الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة البقرة ‹ الآية ٨٣
تفسير الآية ٨٣ من سورة البقرة
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ٨٣
اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزولاسأل على واتساب
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com
واذكروا - يا بني إسرائيل - العهد المؤكد الذي أخذناه عليكم، بأن توحِّدوا الله ولا تعبدوا معه غيره، وبأن تحسنوا إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين المحتاجين، وبأن تقولوا للناس كلامًا حسنًا، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر بلا غلظة وشدة، وبأن تؤدوا الصلاة تامة على نحو ما أمرتكم، وبأن تؤتوا الزكاة بصرفها لمستحقيها طيّبة بها أنفسكم، ثم بعد هذا العهد الذي أُخذ عليكم انصرفتم معرضين عن الوفاء به إلا من عصمه الله منكم، فوفى لله بعهده وميثاقه.
التفسير الميسر
نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com
واذكروا يا بني إسرائيل حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا: بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تحسنوا للوالدين، وللأقربين، وللأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون بلوغ الحلم، وللمحتاجين الذين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم، وأن تقولوا للناس أطيب الكلام، مع أداء الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أَعْرَضْتم ونقضتم العهد -إلا قليلا منكم ثبت عليه- وأنتم مستمرون في إعراضكم.
تفسير السعدي
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com
{83} فهذه الشرائع من أصول الدين التي أمر الله بها في كل شريعة لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان؛ فلا يدخلها نسخ، كأصل الدين، ولهذا أمرنا الله بها في قوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً}؛ إلى آخر الآية.
فقوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل}؛ هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به استعصوا، فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة والعهود الموَثَّقة {لا تعبدون إلا الله}؛ هذا أمر بعبادة الله وحده ونهي عن الشرك به، وهذا أصل الدين فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها، فهذا حق الله تعالى على عباده، ثم قال: {وبالوالدين إحساناً}؛ أي أحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين أو عدم الإحسان والإساءة؛ لأن الواجب الإحسان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرماً، وترك الإحسان بدون إساءة وهذا محرم لكن لا يجب أن يلحق بالأول.
اقرأ بقية تفسير السعدي
وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد بل تكون بالحد كما تقدم. ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموماً فقال: {وقولوا للناس حسناً}؛ ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتعليمهم العلم وبذل السلام والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب، ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله أُمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}؛ ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده أن يكون الإنسان نزيهاً في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء ولا شاتم ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق واسع الحلم، مجاملاً لكلِّ أحد، صبوراً على ما يناله من أذى الخلق امتثالاً لأمر الله ورجاءً لثوابه.
ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد، ثم بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل، عرف أن من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها وتفضل بها، عليهم وأخذ المواثيق عليكم {توليتم}؛ على وجه الإعراض؛ لأن المتولي قد يتولى وله نية رجوع إلى ما تولى عنه، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان. وقوله: {إلا قليلاً منكم}؛ هذا استثناء؛ لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلاً منهم عصمهم الله وثبتهم.
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
يُذكّر تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ، وَأَخَذَ مِيثَاقَهَمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَعْرَضُوا قَصْدًا وَعَمْدًا، وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَيَذْكُرُونَهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَبِهَذَا أَمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] وَهَذَا هُوَ أَعْلَى الْحُقُوقِ وَأَعْظَمُهَا، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ بَعْدَهُ حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ، وَآكَدُهُمْ وَأَوْلَاهُمْ بِذَلِكَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ، وَلِهَذَا يَقْرِنُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ حَقِّهِ وَحَقِّ الْوَالِدَيْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لُقْمَانَ: ١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الْآيَةَ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣-٢٦] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" . وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِرُّ؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أباك. ثم أدناك أدناك" .
اقرأ بقية تفسير ابن كثير
[وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَبَرٌ بِمَعْنَى الطَّلَبِ، وَهُوَ آكَدُ. وَقِيلَ: كَانَ أَصْلُهُ: أَلَّا تَعْبُدُوا كَمَا قَرَأَهَا بَعْضُ السَّلَفِ فَحُذِفَتْ أَنْ فَارْتَفَعَ، وَحُكِيَ عَنْ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "لَا تَعْبُدُوا إِلا اللَّه". وَقِيلَ: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ قَسَمٌ، أَيْ: وَاللَّهِ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، وَنَقَلَ هَذَا التَّوْجِيهَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْمُبَرِّدُ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ] .
قَالَ: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وَهُمُ: الصِّغَارُ الَّذِينَ لَا كَاسِبَ لَهُمْ مِنَ الْآبَاءِ. [وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْيَتِيمُ فِي بَنِي آدَمَ مِنَ الْآبَاءِ، وَفِي الْبَهَائِمِ مِنَ الْأُمِّ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْيَتِيمَ أُطْلِقَ فِي بَنِي آدَمَ مِنَ الْأُمِّ أَيْضًا] ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ عِنْدَ آيَةِ النِّسَاءِ، التِي أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٣٦] .
* * *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أَيْ: كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، ولينُوا لَهُمْ جَانِبًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحُسْن مِنَ الْقَوْلِ: يأمُر بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحْلُمُ، وَيَعْفُو، وَيَصْفَحُ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ حُسْنًا كَمَا قَالَ اللَّهُ، وَهُوَ كُلُّ خُلُق حَسَنٍ رَضِيَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الخَزَّاز، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالْقَ أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْطَلِقٍ ".
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ [وَصَحَّحَهُ] مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ، وَاسْمُهُ صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ، بِهِ .
وَنَاسَبَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا، بَعْدَ مَا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِالْفِعْلِ، فَجَمَعَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِحْسَانِ الْفِعْلِيِّ وَالْقَوْلِيِّ. ثُمَّ أَكَّدَ الْأَمْرَ بِعِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ بالمُعيّن مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، فَقَالَ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَيْ: تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَأَعْرَضُوا عَنْهُ عَلَى عَمْدٍ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَمَرَ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] فَقَامَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ تَقُمْ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَمِنَ النُّقُولِ الْغَرِيبَةِ هَاهُنَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ -يَعْنِي التِّنِّيسِي-حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ صَبِيح، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَسَدِ بْنِ وَدَاعة: أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَلَا يَلْقَى يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُسَلِّمُ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وَهُوَ: السَّلَامُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِي، نَحْوَهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُبْدَؤُونَ بِالسَّلَامِ، والله أعلم .
حواشي المحقق
صحيح البخاري برقم (٥٢٧، ٥٩٧٠، ٧٥٣٤) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .
في ط: "ثم قال من".
جاء من حديث معاوية بن حيدة، رواه أبو داود في السنن برقم (٥١٣٩) ، ومن حديث كليب بن منفعة عن أبيه عن جده، رواه أبو داود في السنن برقم (٥١٤٠) .
في أ: "كما قرأها من قرأها من السلف".
زيادة من جـ، ط، ب، أ.
زيادة من جـ، ط، ب، أ.
في ط: "بوجه طلق".
زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
المسند (٥/١٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٢٦) وسنن الترمذي برقم (١٨٣٣) .
في جـ، ط، ب، أ، و: "بالمتعين".
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢١٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلى أضيقه".
تفسير الجلالين
جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net
﴿وَ﴾ اُذْكُرْ ﴿إذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل﴾ فِي التَّوْرَاة وَقُلْنَا ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ بِالتَّاءِ وَالْيَاء ﴿إلا الله﴾ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي وَقُرِئَ لَا تعبدوا ﴿وَ﴾ أَحْسِنُوا ﴿بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا﴾ بِرًّا ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ الْقَرَابَة عَطْف عَلَى الْوَالِدَيْنِ ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَقُولُوا لِلنَّاسِ﴾ قَوْلًا ﴿حُسْنًا﴾ مِنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَالصِّدْق فِي شَأْن مُحَمَّد وَالرِّفْق بِهِمْ وَفِي قِرَاءَة بِضَمِّ الْحَاء وَسُكُون السِّين مَصْدَر وُصِفَ بِهِ مُبَالَغَة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة﴾ فَقَبِلْتُمْ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أَعْرَضْتُمْ عَنْ الْوَفَاء بِهِ فِيهِ الْتِفَات عَنْ الْغِيبَة وَالْمُرَاد آبَاؤُهُمْ ﴿إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عَنْهُ كآبائكم
٨ -
تفسير البغوي
معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ)
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمِيثَاقِ هُنَا، فَقَالَ مَكِّيٌّ: هُوَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِينَ أُخْرِجُوا مِنْ صُلْبِ آدَمَ كَالذَّرِّ. وَقِيلَ: هُوَ مِيثَاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عُقَلَاءُ في حياتهم على ألسنة أنبيائهم.
وَهُوَ قَوْلُهُ: "لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ" وَعِبَادَةُ اللَّهِ إِثْبَاتُ تَوْحِيدِهِ، وَتَصْدِيقُ رُسُلِهِ، وَالْعَمَلُ بِمَا أَنْزَلَ فِي كُتُبِهِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ قَالَ سِيبَوَيْهِ: "لَا تَعْبُدُونَ" مُتَعَلِّقٌ بِقَسَمٍ، وَالْمَعْنَى وَإِذِ اسْتَخْلَفْنَاهُمْ وَاللَّهِ لَا تَعْبُدُونَ، وَأَجَازَهُ الْمُبَرِّدُ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ "لَا تَعْبُدُوا" عَلَى النَّهْيِ، وَلِهَذَا وَصَلَ الْكَلَامَ بِالْأَمْرِ فَقَالَ: "وقُومُوا، وقُولُوا، وأَقِيمُوا، وآتُوا". وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ مُوَحِّدِينَ، أَوْ غَيْرَ مُعَانِدِينَ، قَالَهُ قُطْرُبٌ وَالْمُبَرِّدُ أَيْضًا. وَهَذَا إِنَّمَا يَتَّجِهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ "يَعْبُدُونَ" بِالْيَاءِ مِنْ أَسْفَلَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ وَجَمَاعَةٌ: الْمَعْنَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ بِأَلَّا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَبِأَنْ يُحْسِنُوا لِلْوَالِدَيْنِ، وَبِأَلَّا يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ، ثُمَّ حُذِفَتْ أَنْ وَالْبَاءُ فَارْتَفَعَ الْفِعْلُ لِزَوَالِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي ". قَالَ الْمُبَرِّدُ: هَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ كُلَّ مَا أُضْمِرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلَهُ مُظْهَرًا، تَقُولُ: وَبَلَدٍ قَطَعْتُ، أَيْ رُبَّ بَلَدٍ. قُلْتُ: لَيْسَ هَذَا بِخَطَأٍ، بَلْ هُمَا وَجْهَانِ صحيحان وعليهما أنشد سيبويه:
اقرأ بقية تفسير القرطبي
ألا أيها ذا الزاجري أخضر الْوَغَى ... وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ، فَالنَّصْبُ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ، وَالرَّفْعُ عَلَى حَذْفِهَا. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. وَقَرَنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ بِالتَّوْحِيدِ، لِأَنَّ النَّشْأَةَ الْأُولَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالنَّشْءَ الثَّانِيَ- وَهُوَ التَّرْبِيَةُ- مِنْ جِهَةِ الْوَالِدَيْنِ، وَلِهَذَا قَرَنَ تَعَالَى الشُّكْرَ لَهُمَا بِشُكْرِهِ فَقَالَ:" أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ ". وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ: مُعَاشَرَتُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ، وَالتَّوَاضُعُ لَهُمَا، وَامْتِثَالُ أَمْرِهِمَا، وَالدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ بَعْدَ مَمَاتِهِمَا، وَصِلَةُ أَهْلِ وُدِّهِمَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا فِي" الْإِسْرَاءِ " إِنْ شَاءَ الله تعالى.
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذِي الْقُرْبى ﴾ عَطَفَ ذِي الْقُرْبَى عَلَى الْوَالِدَيْنِ. وَالْقُرْبَى: بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالرُّجْعَى وَالْعُقْبَى، أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْقَرَابَاتِ بِصِلَةِ أَرْحَامِهِمْ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا مُفَصَّلًا فِي سُورَةِ" الْقِتَالِ "إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَالْيَتامى ﴾الْيَتَامَى عُطِفَ أَيْضًا، وَهُوَ جَمْعُ يَتِيمٍ، مِثْلُ نَدامَى جَمْعُ نَدِيمٍ. وَالَيْتُمْ فِي بَنِي آدَمَ بِفَقْدِ الْأَبِ، وَفِي الْبَهَائِمِ بِفَقْدِ الْأُمِّ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْيَتِيمَ يُقَالُ فِي بَنِي آدَمَ فِي فَقْدِ الْأُمِّ، وَالْأَوَّلُ الْمَعْرُوفُ. وَأَصْلُهُ الِانْفِرَادُ، يُقَالُ: صَبِيٌّ يَتِيمٌ، أي منفرد من أبيه. وبئت يتيم: أي ليس قبله ولا بعده شي مِنَ الشِّعْرِ. وَدُرَّةٌ يَتِيمَةٌ: لَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْإِبْطَاءُ، فَسُمِّيَ بِهِ الْيَتِيمُ، لِأَنَّ الْبِرَّ يُبْطِئُ عَنْهُ. وَيُقَالُ: يَتُمَ يَيْتُمُ يُتْمًا، مِثْلَ عَظُمَ يَعْظُمُ. وَيَتِمَ يَيْتَمُ يُتْمًا وَيَتَمًا، مِثْلَ سَمِعَ يَسْمَعُ، ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ الْفَرَّاءُ. وَقَدْ أَيْتَمَهُ اللَّهُ. وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى الرَّأْفَةِ بِالْيَتِيمِ وَالْحَضِّ عَلَى كَفَالَتِهِ وَحِفْظِ مَالِهِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي" النِّسَاءِ ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ). وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَخَرَّجَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ أَبِي سَعِيدٍ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ وَاصِلٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِصَّانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا قَعَدَ يَتِيمٌ مَعَ قَوْمٍ عَلَى قَصْعَتِهِمْ فَيَقْرَبَ قَصْعَتَهُمُ الشَّيْطَانُ). وَخُرِّجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّحَبِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا من بين ملمين إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَلْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لَا يُغْفَرُ وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ كَرِيمَتَيْهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ- قَالُوا: وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَالَ:- عَيْنَاهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُتْنَ غُفِرَتْ له ذنوبه البتة إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لَا يُغْفَرُ) فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ هَاجَرَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَوِ اثْنَتَيْنِ). فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ مِنْ غَرَائِبِ الْحَدِيثِ وَغُرَرِهِ. السَّادِسَةُ- السَّبَّابَةُ مِنَ الْأَصَابِعِ هِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، وَكَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُدْعَى بِالسَّبَّابَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسُبُّونَ بِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كَرِهُوا هَذَا الِاسْمَ فَسَمَّوْهَا الْمُشِيرَةَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ فِي التَّوْحِيدِ. وَتُسَمَّى أَيْضًا بِالسَّبَّاحَةِ، جَاءَ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ اللُّغَةَ سَارَتْ بِمَا كَانَتْ تَعْرِفُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَغَلَبَتْ. وَرُوِيَ عَنْ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمُشِيرَةَ مِنْهَا كَانَتْ أَطْوَلَ مِنَ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْوُسْطَى أَقْصَرُ مِنْهَا، ثُمَّ الْبِنْصَرُ أَقْصَرُ مِنَ الْوُسْطَى. رَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ الطَّائِفِيُّ قَالَ حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي سَارَةُ بِنْتُ مِقْسَمٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ قَالَتْ: خَرَجْتُ فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَسَأَلَهُ أَبِي عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَتَعَجَّبُ وَأَنَا جَارِيَةٌ مِنْ طُولِ أُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ عَلَى سَائِرِ أَصَابِعِهِ. فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ)، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: (أُحْشَرُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا) وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ ذِكْرَ الْمَنَازِلِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْخَلْقِ فَقَالَ: نُحْشَرُ هَكَذَا وَنَحْنُ مُشْرِفُونَ، وَكَذَا كَافِلُ الْيَتِيمِ تَكُونُ مَنْزِلَتُهُ رَفِيعَةً. فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَأْنَ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَّى حَمَلَ تَأْوِيلَ الْحَدِيثِ عَلَى الِانْضِمَامِ وَالِاقْتِرَابِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي مَحَلِّ الْقُرْبَةِ. وَهَذَا مَعْنًى بَعِيدٌ، لِأَنَّ مَنَازِلَ الرُّسُلِ وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَرَاتِبُ مُتَبَايِنَةٌ، وَمَنَازِلُ مُخْتَلِفَةٌ. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى "وَالْمَساكِينِ" "الْمَسَاكِينِ" عَطْفٌ أَيْضًا أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَسْكَنَتْهُمُ الْحَاجَةُ وَأَذَلَّتْهُمْ. وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْحَضَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْمُؤَاسَاةِ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِ الْمَسَاكِينِ وَالضُّعَفَاءِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَأَحْسَبُهُ قَالَ- وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ (. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَانَ طَاوُسٌ يَرَى السَّعْيَ عَلَى الْأَخَوَاتِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الثامنة- قوله تعالى: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً" "حُسْناً" نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى لِيَحْسُنْ قَوْلُكُمْ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ وَقُولُوا لِلنَّاسِ قَوْلًا ذَا حُسْنٍ، فَهُوَ مَصْدَرٌ لَا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "حَسَنًا" بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، مِثْلُ الْبُخْلِ وَالْبَخَلِ، وَالرُّشْدِ وَالرَّشَدِ. وَحَكَى الْأَخْفَشُ: "حُسْنَى" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى فُعْلَى. قَالَ النَّحَّاسُ: "وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، لَا يُقَالُ مِنْ هذا شي إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، نَحْوُ الْفُضْلَى وَالْكُبْرَى وَالْحُسْنَى، هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ" حُسُنًا "بِضَمَّتَيْنِ، مِثْلَ" الْحُلُمِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَعْنَى قُولُوا لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمُرُوهُمْ بِهَا. ابْنُ جُرَيْجٍ: قُولُوا لِلنَّاسِ صِدْقًا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتغيروا نَعْتَهُ. سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ. أَبُو الْعَالِيَةِ: قُولُوا لَهُمُ الطَّيِّبَ مِنَ الْقَوْلِ، وَجَازُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَا تُحِبُّونَ أَنْ تُجَازَوْا بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ حَضٌّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فينبغي للإنسان أن يكون قول لِلنَّاسِ لَيِّنًا وَوَجْهُهُ مُنْبَسِطًا طَلْقًا مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالسُّنِّيِّ وَالْمُبْتَدِعِ، مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلَامٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يُرْضِي مَذْهَبَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ:" فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ". فَالْقَائِلُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ، وَالْفَاجِرُ لَيْسَ بِأَخْبَثَ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَقَدْ أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِاللِّينِ مَعَهُ. وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُمَرَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ إِنَّكَ رَجُلٌ يَجْتَمِعُ عِنْدَكَ نَاسٌ ذَوُو أَهْوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَنَا رَجُلٌ فِيَّ حِدَّةٌ فَأَقُولُ لَهُمْ بَعْضَ الْقَوْلِ الْغَلِيظِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ! يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً". فَدَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَكَيْفَ بِالْحَنِيفِيِّ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: (لَا تَكُونِي فَحَّاشَةً فَإِنَّ الْفُحْشَ لَوْ كَانَ رَجُلًا لَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ). وَقِيلَ: أَرَادَ بِالنَّاسِ مُحَمَّدًا ﷺ، كَقَوْلِهِ:" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ " فَكَأَنَّهُ قَالَ: قُولُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ حسنا. وحكى
الْمَهْدَوِيُّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ قَوْلَهُ: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً" مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَحَكَاهُ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خُوطِبَتْ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا أُمِرُوا بِهِ فَلَا نَسْخَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ. وَالْخِطَابُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَزَكَاتُهُمْ هِيَ الَّتِي كَانُوا يَضَعُونَهَا فَتَنْزِلُ النَّارُ عَلَى مَا يُتَقَبَّلُ، وَلَا تَنْزِلُ عَلَى مَا لَمْ يُتَقَبَّلْ، وَلَمْ تَكُنْ كَزَكَاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. قُلْتُ: وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الزَّكَاةُ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا طَاعَةُ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصُ. الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الْخِطَابُ لِمُعَاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَسْنَدَ إِلَيْهِمْ تَوَلِّي أَسْلَافِهِمْ إِذْ هُمْ كُلُّهُمْ بِتِلْكَ السَّبِيلِ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْحَقِّ مِثْلُهُمْ، كَمَا قَالَ:" شِنْشِنَةٌ أعرفها من أخزم". "إِلَّا قَلِيلًا" كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ. و "قَلِيلًا" نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُسْتَثْنَى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَنْصُوبٌ، لأنه مشبه بالمفعول. وقال محمد ابن يَزِيدَ: هُوَ مَفْعُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، الْمَعْنَى اسْتَثْنَيْتُ قَلِيلًا. "وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَالْإِعْرَاضُ وَالتَّوَلِّي بِمَعْنًى وَاحِدٍ، مُخَالَفٌ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ. وَقِيلَ: التولي بِالْجِسْمِ، وَالْإِعْرَاضُ بِالْقَلْبِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: "وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ" حَالٌ، لِأَنَّ التَّوَلِّيَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْإِعْرَاضِ.
حواشي المحقق
راجع ج ١ ص ٢٤٦، ٣٣٠.
راجع ج ١٥ ص ٢٧٦.
البيت لطرفة بن العبد في معلقته.
راجع ج ١٤ ص ٦٥.
راجع ج ١٠ ص ٢٣٨
راجع ج ١٦ ص ٢٤٥.
راجع ج ٥ ص ٨.
مالك: أحد رواة سند هذا الحديث.
لأنه ربيب دينار.
في تهذيب التهذيب: "بكسر أوله وتشديد المهملة آخره نون" وهو ابن كاهم ويقال ابن كاهن، كان أبوه كاهنا في الجاهلية".
الرحبي (بفتح الراء والحاء المهملين وباء موحدة): منسوب إلى رحبة بن زرعة.
يبن: يتزوجن.
كذا في صحيح مسلم. والذي في نسخ الأصل: "لا يفتر من صلاة ... إلخ".
راجع ج ١١ ص ١٩٩.
في بعض نسخ الأصل: "فكيف في غيرهما".
راجع ج ٥ ص ٢٥١.
في بعض نسخ الأصل: "عبد الرحمن".
يراجع ج ١ ص ١٦٤، ٣٤٣ طبعه ثانية.
الشنشنة (بالكسر): الطبيعة والخليقة والسجية. قال الأصمعي: وهذا بيت رجز تمثل به لابن أخزم الطائي، وهو:
إن بنى زملوني بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
من يلق آساد الرجال يكلم
قال ابن برى: كان أخزم عاقا لأبيه فمات وترك بنين وعقوا جدهم وضربوه وأموه، فقال ذلك.
(عن اللسان).
تفسير الطبري
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾
قال أبو جعفر: قد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن"الميثاق""مفعال" من"التوثق باليمين" ونحوها من الأمور التي تؤكد القول. فمعنى الكلام إذًا: واذكروا أيضا يا معشر بني إسرائيل، إذ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله، كما:-
١٤٤٧ - حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ -أي ميثاقكم- ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ .
* * *
قال أبو جعفر: والقَرَأَة مختلفة في قراءة قوله ﴿لا تعبدون﴾ . فبعضهم يقرؤها بالتاء، وبعضهم يقرؤها بالياء، والمعنى في ذلك واحد. وإنما جازت القراءة بالياء والتاء، وأن يقال ﴿لا تعبدون﴾ و ﴿لا يعبدون﴾ وهم غَيَب، لأن أخذ الميثاق، بمعنى الاستحلاف. فكما تقول:"استحلفت أخاك ليقومن" فتخبر عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك. وتقول:"استحلفته لتقومن"، فتخبر عنه خبرك عن المخاطب، لأنك قد كنت خاطبته بذلك - فيكون ذلك صحيحا جائزا.
اقرأ بقية تفسير الطبري
فكذلك قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ و ﴿لا يعبدون﴾ . من قرأ ذلك"بالتاء" فمعنى الخطاب، إذ كان الخطاب قد كان بذلك. ومن قرأ"بالياء" فلأنهم ما كانوا مخاطبين بذلك في وقت الخبر عنهم.
* * *
وأما رفع"لا تعبدون"، فبالتاء التي في"تعبدون"، ولا ينصب بـ "أن" التي كانت تصلح أن تدخل مع ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ . لأنها إذا صلح دخولها على فعل فحذفت ولم تدخل، كان وجه الكلام فيه الرفع، كما قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ، فرفع"أعبد" إذ لم تدخل فيها"أن" - بالألف الدالة على معنى الاستقبال، وكما قال الشاعر:
ألا أيهذا الزاجري أحضرُ الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فرفع"أحضر" وإن كان يصلح دخول"أن" فيها -إذ حذفت، بالألف التي تأتي بمعنى الاستقبال.
وإنما صلح حذف"أن" من قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون﴾ ، لدلالة ما ظهر من الكلام عليها، فاكتفى - بدلالة الظاهر عليها - منها.
* * *
وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: معنى قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ، حكاية، كأنك قلت: استحلفناهم: لا تعبدون، أي قلنا لهم: والله لا تعبدون - وقالوا: والله لا يعبدون. والذي قال من ذلك، قريب معناه من معنى القول الذي قلنا في ذلك.
وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ، تأوله أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٤٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له، وأن لا يعبدوا غيره.
١٤٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ، قال: أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدوا غيره.
١٤٥٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ، قال: الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
قال أبو جعفر: وقوله جل ثناؤه: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ عطف على موضع"أن" المحذوفة في ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ . فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا. فرفع ﴿لا تعبدون﴾ لما حذف"أن"، ثم عطف بالوالدين على موضعها، كما قال الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب"الحديد" على العطف به على موضع"الجبال"، لأنها لو لم تكن فيها"باء" خافضة كانت نصبا، فعطف بـ "الحديد" على معنى "الجبال"، لا على لفظها. فكذلك ما وصفت من قوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ .
* * *
وأما"الإحسان" فمنصوب بفعل مضمر يؤدي معناه قوله: ﴿وبالوالدين﴾ ، إذ كان مفهوما معناه، فكان معنى الكلام - لو أظهر المحذوف -: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا، فاكتفى بقوله: ﴿وبالوالدين﴾ من أن يقال: وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا، إذ كان مفهوما أن ذلك معناه بما ظهر من الكلام.
* * *
وقد زعم بعض أهل العربية في ذلك أن معناه: وبالوالدين فأحسنوا إحسانا، فجعل"الباء" التي في"الوالدين" من صلة الإحسان، مقدمة عليه.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن لا تعبدوا إلا الله، وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فزعموا أن"الباء" التي في"الوالدين" من صلة المحذوف - أعني أحسنوا - فجعلوا ذلك من كلامين. وإنما يصرف الكلام إلى ما ادعوا من ذلك، إذا لم يوجد لاتساق الكلام على كلام واحد وجه. فأما وللكلام وجه مفهوم على اتساقه على كلام واحد، فلا وجه لصرفه إلى كلامين. وأخرى: أن القول في ذلك لو كان على ما قالوا، لقيل: وإلى الوالدين إحسانا، لأنه إنما يقال:"أحسن فلان إلى والديه" ولا يقال: أحسن بوالديه، إلا على استكراه للكلام.
ولكن القول فيه ما قلنا، وهو: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بكذا، وبالوالدين إحسانا - على ما بينا قبل. فيكون والإحسان حينئذ مصدرا من الكلام لا من لفظه، كما بينا فيما مضى من نظائره.
* * *
فإن قال قاتل: وما ذلك"الإحسان" الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق؟ قيل: نظير ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما، والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وذي القربي﴾ ، وبذي القربى أن يصلوا قرابته منهم ورحمه.
* * *
و"القربي" مصدر على تقدير"فعلى"، من قولك،"قربت مني رحم فلان قرابة وقربي وقربا"، بمعنى واحد.
* * *
وأما"اليتامى". فهم جمع"يتيم"، مثل"أسير وأسارى". ويدخل في اليتامى الذكور منهم والإناث.
* * *
ومعنى ذلك: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وحده دون من سواه من الأنداد، وبالوالدين إحسانا، وبذي القربي: أن تصلوا رحمه، وتعرفوا حقه، وباليتامى: أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم.
* * *
و"المسكين"، هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة، وهو"مفعيل" من"المسكنة". و"المسكنة" هي ذل الحاجة والفاقة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
قال أبو جعفر: إن قال قائل: كيف قيل: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر؟ قيل: إن الكلام، وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر، فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي. فلو كان مكان:"لا تعبدون إلا الله"، لا تعبدوا إلا الله - على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره - كان حسنا صوابا. وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. وإنما حسن ذلك وجاز - لو كان مقروءا به - لأن أخذ الميثاق قول.
فكان معنى الكلام -لو كان مقروءا كذلك-: وإذ قلنا لبني إسرائيل: لا تعبدوا إلا الله، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] . فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ ، عطف بقوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، على موضع ﴿لا تعبدون﴾ ، وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه، لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع"لا تعبدون". فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، وقولوا للناس حسنا. وهو نظير ما قدمنا البيان عنه: من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكاية لما أخبرت عنه، ثم تعود إلى الخبر على وجه الخطاب؛ وتبتدئ أحيانا على وجه الخطاب، ثم تعود إلى الإخبار على وجه الخبر عن الغائب، لما في الحكاية من المعنيين، كما قال الشاعر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مَقْلِيَّةً إن تَقَلَّت
يعني: تقليت.
* * *
وأما"الحسن" فإن القَرَأَة اختلفت في قراءته. فقرأته عامة قَرَأَة الكوفة غير عاصم: ﴿وقولوا للناس حَسَنا﴾ بفتح الحاء والسين. وقرأته عامة قراء المدينة: ﴿حُسْنا﴾ بضم الحاء وتسكين السين. وقد روي عن بعض القَرَأَة أنه كان يقرأ: "وقولوا للناس " حُسْنَى " على مثال "فُعلى".
* * *
واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله: "حُسْنا" و"حَسَنا". فقال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـ"الحَسَن" "الحُسن" وكلاهما لغة، كما يقال: "البُخل والبَخَل"، وإما أن يكون جعل "الحُسن" هو "الحَسن" في التشبيه. وذلك أن الحُسن "مصدر" و "الحَسن" هو الشيء الحسن. ويكون ذلك حينئذ كقولك:"إنما أنت أكل وشرب"، وكما قال الشاعر:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع
فجعل"التحية" ضربا.
وقال آخر: بل "الحُسن" هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن. و"الحسن" هو البعض من معاني"الحُسن". قال: ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه، فقال: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، يعني بذلك بعض معاني الحُسن.
* * *
قال أبو جعفر: والذي قاله هذا القائل في معنى"الحسن" بضم الحاء وسكون السين، غير بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذي سمي به. وأما"الحسن" فإنه صفة وقعت لما وصف به، وذلك يقع بخاص. وإذا كان الأمر كذلك، فالصواب من القراءة في قوله: ﴿وقولوا للناس حَسنا﴾ ، لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم:"وقولوا للناس" باستعمال الحَسن من القول، دون سائر معاني الحسن الذي يكون بغير القول. وذلك نعت لخاص من معاني الحُسن، وهو القول. فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين، على قراءته بضم الحاء وسكون السين.
* * *
وأما الذي قرأ ذلك: ﴿وقولوا للناس حسنى﴾ ، فإنه خالف بقراءته إياه كذلك، قراءة أهل الإسلام. وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها كذلك، خروجها من قراءة أهل الإسلام، لو لم يكن على خطئها شاهد غيره. فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب؟ وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلم بـ "فعلى" "وأفعل" إلا بالألف واللام أو بالإضافة. لا يقال:"جاءني أحسن"، حتى يقولوا:"الأحسن". ولا يقال:"أجمل"، حتى يقولوا،"الأجمل". وذلك أن"الأفعل والفعلى"، لا يكادان يوجدان صفة إلا لمعهود معروف، كما تقول: بل أخوك الأحسن - وبل أختك الحسنى". وغير جائز أن يقال: امرأة حسنى، ورجل أحسن.
* * *
وأما تأويل القول الحسن الذي أمر الله به الذين وصف أمرهم من بني إسرائيل في هذه الآية، أن يقولوه للناس، فهو ما:-
١٤٥١ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، أمرهم أيضا بعد هذا الخلق: أن يقولوا للناس حسنا: أن يأمروا بـ "لا إله إلا الله" من لم يقلها ورغب عنها، حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك قربة من الله جل ثناؤه. وقال الحسن أيضا، لين القول، من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه.
١٤٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال، قولوا للناس معروفا.
١٤٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال: صدقا في شأن محمد ﷺ.
١٤٥٤ - وحدثت عن يزيد بن هارون قال، سمعت سفيان الثوري يقول في قوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر.
١٤٥٥ - حدثني هارون بن إدريس الأصم قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال، سألت عطاء بن أبي رباح، عن قول الله جل ثناؤه: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال: من لقيت من الناس فقل له حسنا من القول. قال: وسألت أبا جعفر، فقال مثل ذلك.
١٤٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا القاسم قال، أخبرنا عبد الملك، عن أبي جعفر وعطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال: للناس كلهم.
١٤٥٧ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ، أدوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها * كما:-
١٤٥٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن مسعود قال: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ، هذه و"إقامة الصلاة" تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى قبل، معنى"الزكاة" وما أصلها.
* * *
وأما الزكاة التي كان الله أمر بها بني إسرائيل الذين ذكر أمرهم في هذه الآية، فهي ما:-
١٤٥٩ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ، قال: إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد ﷺ. كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل: من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمره الله به وبينه له.
١٤٦٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ، يعني"بالزكاة": طاعة الله والإخلاص.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل، أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له، بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات، ويصلوا الأرحام، ويتعطفوا على الأيتام، ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم، ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته، ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها، ويؤتوا زكاة أموالهم - فخالفوا أمره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين، إلا من عصمه الله منهم، فوفى لله بعهده وميثاقه، كما:-
١٤٦١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني: على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل - هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالا له وكراهية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وهم الذين استثنى الله فقال: ﴿ثم توليتم﴾ ، يقول: أعرضتم عن طاعتي، ﴿إلا قليلا منكم﴾ ، قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها يقول: تركها استخفافا بها. .
١٤٦٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾ ، أي تركتم ذلك كله.
* * *
وقال بعضهم: عنى الله جل ثناؤه بقوله: ﴿وأنتم معرضون﴾ ، اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، وعنى بسائر الآية أسلافهم. كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم﴾ : ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم -على ما ذكرناه فيما مضى قبل- ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم.
* * *
وقال آخرون: بل قوله: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾ ، خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من يهود بني إسرائيل، وذم لهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة، وتبديلهم أمر الله، وركوبهم معاصيه.
حواشي المحقق
انظر ما سلف ١: ٤١٤، وهذا الجزء ٢: ١٥٦.
في المطبوعة: "والقراء مختلفة"، ورددتها إلى ما جرى عليه الطبري في كل ما سلف.
غيب (بفتح الغين والياء) جمع غائب، مثل خادم وخدم.
هو طرفة بن العبد.
ديوانه: ٣١٧ (أشعار الستة الجاهليين) ، من معلقته النفيسة وسيأتي في ٢١: ٢٢ / ٣٠: ١٣٠ (بولاق) ، وسيبويه ١: ٤٥٢.
انظر معاني القرآن للفراء ١: ٥٣ - ٥٤.
قوله تعالى في سورة المائدة: ١٢: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) إلى آخر الآية.
عقيبة بن هبيرة الأسدي، جاهلي إسلامي.
سيبويه ١: ٣٤، ٣٧٥، ٤٤٨، والخزانة ١: ٣٤٣، وسمط اللآلئ: ١٤٩ وفيه تحقيق جيد. وهذا البيت مما أخطأ فيه سيبويه، وكان عقيبة وفد على معاوية، ودفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات: معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد
فهبها أمة ذهبت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا فجردتموها ... فهل من قائم أو من حصيد ؟
ذروا خَوْنَ الخلافة واستقيموا ... وتأمير الأراذل والعبيد
وأعطونا السوية، لا تزركم ... جنود مردفات بالجنود
فدعاه معاوية فقال له: ما أجرأك علي؟ قال: نصحتك إذ غشوك، وصدقتك إذ كذبوك. فقال معاوية: ما أظنك إلا صادقا.
انظر ما سلف ١: ١٣٨.
انظر ما سلف في هذا الجزء: ٢: ١٣٧.
في المطبوعة:"ومعناه" بزيادة الواو، والصواب حذفها.
في المطبوعة: "في موضع الحكايات كما أخبرت عنه"، والصواب ما أثبته.
انظر ما سلف ١: ١٥٣ - ١٥٤، وسيأتي في هذا الجزء ٢: ٣٥٧.
هو كثير عزة.
ديوانه ١: ٥٣ من قصيدته المشهورة. قلاه يقليه قلى فهو مقلي: كرهه وأبغضه. وتقلى تبغض، أي استعمل من الفعل أو القول ما يدعو إلى بغضه.
في المطبوعة: "فإن القراء"، ورددته إلى ما مضى عليه أبو جعفر في عبارته، كما سلف مرارا.
يقال هو: عمرو بن معد يكرب الزبيدي. (الخزانة ٤: ٥٦) ، وليس في قصيدته التي على هذا الوزن في الأصمعيات: ٤٣، ولكنه أتى في نوادر أبي زيد: ١٤٩ - ١٥٠ أنه لعمرو بن معد يكرب. فكأنه له، وكأنه سقط من رواية الأصمعي، وهو في رواية غيره.
نوادر أبي زيد: ١٥٠، وسيبويه ١: ٣٦٥، ٤٢٩ والخزانة ٤: ٥٣. وغيرها.
في المطبوعة: "لأن يقولوه للناس" بزيادة اللام، فاسدة.
الأثر: ١٤٥٤ - أخشى أن يكون سقط من إسناده شيء.
الخبر: ١٤٥٥ - هارون بن إدريس الأصم، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة، ولا وجدته في مكان، إلا في رواية الطبري عنه في التاريخ أيضًا ١: ٢٥٣، و٢: ١٢٦. روى عنه، عن المحاربي. عبد الملك بن أبي سليمان: هو العرزمي، أحد الأئمة الثقات الحفاظ. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ /٣٦٦ - ٣٦٨.
انظر ما سلف ١: ٢٤١، ٥٧٣.
انظر ما سلف ١: ٥٧٣ - ٥٧٤.
انظر معنى "تولى" فيما سلف من هذا الجزء ٢: ١٦٢.
انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٨، ٣٩ ثم: ١٦٤، ثم: ٢٤٥، ثم ٣٠٢.
معاني الكلمات
من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com
مِيثَاقَ: الْعَهْدَ الْمُؤَكَّدَ.
حُسْنًا: كَلَامًا طَيِّبًا.
النفحات المكية
محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com
ثم ذكَّر سبحانه بني إسرائيلَ يومَ أن أخَذَ عليهم العهودَ والمواثيقَ ألَّا يعبُدُوا إلا الله وحده لا شريك له، وأمَرَهم ببِرِّ الوالدَيْنِ والإحسانِ إليهما، وبصِلَةِ الأرحام، والإحسانِ إلى اليتامى الذين فقَدوا آباءهم وهم دون سِنِّ البلوغ، والإحسانِ إلى المحتاجين من المساكين، وأن يقولوا للناسِ حُسْنًا؛ كبذلِ السلامِ، والابتسامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مِن أعمال الخير، وأمَرَهم أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ولكنَّهم أعرَضُوا ونقَضُوا العهودَ والمواثيق، واستمروا على إعراضِهم ونَقْضِهم للعهود، إلا قليلًا منهم عصَمَهم الله وثبَّتهم على الحق.
نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.