الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة آل عمران ‹ الآية ٣٩

تفسير الآية ٣٩ من سورة آل عمران

  • الآية ٣٩ من ٢٠٠
  • الجزء ٣
  • مدنية
  • 3:39

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٣٩

3:39

اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزول

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com

فنادته الملائكة مخاطبة له وهو في حال قيامه للصلاة في مكان عبادته بقولها: إن الله يُبشّرك بولد يولد لك اسمه يحيى، من صفته أن يكون مصدقًا بكلمة من الله، وهو عيسى بن مريم - أنه خُلِق خلقًا خاصًّا بكلمة من الله- ويكون هذا الولد سيدًا على قومه في العلم والعبادة، مانعًا نفسه وحابسها عن الشهوات ومنها قُرْبان النساء، متفرغًا لعبادة ربه، ويكون - أيضًا - نبيًّا من الصالحين.

التفسير الميسر

نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com

فنادته الملائكة وهو واقف بين يدي الله في مكان صلاته يدعوه: أن الله يخبرك بخبر يسرُّك، وهو أنك سترزق بولد اسمه يحيى، يُصَدِّق بكلمة من الله -وهو عيسى بن مريم عليه السلام-، ويكون يحيى سيدًا في قومه، له المكانة والمنزلة العالية، وحصورًا لا يأتي الذنوب والشهوات الضارة، ويكون نبيّاً من الصالحين الذين بلغوا في الصَّلاح ذروته.

تفسير السعدي

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ٣٣–٥٥ ←

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ)

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ٣٨–٤١ ←

تفسير الجلالين

جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net

﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَة﴾ أَيْ جِبْرِيل ﴿وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب﴾ أَيْ الْمَسْجِد ﴿أَنَّ﴾ أَيْ بِأَنَّ وفي قراءة بالكسر بتقديره الْقَوْل ﴿اللَّه يُبَشِّرك﴾ مُثَقَّلًا وَمُخَفَّفًا ﴿بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ كَائِنَة ﴿مِنْ اللَّه﴾ أَيْ بِعِيسَى أَنَّهُ رُوح اللَّه وَسُمِّيَ كَلِمَة لِأَنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةِ كُنْ ﴿وَسَيِّدًا﴾ مَتْبُوعًا ﴿وَحَصُورًا﴾ مَمْنُوعًا مِنْ النِّسَاء ﴿وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَل خَطِيئَة وَلَمْ يَهِمّ بِهَا

٤ -

تفسير البغوي

معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ)

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ٣٨–٣٩ ←

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "فَنَادَاهُ" بِالْأَلِفِ عَلَى التَّذْكِيرِ، وَيُمِيلَانِهَا لِأَنَّ أَصْلَهَا الْيَاءُ، وَلِأَنَّهَا رَابِعَةٌ. وَبِالْأَلِفِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ. وَرُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ الْمَلَائِكَةَ فِي [كُلِّ] الْقُرْآنِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: نَرَاهُ اخْتَارَ ذَلِكَ خِلَافًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا احْتِجَاجٌ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شي، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: قَالَتِ الرِّجَالُ، وَقَالَ الرِّجَالُ، وَكَذَا النِّسَاءُ، وَكَيْفَ يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ بِهَذَا لَجَازَ أَنْ يَحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ" وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أَيْ فَلَمْ يُشَاهِدُوا، فَكَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ إِنَاثٌ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا ظَنٌّ وَهَوًى. وَأَمَّا "فَنَادَاهُ" فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى تَذْكِيرِ الْجَمْعِ، "وَنَادَتْهُ" عَلَى تَأْنِيثِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ مَكِّيٌّ: وَالْمَلَائِكَةُ مِمَّنْ يُعْقَلُ فِي التَّكْسِيرِ فَجَرَى فِي التَّأْنِيثِ مَجْرَى مَا لَا يَعْقِلُ، تَقُولُ: هِيَ الرِّجَالُ، وَهِيَ الْجُذُوعُ، وَهِيَ الْجِمَالُ، وَقَالَتِ الْأَعْرَابُ. وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ" وَقَدْ ذَكَرَ فِي موضع آخر فقال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الانعام: ٩٣] وَهَذَا إِجْمَاعٌ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] فَتَأْنِيثُ هَذَا الْجَمْعِ وَتَذْكِيرُهُ حَسَنَانِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَادَاهُ جِبْرِيلُ وَحْدَهُ، وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَفِي التَّنْزِيلِ "يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ" يَعْنِي جِبْرِيلَ، وَالرُّوحُ الْوَحْيُ. وَجَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُخْبَرَ عَنِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَجَاءَ فِي التَّنْزِيلِ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يَعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: نَادَاهُ جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ جاء النداء من قبلهم.

اقرأ بقية تفسير القرطبي

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ "وَهُوَ قائِمٌ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرُ "يُصَلِّي" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمُضْمَرِ. "أَنَّ اللَّهَ" أَيْ بِأَنَّ اللَّهَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "إِنَّ" أَيْ قَالَتْ إِنَّ اللَّهَ، فَالنِّدَاءُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ. "يُبَشِّرُكَ" بِالتَّشْدِيدِ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ "يَبْشُرُكَ" مُخَفَّفًا، وَكَذَلِكَ حُمَيْدُ بْنُ الْقَيْسِ الْمَكِّيُّ إِلَّا أَنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ وَضَمَّ الْيَاءَ وَخَفَّفَ الْبَاءَ. قَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. دَلِيلُ الْأُولَى هِيَ قِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ أَنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا مِنْ فِعْلٍ مَاضٍ أَوْ أَمْرٍ فَهُوَ بِالتَّثْقِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١] ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٥٥]. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَهِيَ مِنْ بَشَرَ يَبْشُرُ وَهِيَ لُغَةُ تِهَامَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

بَشَرْتُ عِيَالِي إِذْ رَأَيْتُ صَحِيفَةً ... أَتَتْكَ مِنَ الْحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا

وَقَالَ آخَرُ:

وَإِذَا رَأَيْتَ الْبَاهِشِينَ» إِلَى النَّدَى ... غُبْرًا أَكُفُّهُمُ بِقَاعٍ مُمْحِلٍ

فَأَعِنْهُمُ وَابْشَرْ بِمَا بَشِرُوا بِهِ ... وَإِذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ

وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ مِنْ أَبْشَرَ يُبْشِرُ إِبْشَارًا قَالَ:

يَا أُمَّ عَمْرٍو أَبْشِرِي بِالْبُشْرَى ... مَوْتٍ ذَرِيعٍ وَجَرَادٍ عَظْلَى

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِيَحْيى﴾ كَانَ اسْمُهُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ حَيَّا، وَكَانَ اسْمُ سَارَّةَ زَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسَارَةَ، وَتَفْسِيرُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ لَا تَلِدُ، فَلَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ قِيلَ لها: سارة، سماها بِذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ لِمَ نَقَصَ مِنَ اسْمِي حَرْفٌ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. فَقَالَ: (إِنَّ ذَلِكَ الْحَرْفَ زِيدَ فِي اسْمِ ابْنٍ لَهَا مِنْ أفضل الأنبياء اسمه حيي وَسُمِّيَ بِيَحْيَى). ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سُمِّيَ بِيَحْيَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا بِهِ النَّاسَ بِالْهُدَى. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اشْتُقَّ اسْمُهُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى حَيٍّ فَسُمِّيَ يَحْيَى. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَحْيَا بِهِ رَحِمَ أُمِّهِ.

(مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) يَعْنِي عِيسَى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَسُمِّيَ عِيسَى كَلِمَةً لِأَنَّهُ كَانَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ "كُنْ" فَكَانَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ الْعَدَوِيُّ "بِكَلِمَةٍ" مَكْسُورَةِ الْكَافِ سَاكِنَةِ اللَّامِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَهِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ مِثْلَ كِتْفٍ وَفَخْذٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةً لِأَنَّ النَّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ كَمَا يَهْتَدُونَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَى "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ" بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ أَنْشَدَنِي كَلِمَةً أَيْ قَصِيدَةً، كَمَا رُوِيَ أَنَّ الْحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسَّانَ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، يَعْنِي قَصِيدَتَهُ. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أشهر وعليه من العلماء الأكثر. و "بِيَحْيى " أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ يَحْيَى أَكْبَرَ مِنْ عِيسَى بِثَلَاثِ سِنِينَ وَيُقَالُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَكَانَا ابْنَيْ خَالَةٍ، فَلَمَّا سَمِعَ زَكَرِيَّا شَهَادَتَهُ قَامَ إِلَى عِيسَى فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي خِرْقِهِ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ مَرْيَمَ لَمَّا حَمَلَتْ بِعِيسَى حَمَلَتْ أَيْضًا أُخْتُهَا بِيَحْيَى، فَجَاءَتْ أُخْتُهَا زَائِرَةً فَقَالَتْ: يَا مَرْيَمُ أَشَعَرْتِ أَنِّي حَمَلْتُ؟ فَقَالَتْ لَهَا مَرْيَمُ: أَشَعَرْتِ أَنْتِ أَنِّي حَمَلْتُ؟ فَقَالَتْ لَهَا: وَإِنِّي لَأَجِدُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهَا أَحَسَّتْ جَنِينَهَا يَخِرُّ بِرَأْسِهِ إِلَى نَاحِيَةِ بَطْنِ مَرْيَمَ. قَالَ السُّدِّيُّ: فذلك قول "مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ". و "مُصَدِّقاً" نصب على الحال. و (سَيِّداً) السَّيِّدُ: الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ وَيُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ، وأصله سيود يقال: فلان أسود من فلان، أفعل من السيارة، فَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ سَيِّدًا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى عَزِيزًا أَوْ كَرِيمًا. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ: (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ). وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْحَسَنِ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وَكَذَلِكَ كَانَ، فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَايَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَكَثِيرٌ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ أَبِيهِ وَمِمَّنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ، فَبَقِيَ نَحْوَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ خَلِيفَةً بِالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ خُرَاسَانَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ "مَسْكِنٌ" مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ بِنَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ كَرِهَ الْحَسَنُ الْقِتَالَ لِعِلْمِهِ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لَا تَغْلِبُ حَتَّى تَهْلِكَ أَكْثَرُ الْأُخْرَى فَيَهْلِكَ الْمُسْلِمُونَ، فَسَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ عَلَى شُرُوطٍ شَرَطَهَا عَلَيْهِ، مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ مِنْ بَعْدِ مُعَاوِيَةَ، فَالْتَزَمَ كُلَّ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ فصدق قول عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) وَلَا أَسْوَدَ مِمَّنْ سَوَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ. قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "وَسَيِّداً" قَالَ: فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ. ابْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: فِي الْعِلْمِ وَالْتُّقَى. مُجَاهِدٌ: السَّيِّدُ الْكَرِيمُ. ابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: السَّيِّدُ الَّذِي يفوق أقرانه في كل شي مِنَ الْخَيْرِ. وَهَذَا جَامِعٌ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: السَّيِّدُ مِنَ الْمَعِزِ الْمُسِنُّ. وَفِي الْحَدِيثِ (ثَنِيٌّ مِنَ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنَ السَّيِّدِ الْمَعِزِ). قَالَ:

سَوَاءٌ عَلَيْهِ شَاةُ عَامٍ دَنَتْ لَهُ ... لِيَذْبَحَهَا لِلضَّيْفِ أَمْ شَاةُ سَيِّدِ

(وَحَصُوراً) أَصْلُهُ مِنَ الْحَصْرِ وَهُوَ الْحَبْسُ. حَصَرَنِي الشَّيْءُ وَأَحْصَرَنِي إِذَا حَبَسَنِي. قَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ:

وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ ... عَلَيْكَ وَلَا أَنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ

وناقة حصور: ضيقة الإحليل. وَالْحَصُورُ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ كَأَنَّهُ مُحْجِمٌ عَنْهُنَّ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ حَصُورٌ وَحَصِيرٌ إِذَا حَبَسَ رِفْدَهُ وَلَمْ يُخْرِجْ مَا يُخْرِجُهُ النَّدَامَى. يُقَالُ: شَرِبَ الْقَوْمُ فَحَصِرَ عَلَيْهِمْ فُلَانٌ، أَيْ بَخِلَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو. قَالَ الْأَخْطَلُ: وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ

وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾ [الاسراء: ٨] أَيْ مَحْبِسًا. وَالْحَصِيرُ الْمَلِكُ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ. وَقَالَ لَبِيدٌ:

وَقُمَاقِمٍ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ ... جِنٌّ لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ قِيَامٌ

فَيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَصُورٌ، فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، كَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِمَّا يَكُونُ فِي الرِّجَالِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ. وَفَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ، مِنْ ذَلِكَ حَلُوبٌ بِمَعْنَى مَحْلُوبَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الْغُرَابِ الْأَسْحَمِ

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ والحسن والسدي وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الَّذِي يَكُفُّ عَنِ النِّسَاءِ وَلَا يَقْرَبُهُنَّ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَهَذَا أَصَحُّ [الْأَقْوَالِ لو] جهين: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَدْحٌ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ، وَالثَّنَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْفِعْلِ الْمُكْتَسَبِ دُونَ الْجِبِلَّةِ فِي الْغَالِبِ. الثَّانِي أَنَّ فَعُولًا فِي اللُّغَةِ مِنْ صِيَغِ الْفَاعِلِينَ، كَمَا قَالَ:

ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمَانِهَا ... إِذَا عَدِمُوا زَادًا فَإِنَّكَ عَاقِرُ

فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْصُرُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ شَرْعَهُ، فَأَمَّا شَرْعُنَا فَالنِّكَاحُ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: الْحَصُورُ الْعِنِّينُ الَّذِي لَا ذَكَرَ لَهُ يَتَأَتَّى لَهُ بِهِ النِّكَاحُ وَلَا يُنْزِلُ، عن ابن عباس أيضا وسعيد ابن الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكِ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَلْقَى اللَّهَ بِذَنْبٍ قَدْ أَذْنَبَهُ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ إِنْ شاء أو يرحمه إلا يحيى ابن زَكَرِيَّا فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (- ثُمَّ أَهْوَى النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى قَذَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا وَقَالَ:) كَانَ ذَكَرُهُ [هَكَذَا] مِثْلَ هَذِهِ الْقَذَاةِ (. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْحَابِسُ نَفْسَهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ عز وجل. "وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ" قَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّالِحُ الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَإِلَى النَّاسِ حُقُوقَهُمْ.

حواشي المحقق

زيادة عن إعراب القرآن للنحاس.

راجع ج ١٦ ص ٧٣.

راجع ج ٧ ص ٣٩.

راجع ج ٩ ص ٣١٢.

راجع ج ١٠ ص ٦٧.

راجع ص ٢٧٩ من هذا الجزء.

كذا في الأصل وإعراب القرآن للنحاس، والذي في البحر وغرائب القرآن للنيسابوري وابن عطية: وقرا ابن عامر وحمزة إن الله" بكسر الهمزة، وقرا الباقون بفتح الهمزة.

راجع ج ١٥ ص ٢٤٣ وص ١١ وص ١١٢. وفى أكثر الأصول: "عبادي" بالياء وهو رسم ورش في مصاحب المغرب.

راجع ج ٩ ص ٦٩.

راجع ج ١٠ ص ٣٥.

كذا في الأصول والبغوي. والذي في البحر وابن عطية: "وفى قراءة عبد الله بن مسعود يبشرك بضم الياء وتخفيف الشين المكسورة من أبشر، وهكذا قرأ في كل القرآن".

هو عطية بن زيد، وقال ابن برى هو لعبد القيس بن خفاف البرجمي.

(عن اللسان).

جراد عاظلة وعظلى: لا تبرح. في اللسان: "أراد أن يقول: يا أم عامر فلم يستقيم له البيت فقال يا أم عمرو، وام عامر كنية الضج: ومن كلامهم للضبع: أبشري بجراد عظلى، وكم رجال قتلى".

الحويدرة تصغير الحادرة وهو لقب غلب عليه، واسمه قطبة بن محصن بن جرول. ويعنى حسان بن ثابت رضى الله عنه قصيدته التي مطلعها: بكرت سمية غدونا فتمتعي وغدت غدو مفارق لم يربع.

(راجع المفضليات ص ٤٨ طبع أوروبا وكتاب الأغاني ج ٣ ص ٢٧٠ طبع دار الكتب المصرية (.) (

سوار: معربد وثاب. وقد روى "سآر" بوزن سعار، أي أنه لا يسير في الإناء سورا بل يشتفه كله.

راجع ج ١٠ ص ٢٢٤.

القماقم من الرجال: السيد الكثير الخير الواسع الفضل. والقماقم العدد الكثير.

البيت لعنترة العبسي في معلقته. والخوافي: أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر.

كذا في د. قلت: هذا هو اللائق بالعصمة النبوية.

البيت لابي طالب بن عبد المطلب. مدح رجلا بالكرم فيقول: يضرب بسيفه سوق السمان من الإبل للأضياف إذا عدموا الزاد ولم يظفروا بجواد لشدة الزمان وكلبه، وكانوا إذا أرادوا نحر الناقة ضربوا ساقها بالسيف فخرت ثم تحروها.

(عن شرح الشواهد).

القذاة: ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.

من د.

تفسير الطبري

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

القول في تأويل قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ أهل الكوفة والبصرة:"فنادته الملائكة" على التأنيث بالتاء، يراد بها: جمع"الملائكة". وكذلك تفعل العرب في جماعة الذّكور إذا تقدّمت أفعالها، أنَّثت أفعالها، ولا سيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث، كقولهم: جاءَت الطَّلحات".

* * *

وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء، بمعنى فناداه جبريل، فذكروه للتأويل، كما قد ذكرنا آنفًا أنهم يُؤنثون فعل الذّكر للفظ، فكذلك يذكِّرون فعلَ المؤنث أيضًا للفظ. واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءةٍ يذكر أنها قراءَةُ عبد الله بن مسعود، وهو ما:-

٦٩٤٥ - حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، أنّ قراءة ابن مسعود: ﴿فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ .

اقرأ بقية تفسير الطبري

* * *

وكذلك تأوّل قوله:"فنادته الملائكة" جماعةٌ من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

٦٩٤٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فنادته الملائكة"، وهو جبريل = أو: قالت الملائكة، وهو جبريل ="أنّ الله يُبشرك بيَحيى".

* * *

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل:"فنادته الملائكة"، و"الملائكة" جمع لا واحد؟ قيل: ذلك جائز في كلام العرب، بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام:"خرج فلان على بغال البُرُد"، وإنما ركب بغلا واحدًا ="وركب السفن"، وإنما ركب سفينةً واحدة. وكما يقال:"ممن سمعتَ هذا الخبر"؟ فيقال:"من الناس"، وإنما سمعه من رجل واحد. وقد قيل إنّ منه قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣] ، والقائلُ كانَ = فيما كان ذُكر - واحدًا = وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ [سورة الروم: ٣٣] ، والناس بمعنى واحد. وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد.

* * *

قال أبو جعفر: وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك، أنهما قراءتان معروفتان = أعني"التاء" و"الياء" = فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وذلك أنه لا اختلافَ في معنى ذلك باختلاف القراءتين، وهما جميعًا فصيحتان عند العرب، وذلك أنّ"الملائكة" إن كان مرادًا بها جبريل، كما روى عن عبد الله، فإن التأنيث في فعلها فصيحٌ في كلام العرب للفظها، إن تقدمها الفعل. وجائز فيه التذكير لمعناها.

وإن كان مرادًا بها جمع"الملائكة"، فجائز في فعلها التأنيث، وهو من قَبلها، للفظها. وذلك أن العرب إذا قدّمت على الكثير من الجماعة فعلها، أنثته، فقالت:"قالت النساء". وجائز التذكير في فعلها، بناءً على الواحد، إذا تقدم فعله، فيقال:"قال الرجال".

* * *

وأما الصّواب من القول في تأويله، فأنْ يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أنّ الملائكة نادته. والظاهرُ من ذلك، أنها جماعة من الملائكة دون الواحد، وجبريلُ واحد.

ولا يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقل = ما وُجِد إلى ذلك سبيل. ولم تَضطَّرنا حاجةٌ إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.

وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم، منهم: قتادة، والربيع بن أنس، وعكرمة، ومجاهد، وجماعة غيرهم. وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مَضَى.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله:"وهو قائم:" فنادته الملائكة في حال قيامه مصلِّيًا. فقوله:"وهو قائم"، خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا.

وقوله:"يُصَلي" في موضع نصب على الحال من"القيام"، وهو رفع بالياء.

* * *

وأما"المحراب"، فقد بينا معناه، وأنه مقدّم المسجد.

* * *

واختلفت القرأة في قراءة قوله:"أنّ اللهَ يبشرك".

فقرأته عامة القرأة: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ بفتح"الألف" من"أن"، بوقوع"النداء" عليها، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك.

* * *

وقرأه بعض قرأة أهل الكوفة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بكسر"الألف"، بمعنى: قالت الملائكة: إنّ الله يبشرك، لأن النداء قولٌ. وذكروا أنها في قراءة عبد الله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ يَا زَكَرِيَّا إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قالوا: وإذا بطل النداء أن يكون عاملا في قوله:"يا زكريا"، فباطلً أيضًا أن يكون عاملا في"إن".

* * *

والصواب من القراءة في ذلك عندنا:"أنّ الله يبشرك" بفتح"أن" بوقوع النداء عليه، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك.

وليست العلة التي اعتلّ بها القارئون بكسر"إن" = منْ أنّ عبد الله كان يقرؤها كذلك، فقرأوها كذلك = [لهم بعلة] وذلك أن عبد الله إنْ كان قرأ ذلك كذلك، فإنما قرأها بزعمهم، وقد اعترض بنداء زكريا بين"إن" وبين قوله:"فنادته"، وإذا اعترض به بينهما، فإن العرَب تعمل حينئذ النداء في"أنّ"، وتبطله عنها. أما الإبطال، فلأنه بطل عن العمل في المنادى قبله، فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله. وأما الإعمال، فلأن النداء فعل واقعٌ. كسائر الأفعال.

وأما قراءتنا، فليس نداء زكريا ب"يا زكريا" معترضًا به بين"أن" وبين قوله:"فنادته". وإذا لم يكن ذلك بينهما، فالكلامُ الفصيح من كلام العرب إذا نصبتْ بقوْلِ:"ناديت" اسمَ المنادِى وأوقعوه عليه، أن يوقعوه كذلك على"أنّ" بعده. وإن كان جائزًا إبطالُ عمله، فقوله:"نادته"، قد وَقع على مكنيّ"زكريا"، فكذلك الصواب أن يكون واقعًا على"أن" وعاملا فيها.

مع أنّ ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام. ولا يُعترض بالشاذّ على الجماعة التي تجيء مجيءَ الحجة.

* * *

وأما قوله:"يبشرك"، فإن القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بتشديد"الشين" وضم"الياء"، على وجه تبشير الله زكريا بالولد، من قول الناس:"بشَّرتْ فلانًا البُشَراء بكذا وكذا"، أي: أتته بشارات البُشراء بذلك.

* * *

وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة وغيرهم: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، بفتح"الياء" وضم"الشين" وتخفيفها، بمعنى: أن الله يَسرّك بولد يَهَبُه لك، من قول الشاعر:

بَشَرْتُ عِيَالِي إِذْ رَأَيْتُ صَحِيفَةً ... أَتَتْكَ مِنَ الحَجَّاجُ يُتْلَى كِتَابُهَا

وقد قيل: إن"بشَرت" لغة أهلِ تهامة من كنانة وغيرهم من قريش، وأنهم يقولون:"بشَرتُ فلانًا بكذا، فأنا أبشُرُه بَشْرًا"، و"هل أنتَ باشرٌ بكذا"؟ وينشد لهم البيت في ذلك:

وَإذَا رَأَيْتَ البَاهِشِينَ إلَى العُلَى ... غُبْرًا أَكُفُّهُمُ بِقَاعٍ مُمْحِلِ

فَأَعِنْهُمُ، وَابْشَرْ بِمَا بَشِرُوا بِهِ، ... وَإذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ

فإذا صاروا إلى الأمر، فالكلام الصحيح من كلامهم بلا ألف فيقال:"ابشَرْ فلانًا بكذا"، ولا يكادون يقولون:"بشِّره بكذا، ولا أبشِره".

* * *

وقد روي عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ: ﴿يبشرك﴾ ، بضم"الياء" وكسر"الشين" وتخفيفها. وقد:-

٦٩٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ الكوفيّ قال: من قرأ: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ مثقلة، فإنه من البشارة، ومن قرأ: ﴿يَبْشُرُهُمْ﴾ ، مخففة، بنصب"الياء"، فإنه من السرور، يسرُّهم.

* * *

قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءة عندنا في ذلك، ضم"الياء" وتشديد"الشين"، بمعنى التبشير. لأن ذلك هي اللغة السائرةُ والكلامُ المستفيض المعروف في الناس، مع أن جميع قرأة الأمصار مجمعون في قراءة: ﴿فَبِمَ تُبِشِّرُون﴾ [سورة الحجر: ٥٤] ، على التشديد. والصواب في سائر ما في القرآن من نظائره، أنْ يكون مثله في التشديد وضم"الياء".

* * *

وأما ما روي عن معاذ الكوفي من الفرق بين معنى التخفيف والتشديد في ذلك، فلم نجدْ أهل العلم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح، فلا معنى لما حُكي من ذلك عنه، وقد قال جرير بن عطية:

يَا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ ... هَلا غَضِبْتَ لَنَا؟ وَأَنْتَ أَمِيرُ!

فقد علم أنه أراد بقوله"التبشير"، الجمال والنضارة والسرور، فقال"التبشير" ولم يقل"البشر"، فقد بيَّن ذلك أن معنى التخفيف والتثقيل في ذلك واحدٌ.

* * *

٦٩٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:"إن الله يبشرك بيحيى"، قال: بشرته الملائكة بذلك.

* * *

وأما قوله:"بيحيى"، فإنه اسم، أصله"يفعل"، من قول القائل:"حيي فلانٌ فهو يحيَى"، وذلك إذا عاش."فيحيى""يفعل" من قولهم"حيي".

وقيل: إن الله جل ثناؤه سماه بذلك، لأنه يتأوّل اسمه: أحياه بالإيمان.

* ذكر من قال ذلك:

٦٩٤٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"أنّ الله يبشرُك بيحيى"، يقول: عبدٌ أحياه الله بالإيمان.

٦٩٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قوله:"إنّ الله يبشرك بيحيى"، قال: إنما سمي يحيى، لأن الله أحياه بالإيمان.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنًا لك، ="مصدّقًا بكلمة من الله"، يعني: بعيسى ابن مريم.

* * *

ونصب قوله:"مصدقًا" على القطع من"يحيى"، لأنّ"مصدقًا" نعتٌ له، وهو نكرة، و"يحيى" غير نكرة.

* * *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

٦٩٥١ - حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال، حدثنا النضر بن عربيّ، عن مجاهد قال: قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني يتحرّك للذي في بطنك! قال: فوضعت امرأةُ زكريا يحيى، ومريمُ عيسى، ولذا قال:"مصدِّقًا بكلمة من الله"، قال: يحيى مصدّق بعيسى.

٦٩٥٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الرقاشي في قول الله:"يبشرك بيحيى مصدّقًا بكلمة من الله"، قال: مصدّقًا بعيسى ابن مريم.

٦٩٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٦٩٥٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله:"مصدقًا بكلمة من الله"، قال: مصدقًا بعيسى.

٦٩٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"مصدقًا بكلمة من الله"، يقول: مصدّقًا بعيسى ابن مريم، وعلى سُنَّته ومنهاجه.

٦٩٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"مصدقًا بكلمة من الله"، يعني: عيسى ابن مريم.

٦٩٥٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة:"مصدقًا بكلمة من الله"، يقول: مصدقًا بعيسى ابن مريم، يقول على سننه ومنهاجه.

٦٩٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"مصدقًا بكلمة من الله"، قال: كان أوّلَ رجل صدَّق عيسى، وهو كلمة من الله ورُوحٌ.

٦٩٥٩ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"مصدقًا بكلمة من الله"، يصدق بعيسى.

٦٩٦٠ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"إنّ الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله"، كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهدَ أنه كلمة من الله، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى.

٦٩٦١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس قوله:"مصدقًا بكلمة من الله"، قال: عيسى ابن مريم، هو الكلمة من الله، اسمه المسيح.

٦٩٦٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله:"مصدقًا بكلمة من الله"، قال: كان عيسى ويحيى ابنَيْ خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجدُ للذي في بطنك! فذلك تصديقه بعيسى: سُجوده في بطن أمه. وهو أول من صدق بعيسى وكلمة عيسى، ويحيى أكبر من عيسى.

٦٩٦٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله"، قال: الكلمة التي صدق بها: عيسى.

٦٩٦٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لقيت أمّ يحيى أمّ عيسى، وهذه حامل بيحيى، وهذه حامل بعيسى، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، استشعرتُ أنِّي حبلى! قالت مريم: استشعرت أني أيضًا حبلى! قالت امرأة زكريا: فإني وجدتُ ما في بطني يسجُد لما في بطنك! فذلك قوله:"مصدّقًا بكلمة من الله".

٦٩٦٥- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قول الله:"أنّ الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله"، قال: مصدّقًا بعيسى ابن مريم.

* * *

قال أبو جعفر: وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة، أنّ معنى قوله:"مصدقًا بكلمة من الله"، بكتاب من الله، من قول العرب:"أنشدني فلانٌ كلمة كذا"، يراد به: قصيدة كذا = جهلا منه بتأويل"الكلمة"، واجتراءً على تَرجمة القرآن برأيه.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"وسيدًا"، وشريفًا في العلم والعبادة.

* * *

ونصب"السيد" عطفًا على قوله:"مصدقًا".

* * *

وتأويل الكلام: أن الله يبشرك بيحيى مصدّقًا بهذا، وسيدًا.

* * *

"والسيد""الفيعل" من قول القائل:"سادَ يسود"، كما:-

٦٩٦٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وسيدًا" إي والله، لسيدٌ في العبادة والحلم والعلِم والوَرَع.

٦٩٦٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله:"وسيدًا"، قال: السيدُ، لا أعلمه إلا قال: في العلم والعبادة.

٦٩٦٨ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: السيد الحليم.

٦٩٦٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير،"وسيدًا"، قال: الحليم.

٦٩٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير:"وسيدًا"، قال: السيد التقىّ.

٦٩٧١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وسيدا"، قال: السيد الكريم على الله.

٦٩٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال: زعم الرّقاشي أنّ السيد، الكريم على الله.

٦٩٧٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قول الله عز وجل:"وسيدًا"، قال: السيد الحليم التقي.

٦٩٧٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وسيدًا"، قال: يقول: تقيًّا حليما.

٦٩٧٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان في قوله:"وسيدًا"، قال: حليما تقيًّا.

٦٩٧٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله:"وسيدًا"، قال: السيد: الشريف.

٦٩٧٧ - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قول الله عز وجل:"وسيدًا"، قال: السيد الفقيه العالم.

٦٩٧٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وسيدًا"، قال، يقول: حليما تقيًّا.

٦٩٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة:"وسيدًا"، قال: السيد الذي لا يغلبُه الغضب.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك: ممتنعًا من جماع النساء، من قول القائل:"حَصِرْتُ من كذا أحْصَر"، إذا امتنع منه. ومنه قولهم:"حَصِرَ فلان في قراءته"، إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها. وكذلك"حَصْرُ العدوّ"، حَبْسهم الناسَ ومنعهم إياهم التصرف، ولذلك قيل للذي لا يُخرج مع ندمائه شيئًا،"حَصُور"، كما قال الأخطل:

وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نَادَمَنِي ... لا بِالَحصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ

ويروى:"بسآر". ويقال أيضًا للذي لا يخرج سره ويكتمه"حصور"، لأنه يمنع سره أن يظهر، كما قال جرير:

وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الوُشَاةُ، فَصَادَفُوا ... حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ ضَنِينَا

وأصل جميع ذلك واحد، وهو المنع والحبس.

* * *

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

٦٩٨٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن خلف قال، حدثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله في قوله:"وسيدًا وحصورًا"، قال: الحصور، الذي لا يأتي النساء.

٦٩٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: حدثني ابن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريا. قال: ثم دلَّى رسول الله ﷺ يدَه إلى الأرض، فأخذ عُوَيْدًا صغيرًا، ثم قال: وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، وبذلك سماه الله"سيدًا وحصُورًا".

٦٩٨٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد قال، سمعت سعيد بن المسيب يقول: ليس أحدٌ إلا يلقى الله يوم القيامة ذا ذَنْبٌ إلا يحيى بن زكريا، كان حصورًا، معه مثل الهُدْبة.

٦٩٨٣ - حدثنا أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا عمر بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن العاص - إما عبد الله، وإما أبوه -: ما أحد يلقى الله إلا وهو ذو ذنب، إلا يحيى بن زكريا. قال وقال سعيد بن المسيب:"وسيدًا وحصورًا"، قال: الحصور، الذي لا يغشى النساء، ولم يكن ما معه إلا مثل هُدْبة الثوب.

٦٩٨٤ - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله:"وحصورًا" قال: الحصور الذي لا يشتهي النساء. ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه إلا مثل هذه.

٦٩٨٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: الحصور، الذي لا يأتي النساء.

٦٩٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد مثله.

٦٩٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد مثله.

٦٩٨٨ - حدثني عبد الرحمن بن الأسود قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال، حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد:"وحصورًا"، قال: الذي لا يأتي النساء.

٦٩٨٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الحصور: لا يقرَبُ النساء.

٦٩٩٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال: زعم الرقاشي:"الحصور" الذي لا يقرب النساء.

٦٩٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك:"الحصور"، الذي لا يولد له، وليس له ماء.

٦٩٩٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وحصورًا"، قال: هو الذي لا ماء له.

٦٩٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وحصورًا"، كنا نُحدّث أن الحصور الذي لا يقرب النساء.

٦٩٩٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله:"وسيدًا وحصورًا"، قال: الحصور الذي لا يأتي النساء.

٦٩٩٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة مثله.

٦٩٩٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.

٦٩٩٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الحصور الذي لا ينزل الماء.

٦٩٩٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد:"وحصورًا"، قال: الحصور الذي لا يأتي النساء.

٦٩٩٩ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وحصورًا"، قال: الحصور، الذي لا يريد النساء.

٧٠٠٠ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن:"وحصورًا"، قال: لا يقرب النساء.

* * *

وأمّا قوله:"ونبيًّا من الصالحين" فإنه يعني: رسولا لربه إلى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلِّغهم عنه ما أرسله به إليهم.

* * *

ويعني بقوله:"من الصّالحين"، من أنبيائه الصالحين.

* * *

وقد دللنا فيما مضى على معنى"النبوّة" وما أصلها، بشواهد ذلك والأدلة الدالة على الصحيح من القول فيه، بما أغنى عن إعادته.

حواشي المحقق

يعني قراءة من قرأ"فناداه" ممالة، ورسمها في المصحف عندئذ"فناديه" بالياء، وهي قراء حمزة والكسائي.

انظر ص: ٣٦٢.

في المخطوطة: "فناداه الملائكة".

انظر ما سلف ١: ٢٩٢، ٢٩٣ / ٤: ١٩١.

انظر معان القرآن للفراء ١: ٢١٠

في المطبوعة: "وهو من قبلها" والصواب من المخطوطة.

في المخطوطة والمطبوعة: "فلن يجوز ... "، والأشبه بالصواب ما أثبت.

لم يمض من ذلك شيء في خبر زكريا ومريم، وأنا أخشى أن يكون في النسخ المخطوطة التي بأيدينا اختصار في هذا الموضع.

انظر ما سلف قريبًا ص: ٣٥٧، ٣٥٨.

في المطبوعة: "من أن عبد الله كان يقرؤها كذلك، وذلك أن عبد الله ... "، حذف من نص المخطوطة ما أثبته"فقرأوها كذلك"، وبقيت الجملة بعد ذلك مختلة، قد سقط منها خبر"وليست العلة ... "، فاستظهرت من سياق كلامه أنه قد سقط من الناسخ قوله: "لهم بعلة" فزدتها بين قوسين، والسياق"وليست العلة ... لهم بعلة".

في المطبوعة: "وقد اعترض بيا زكريا" وفي المخطوطة: "بهذا زكريا"، وصواب قراءتها ما أثبت. وفي المخطوطة أيضًا"فناداه"، مكان"فنادته".

في المطبوعة: "فإنه بطل عن العمل"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.

الفعل الواقع: هو الفعل المتعدي، كما سلف، فانظر فهرس المصطلحات فيما سلف، والوقوع هو التعدي.

في المخطوطة: "وأما قراءتها"، والصواب ما في المطبوعة.

الفعل الواقع: هو الفعل المتعدي، كما سلف، فانظر فهرس المصطلحات فيما سلف، والوقوع هو التعدي.

انظر تفصيل ما أجمله الطبري في معاني القرآن للفراء ١: ٢١٠، ٢١١.

في المخطوطة والمطبوعة: "البشرى" مكان"البشراء" في الموضعين، والصواب ما أثبت، وظاهر أن الناسخ رآها"البشرا"، بغير همزة كالكتابة القديمة، فظنها"البشرى" فكتبها كذلك.

لم أعرف قائله.

معاني القرآن للفراء، وقال: "أنشدني بعض العرب".

هو عبد قيس بن خفاف البرجمي.

الأصمعيات رقم: ٨٧، والمفضليات رقم: ١١٦، ولسان العرب (كرب) (بشر) (يسر) ، ومعاني القرآن للفراء ١: ٢١٢، وغيرها من المراجع. وهي نصيحته إلى ولده جبيل، وهي من حكيم الشعر.

بهش إلى الشيء: فرح به فأسرع إليه، وروايتهم"إلى الندى"، وهو الكرم. والقاع: أرض سهلة مستوية تنفرج عنها الجبال والآكام، ولا حصى فيها ولا حجارة ولا تنبت الشجر. والممحل: المجدب. يقول: إذا رأيت الكرام الأسخياء، قد أجهدتهم السنة والقحط والجدب حتى اغبرت أيديهم من قلة ما يجدون، وكثرة ما بذلوا في معونة الناس.. فأعنهم.

"وابشر" هي من"بشر" على وزن (فرح) "يبشر" (بفتح الشين) يقال: "أتاني أمر بشرت به" أي سررت به. يقول: شاركهم في ارتياحهم وفرحهم بالسخاء مع ما يلقون من جهد السنة. والضنك: الضيق. يقول: كن مع الكرام حيث كانوا، وانزل معهم كل منزل أنزلهموه كرمهم، من ضنك وحاجة.

انظر تفسير: "بشرى" و"بشر" فيما سلف ١: ٣٨٣ / ٢: ٣٩٣، / ٣: ٢٢١ / ٦: ٢٨٧.

ديوانه: ٣٠١، وطبقات فحول الشعراء: ٣٧٨، وغيرها. من قصيدته التي قالها لبشر بن مروان، وكان قدم معه العراق، سراقة البارقي، وكان بشر يغري بين الشعراء، فحمل سراقة على جرير حتى هجاه. فترك جرير بشرًا، بل مدحه، وأخذ بمجامع سراقة يخنقه حتى فضحه. وعاتب بشرًا عتاب من يظهر الجهل بأمر بشر، وهو يعلمه. وهذا البيت دال على ذلك.

كان في المطبوعة: "حق لبشرك التبشير"، وهو من سهو الناشر، كما سلف من سهوه، والصواب في المخطوطة وسائر المراجع.

في المطبوعة: "يعني بقوله جل ثناؤه"، والصواب من المخطوطة.

القطع: الحال، كما سلف مرارًا، آخرها ص: ٣٢٧ تعليق ٢، والمراجع هناك.

في المطبوعة: "مصدق ... وعلى سننه"، وأثبت ما في المخطوطة.

السجود هنا: الخضوع والتطامن والخشوع، لا سجود الصلاة والعبادة. وإنما سجود الصلاة مجاز من هذا الأصل، وانظر تفسير ذلك فيما سلف ٢: ١٠٤، ١٠٥.

هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن ١: ٩١.

ترجمة القرآن تفسيره وبيانه، وانظر ما سلف ١: ٧٠، تعليق: ١، وانظر فهرس المصطلحات. وإذا كان أبو جعفر يعد هذا اجتراء على تفسير كتاب الله، فليت شعري ماذا يقول في الذين نصبوا أنفسهم، من أهل زماننا، للتهجم على كتاب الله، بما لا تعد فيه مقالة أبي عبيدة، إلا تسبيحًا واستغفارًا واجتهادًا في العبادة!!

انظر ما سلف ٣: ٣١٩.

ديوانه: ١١٦، ومجاز القرآن ١: ٩٢، وطبقات فحول الشعراء: ٤٣٢، واللسان (حصر) (سأر) (سور) ، من قصيدته التي قالها ليزيد بن معاوية، لما منعه حين هجا الأنصار في قصة مشهورة. وفي المخطوطة"مرجح بالكأس"، وهو خطأ. والمربح: المعطي الربح للتاجر، يريد أنه يغالي بثمن الخمر لا يبالي بما يبذل فيها. والسوار: الذي تسور الخمر في دماغه، فيعربد على إخوانه وندمائه عربدة رديئة، والخمر عندهم تشف عن غرائز شاربيها. وأما رواية"سآر" التي سيذكرها، فهي من السؤر: وهو بقية الخمر في القدح. يريد أنه عرضة شراب، لا يكف عن الخمر، ولا يدع في كأسه سؤرًا من قلة صبره، أو سوء احتماله لشدتها.

ديوانه: ٥٧٨، ومجاز القرآن ١: ٩٢ واللسان (حصر) (سقط) ، ورواية هذه الكتب وفي المطبوعة: "تَسَقَّطَنِي" غيروا ما في المخطوطة، كما أثبته. وتسقطه واستسقطه: تتبع عثرته وسقطته أن يفرط منه ما يؤخذ عليه. من السقط (بفتحتين) وهو الخطأ في القول، أو من السقطة (بفتح فسكون) وهي العثرة والزلة. وأما ما جاء في المخطوطة: "تساقطني"، فإني أستجيدها. جيد أن يقال"ساقطه" بمعنى"تسقطه واستسقطه"، وكأن"السقاط" بمعنى العثرة والزلة، مصدر"ساقطه"، وقد قال سويد بن أبي كاهل: كَيْفَ يَرْجُونَ سِقَاطِي، بَعْدَ مَا ... جَلَّلَ الرأسَ مشيبٌ وصَلَعْ

كأنه يجاذبه القول، حتى يسقط ويزل، وهو نفس المعنى في"تسقطه واستسقطه"، وإذا جاز في صريح العربية، فلا معنى لاطراحه. وفي المخطوطة، أسقط الناسخ"أميم" من البيت وترك مكانها بياضًا، وضع فيه نقطة حمراء.

الأثر: ٦٩٨١- انظر التعليق على الأثر: ٦٩٨٣.

الحديث: ٦٩٨٣- رواه الطبري قبل ذلك: ٦٩٨١، عن سعيد بن المسيب: "حدثني ابن العاص ... " - فذكره مطولا مرفوعًا. ثم رواه هنا عن ابن المسيب، عن ابن العاص- مع الشك في أنه"عبد الله بن عمرو" أو "أبوه"- موقوفًا. وقد ذكره ابن كثير ٢: ١٣٥، من رواية ابن أبي حاتم - بهذا الشك - ولكنه مرفوع. ثم ذكره ص ١٣٥-١٣٦، من رواية ابن أبي حاتم أيضًا"عن عبد الله بن عمرو بن العاص" - موقوفًا. ووصف المرفوع بأنه"غريب جدًا". ثم قال بعد الموقوف: "فهذا موقوف أصح إسنادًا من المرفوع". وكذلك ذكر السيوطي ٢: ٢٢ المرفوع والموقوف، وقال: "وهو أقوى إسنادًا من المرفوع".

انظر تفسير"الصالح" فيما سلف ٣: ٩١.

انظر تفسير"النبي" فيما سلف ٢: ١٤٠-١٤٢.

هذا، وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وكتب هنا ما نصه:

"يتلُوُه، إن شاء الله، القولُ في تأويل قوله:

﴿قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكِبَر وامرأتي عاقر﴾ .

والحمد لله وحده على إحسانه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلَّم".

ثم يتلوه ما نصه:

"بسم الله الرحمن الرحيم

ربّ يسّر

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري".

معاني الكلمات

من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com

وَحَصُورًا: لَا يَقْرَبُ الذُّنُوبَ وَالشَّهَوَاتِ تَعَفُّفًا.

النفحات المكية

محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com

ثم أخبَرَ سبحانه أنه استجاب دعوة زكريا عليه السلام، وجاءت الملائكة تبشِّره بالولد، وهو قائم يصلِّي في المحراب، وقالت له: يا زكريا، إن الله يبشِّرُكَ بولدٍ اسمه: يحيى، وهذا الولد سوف يصدِّق بعيسى بن مريم عليه السلام، وسيكون سيدًا في قومه، ولا يقع في الذنوب والشهوات، ولا يَقْرَبُ النساء؛ لتفرُّغه للعبادة؛ وهذا معنى قوله: ﴿وَحَصُورٗا﴾، أي: خلَّص نفسه للدعوة والعبادة، وسوف يكون نبيًّا من الصالحين الذين بلَغُوا أعلى درجات الصلاح.

ولاحِظْ أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكَرَ في هذه الآيات (المِحْراب) مرتين:

الأولى: لما رأى زكريا الرزق عند مريم عليها السلام.

والثانية: لما نادت الملائكة زكريا وهو يصلِّي في المحراب، وبشَّرته بيحيى عليهما السلام.

كما أنه ذكر المحراب أيضًا في آية سابقة لما خَرَجَ زكريا عليه السلام على قومه.

ويفهم من هذا: أن رَحَماتِ الله تتنزَّل غالبًا على الذين يتوجَّهون إلى الله مخلصين بالعبادة والدعاء له في الصلاة؛ ولذلك كان ﷺ كلما حَزَبَهُ أمرٌ، فَزِعَ إلى الصلاة[24].

EnglishBahasa Indonesia

نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.