الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة العنكبوت ‹ الآية ٨

تفسير الآية ٨ من سورة العنكبوت

  • الآية ٨ من ٦٩
  • الجزء ٢٠
  • مكية
  • 29:8

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٨

29:8

اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزول

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com

ووصينا الإنسان بوالديه أن يبرّهما ويحسن إليهما، وإن جاهدك والداك -أيها الإنسان - لتشرك بي ما ليس لك بإشراكه علم - كما وقع لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من أمه - فلا تطعهما في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إليّ وحدي رجوعكم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، وأجازيكم عليه.

التفسير الميسر

نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com

ووصينا الإنسان بوالديه أن يبرهما، ويحسن إليهما بالقول والعمل، وإن جاهداك -أيها الإنسان- على أن تشرك معي في عبادتي، فلا تمتثل أمرهما. ويلحق بطلب الإشراك بالله، سائر المعاصي، فلا طاعة لمخلوق كائنًا من كان في معصية الله سبحانه، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إليَّ مصيركم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئها، وأجازيكم عليها.

أسباب النزول

أسباب نزول القرآن — أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت 468هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ووَصَّيْنا الإنسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ حَمْنَةُ: يا سَعْدُ، بَلَغَنِي أنَّكَ صَبَوْتَ، فَواللَّهِ لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنَ الضِّحِّ والرِّيحِ، ولا آكُلُ ولا أشْرَبُ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وتَرْجِعَ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ. وكانَ أحَبَّ ولَدِها إلَيْها، فَأبى سَعْدٌ، وصَبَرَتْ هي ثَلاثَةَ أيّامٍ لَمْ تَأْكُلْ ولَمْ تَشْرَبْ ولَمْ تَسْتَظِلَّ بِظِلٍّ حَتّى خَشِيَ عَلَيْها، فَأتى سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وشَكا ذَلِكَ إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ والَّتِي في لُقْمانَ والأحْقافِ.

أخْبَرَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ أبِي بَكْرٍ الغازِي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَمْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو خَيْثَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ مُوسى، قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، قالَ: حَدَّثَنا سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيَّ. قالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ لا تُكَلِّمُهُ أبَدًا حَتّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، ولا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ، ومَكَثَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتّى غُشِيَ عَلَيْها مِنَ الجَهْدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ .

اقرأ بقية أسباب النزول

رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي خَيْثَمَةَ.

أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ أيُّوبَ بْنِ راشِدٍ الضَّبِّيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، أنَّ سَعْدَ بْنَ مالِكٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإن جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ . قالَ: كُنْتُ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمّا أسْلَمْتُ قالَتْ: يا سَعْدُ، ما هَذا الدِّينُ الَّذِي قَدْ أحْدَثْتَ ؟ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذا أوْ لا آكُلُ ولا أشْرَبُ حَتّى أمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي، فَيُقالَ: يا قاتِلَ أُمِّهِ. قُلْتُ: لا تَفْعَلِي يا أُمَّهْ فَإنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ. قالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَأصْبَحَتْ قَدْ جُهِدَتْ. قالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا آخَرَ ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ فَأصْبَحَتْ وقَدِ اشْتَدَّ جَهْدُها. قالَ: فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: تَعْلَمِينَ واللَّهِ يا أُمَّهْ لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، إنْ شِئْتِ فَكُلِي وإنْ شِئْتِ فَلا تَأْكُلِي. فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أكَلَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإن جاهَداكَ﴾ .

تفسير السعدي

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com

{8} أي: وأمرنا الإنسان ووصَّيْناه بوالديه حُسناً؛ أي: ببرِّهما والإحسان إليهما بالقول والعمل، وأن يحافظَ على ذلك ولا يعقهما ويسيء إليهما في قوله وعمله، {وإن جاهداك} على أن تشرك {بي ما ليسَ لك به علمٌ}: وليس لأحدٍ علمٌ بصحَّة الشرك بالله، وهذا تعظيمٌ لأمر الشرك. {فلا تُطِعْهُما إليَّ مرجِعُكم فأنبِّئُكُم بما كنتُم تعملونَ}: فأجازيكم بأعمالكم؛ فبرُّوا والديكم، وقدِّموا طاعتهما إلاَّ على طاعة الله ورسوله؛ فإنَّها مقدَّمة على كل شيء.

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ الْحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِتَوْحِيدِهِ، فَإِنَّ الْوَالِدَيْنِ هَمَّا سَبَبُ وُجُودِ الْإِنْسَانِ، وَلَهُمَا عَلَيْهِ غَايَةُ الْإِحْسَانِ، فَالْوَالِدُ بِالْإِنْفَاقِ وَالْوَالِدَةُ بِالْإِشْفَاقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤] .

وَمَعَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، فِي مُقَابَلَةِ إِحْسَانِهِمَا الْمُتَقَدِّمِ، قَالَ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ أَيْ: وَإِنْ حَرَصا عَلَيْكَ أَنْ تُتَابِعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا إِذَا كَانَا مُشْرِكَيْنِ، فَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُمَا، لَا تُطِعْهُمَا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ مَرْجِعَكُمْ إِلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَجْزِيكَ بِإِحْسَانِكَ إِلَيْهِمَا، وَصَبْرِكَ عَلَى دِينِكَ، وَأَحْشُرُكَ مَعَ الصَّالِحِينَ لَا فِي زُمْرَةِ وَالِدَيْكَ، وَإِنْ كُنْتَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِمَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْمَرْءَ إِنَّمَا يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، أَيْ: حُبًّا دِينِيًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ .

اقرأ بقية تفسير ابن كثير

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك بْنُ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصعَب بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ، قَالَ: نَزَلَتْ فيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ. فَذَكَرَ قِصَّةً، وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ بِالْبَرِّ؟ وَاللَّهِ لَا أطعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ، قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَروا فَاهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ الْآيَةَ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

حواشي المحقق

في أ: "إليه".

في ت: "وروى".

في ت، ف: "فنزلت".

سنن الترمذي برقم (٣٠٧٩) والمسند (١/١٨١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٨) وسنن أبي داود برقم (٢٧٤٠) .

تفسير الجلالين

جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net

﴿ووصنا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ حَسَنًا﴾ أَيْ إيصَاء ذَا حُسْن بِأَنْ يَبَرّهُمَا ﴿وَإِنْ جَاهَدَاك لِتُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ﴾ بِإِشْرَاكِهِ ﴿عِلْم﴾ مُوَافَقَة لِلْوَاقِعِ فَلَا مَفْهُوم لَهُ ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ فِي الْإِشْرَاك ﴿إلَيَّ مَرْجِعكُمْ فَأُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَأُجَازِيكُمْ به

تفسير البغوي

معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ)

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ٥–٨ ←

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً﴾ نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِيمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ فَذَكَرَ قِصَّةً، فَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْبِرِّ! وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ، قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً" الْآيَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بَارًّا بِأُمِّي فَأَسْلَمْتُ، فَقَالَتْ: لَتَدَعَنَّ دِينَكَ أَوْ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوتَ فَتُعَيَّرُ بِي، وَيُقَالُ يَا قَاتِلَ أُمِّهِ، وَبَقِيَتْ يَوْمًا وَيَوْمًا فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهُ! لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا فَإِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَأْكُلِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ وَنَزَلَتْ: (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي) الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَخِي أَبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ وَقَدْ فَعَلَتْ أُمُّهُ مِثْلَ ذَلِكَ. وَعَنْهُ أَيْضًا: نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْأُمَّةِ إِذْ لَا يَصْبِرُ عَلَى بَلَاءِ اللَّهِ إِلَّا صِدِّيقٌ. وَ "حُسْناً" نُصِبَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى التَّكْرِيرِ أَيْ وَوَصَّيْنَاهُ حُسْنًا. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْقَطْعِ تَقْدِيرُهُ وَوَصَّيْنَاهُ بِالْحُسْنِ كَمَا تَقُولُ وصيته خيرا أي بِالْخَيْرِ وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: تَقْدِيرُهُ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ أَنْ يَفْعَلَ حُسْنًا فَيُقَدَّرُ لَهُ فِعْلٌ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

اقرأ بقية تفسير القرطبي

عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونَا ... وَمَنْ أَبِي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينَا

خَيْرًا بِهَا كَأَنَّمَا خَافُونَا

أَيْ يُوصِينَا أَنْ نَفْعَلَ بِهَا خَيْرًا، كَقَوْلِهِ: "فَطَفِقَ مَسْحاً" أَيْ يَمْسَحُ مَسْحًا. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَوَصَّيْنَاهُ أَمْرًا ذَا حُسْنٍ، فَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ، وَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَلْزَمْنَاهُ حُسْنًا. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "حُسْناً" بضم الحاء وإسكان السين. وقراء أَبُو رَجَاءٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ. وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ. "إِحْسَانًا" عَلَى الْمَصْدَرِ، وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، التَّقْدِيرُ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ أَنْ يحسن إليهما إحسانا، ولا ينتصب بوصينا، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى مَفْعُولَيْهِ.

(إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) وَعِيدٌ فِي طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ فِي مَعْنَى الْكُفْرِ.

(فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) كَرَّرَ تَعَالَى التَّمْثِيلَ بِحَالَةِ المؤمنين العاملين لتحرك النُّفُوسَ إِلَى نَيْلِ مَرَاتِبِهِمْ. وَقَوْلُهُ: "لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ" مُبَالَغَةٌ عَلَى مَعْنَى، فَالَّذِينَ هُمْ فِي نِهَايَةِ الصَّلَاحِ وَأَبْعَدُ غَايَاتِهِ. وَإِذَا تَحَصَّلَ لِلْمُؤْمِنِ هَذَا الْحُكْمُ تَحْصُلُ ثَمَرَتُهُ وَجَزَاؤُهُ وَهُوَ الْجَنَّةُ.

حواشي المحقق

شجروا فاها: أي أدخلوا في شجرة عودا حتى يفتحوه به.

تفسير الطبري

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ﴾ فيما أنزلنا إلى رسولنا ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ أن يفعل بهما ﴿حُسْنا﴾ .

واختلف أهل العربية في وجه نصب الحسن، فقال بعض نحويِّي البصرة: نُصب ذلك على نية تكرير وصيّنا. وكأن معنى الكلام عنده: ووصينا الإنسان بوالديه، ووصيناه حسنا. وقال: قد يقول الرجل وصيته خيرا: أي بخير.

وقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حُسنا، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فيما بقي الدلالة على ما سقط، وتعمل ما بقي فيما كان يعمل فيه المحذوف، فنصب قوله: ﴿حُسْنا﴾ وإن كان المعنى ما وصفت وصينا؛ لأنه قد ناب عن الساقط، وأنشد في ذلك:

اقرأ بقية تفسير الطبري

عَجِبْتُ مِنْ دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا ... وَمِن أبي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا

خَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا

وقال: معنى قوله: يوصينا خيرا: أن نفعل بها خيرا، فاكتفى بيوصينا منه، وقال: ذلك نحو قوله: ﴿فَطَفِق مَسْحا﴾ أي يمسح مسحا.

* * *

وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾

يقول: ﴿ووصينا الإنسان﴾ ، فقلنا له: إن جاهداك والداك لتشرك بي ما ليس لك به علم أنه ليس لي شريك، فلا تطعهما فتشرك بي ما ليس لك به علم ابتغاء مرضاتهما، ولكن خالفهما في ذلك ﴿إليّ مرجعكم﴾ يقول تعالى ذكره: إليّ معادكم ومصيركم يوم القيامة ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقول: فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئاتها، ثم أجازيكم عليها المحسن بالإحسان، والمسيء بما هو أهله.

وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ بسبب سعد بن أبي وقاص.

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: نزلت في سعد بن أبي وَقَّاص لما هاجر، قالت أمه: والله لا يُظِلُّني بيت حتى يرجع، فأنزل الله في ذلك أن يحْسِن إليهما، ولا يطيعَهما في الشرك.

حواشي المحقق

هذه أبيات ثلاثة من مشطور السريع، وهي من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص ١٧٨) قال: والعرب تقول: أوصيك به خيرًا، وآمرك به خيرًا، وكأن معناه: آمرك أن تفعل به، ثم تحذف أن، فتوصل الخير بالوصية، وبالأمر، قال الشاعر: " عجبت ... " الأبيات.

النفحات المكية

محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com

ثم وصَّى سبحانه الإنسان ببِرِّ والدَيْهِ والإحسان إليهما في القول والعمل؛ فإنْ حاول الوالدان أو أحدهما جهدهم في أن يشرك ابنهما مع الله في عبادته أحدًا، أو يعمل شيئًا فيه معصية لله، فلا يستجبْ لهما؛ فإنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، ثم أخبَرَ سبحانه أن مصير العباد جميعهم إليه، وسوف يخُبْرِهم بما كانوا يعملون في حياتهم الدنيا من خير أو شر، وسيحاسبهم عليه. وقد ذكرنا فيما مضى أن الله وصَّى الأبناء بآبائهم وأمهاتهم في القرآن في مواضع عدَّة قريبًا من عشَرَة مواضع، ولم يوصِّ الآباء بأبنائهم إلا بوصية الإرث في سورة النساء، وقلنا: إن السبب والله أعلم: هو أن قيام الآباء برعاية أبنائهم جِبِلَّةٌ وخِلْقةٌ وطبيعةٌ طبعهم الله عليها؛ فهي ثابتة مستقرة في ذواتهم، أما الأبناء، فقيامهم بواجبهم نحو برِّهم بوالديهم، فهو تكلُّف وتكرم منهم، وكثيرٌ من الأبناء تَشْغَلُهم الحياة من أنشطة وكسب رِزْق وأشياء كثيرة فيقل اهتمامهم، أو تُنْسِيهم وتلهيهم، فلا يراهم والدوهم إلا لمامًا أو مهاتفة؛ ولهذا كرَّر سبحانه وصية الأبناء بوالديهم مرارًا، ولأمر آخَرَ مهمٍّ، هو أن الوالدَيْنِ هما سبب وجود الأبناء بعد الله جل وعلا، فإذا أهملوا وتناسَوْا حق هذا السبب، فربما تناسَوْا حق المُوجِدِ الأول، وهو الله جل وعلا.

EnglishBahasa Indonesia

نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.