المصريين.
وأبوه اسمه"رشدين"، بكسر الراء والدال بينهما شين معجمة ساكنة، وبعد الدال ياء ونون. ووقع في المطبوعة"رشد"؛ وهو خطأ.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٩٥٨٦، عن يحيى - وهو القطان، ١٠٧٥٢، عن صفوان - وهو ابن عيسى الزهري، كلاهما عن ابن عجلان، به (٢: ٤٣٢، ٥٢٠ من طبعة الحلبي) . ورواه أيضًا قبل ذلك مختصرًا: ٧٣٦٠ (٢: ٢٤٧) عن سفيان بن عيينة. ورواه أبو داود: ٥٢٤٨ (٤: ٥٣٤ عون المعبود) ، من طريق سفيان، تاما. وهذه أسانيد صحاح.
وورد معناه من حديث ابن عباس، في المسند أيضًا: ٢٠٣٧، ٣٢٥٤. وقريب من معناه من حديث ابن مسعود، في المسند أيضًا: ٣٩٨٤.
الحديث: ٧٦٤ - في الدر المنثور ١: ٥٥، ونسبه للطبري فقط. وهو في مجمع الزوائد ٤: ٤٥ بلفظ آخر، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جابر غير مسمى، والظاهر أنه الجعفي، وثقه الثوري وشعبة، وضعفه الأئمة أحمد وغيره.
الأثران: ٧٦٥ - ٧٦٦: لم أجدهما في مكان.
الأثر: ٧٦٧ - لم أجده في مكان.
الخبر: ٧٦٨ - في الدر المنثور ١: ٥٥، وهو من تمام الخبر: ٧٦١.
الأثر: ٧٦٩ - لم أجده في مكان.
الأثر: ٧٧٠ - لم أجده في مكان.
الأثر: ٧٧١ - في الدر المنثور ١: ٥٥، وهو من تمام الأثرين: ٧٦١، ٧٦٨.
الأثران: ٧٧٢، ٧٧٣: لم أجدهما في مكان.
في المخطوطة: "في معاش استمتع. . . ".
الكفات: الموضع الذي يضم فيه الشيء ويقبض.
في المطبوعة: "إن لم يكن الله. . . "، وهو خطأ.
في المطبوعة: "في الجنات".
الأرماس جمع رمس، والأجداث جمع جدث (بفتحتين) : وهما بمعنى القبر.
معاني الكلمات
من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com
فَأَزَلَّهُمَا: أَوْقَعَهُمَا فِي الْخَطِيئَةِ.
النفحات المكية
محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com
ثم بيَّن سبحانه أن الشيطان زيَّن لآدمَ وزوجِهِ الأكلَ من الشجرة، وأخبَرَهما أن الأكلَ منها يُكْسِبهما الخلودَ في الجنة، وأقسَمَ أنه ناصحٌ ومخلِصٌ لهما، فلم يزَلِ الشيطانُ يوسوِسُ لهما حتى حمَلَهما على الخطيئة التي أَزَلَّتْهُمَا وأخرَجَتْهما من الجنة ونعيمها؛ ولهذا أمَرَ سبحانه آدمَ وحوَّاءَ وإبليسَ بالنزول إلى الأرض، وجعَلَ بعضهم يعادي بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ﴾ [فاطر:٦].
ثم أخبَرَهما سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه جعَلَ الأرضَ سكنًا ومعاشًا لآدمَ وذُرِّيته حتى يأذنَ الله بقيام الساعة وانتهاء الآجال؛ قال تعالى: ﴿مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ [طه:٥٥].
نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.