الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة النساء ‹ الآية ١٢٥

تفسير الآية ١٢٥ من سورة النساء

  • الآية ١٢٥ من ١٧٦
  • الجزء ٥
  • مدنية
  • 4:125

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا ۝١٢٥

4:125

اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزول

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com

ولا أحد أحسن دينًا ممن استسلم لله ظاهرًا وباطنًا وأخلص نيته له، وأحسن في عمله باتباع ما شرع، واتبع دين إبراهيم الذي هو أصل دين محمد صلى الله عليه وسلم مائلًا عن الشرك والكفر إلى التوحيد والإيمان. واصطفى الله نبيه إبراهيم عليه السلام بالمحبة التامَّة من بين سائر خلقه.

التفسير الميسر

نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com

لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن، واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. وقد اصطفى الله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- واتخذه صفيّاً من بين سائر خلقه. وفي هذه الآية، إثبات صفة الخُلّة لله -تعالى- وهي أعلى مقامات المحبة، والاصطفاء.

أسباب النزول

أسباب نزول القرآن — أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت 468هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ اتِّخاذِ اللَّهِ إبْراهِيمَ خَلِيلًا:

فَأخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ النَّصْرُويِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ السَّرّاجُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إبْراهِيمَ المَرْوَزِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا جِبْرِيلُ، لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ؟“ . قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ يا مُحَمَّدُ.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى: دَخَلَ إبْراهِيمُ دارَهُ فَجْأةً فَرَأى مَلَكَ المَوْتِ في صُورَةِ شابٍّ لا يَعْرِفُهُ، قالَ لَهُ إبْراهِيمُ: بِإذْنِ مَن دَخَلْتَ ؟ قالَ: بِإذْنِ رَبِّ المَنزِلِ. فَعَرَفَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: إنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ مِن عِبادِهِ خَلِيلًا. قالَ إبْراهِيمُ: ومَن ذَلِكَ ؟ قالَ: وما تَصْنَعُ بِهِ ؟ قالَ: أكُونُ خادِمًا لَهُ حَتّى أمُوتَ. قالَ: فَإنَّهُ أنْتَ.

اقرأ بقية أسباب النزول

وقالَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أصابَ النّاسَ سَنَةٌ جُهِدُوا فِيها، فَحُشِرُوا إلى بابِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُونَ الطَّعامَ، وكانَتِ المِيرَةُ لَهم كُلَّ سَنَةٍ مِن صَدِيقٍ لَهُ بِمِصْرَ، فَبَعَثَ غِلْمانَهُ بِالإبِلِ إلى خَلِيلِهِ بِمِصْرَ يَسْألُهُ المِيرَةَ، فَقالَ خَلِيلُهُ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ إنَّما يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ احْتَمَلْنا ذَلِكَ لَهُ، وقَدْ دَخَلَ عَلَيْنا ما دَخَلَ عَلى النّاسِ مِنَ الشِّدَّةِ. فَرَجَعَ رُسُلُ إبْراهِيمَ فَمَرُّوا بِبَطْحاءَ، فَقالُوا: لَوِ احْتَمَلْنا مِن هَذِهِ البَطْحاءِ لِيَرى النّاسُ أنّا قَدْ جِئْنا بِمِيرَةٍ، إنّا نَسْتَحِي أنْ نَمُرَّ بِهِمْ وإبِلُنا فارِغَةٌ. فَمَلَئُوا تِلْكَ الغَرِائِرَ رَمْلًا، ثُمَّ إنَّهم أتَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسارَّةُ نائِمَةٌ، فَأعْلَمُوهُ ذَلِكَ، فاهْتَمَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَكانِ النّاسِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ فَنامَ، واسْتَيْقَظَتْ سارَّةُ فَقامَتْ إلى تِلْكَ الغَرائِرِ فَفَتَحَتْها فَإذا هو أجْوَدُ حُوّارى يَكُونُ، فَأمَرَتِ الخَبّازِينَ فَخَبَزُوا وأطْعَمُوا النّاسَ، واسْتَيْقَظَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَجَدَ رِيحَ الطَّعامِ، فَقالَ: يا سارَّةُ، مِن أيْنَ هَذا ؟ قالَتْ: مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ. فَقالَ: بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَلِيلِي، لا مِن عِنْدِ خَلِيلِي المِصْرِيِّ. فَيَوْمَئِذٍ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا.

أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الجَوْزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ، عَنْ أبِي المُهَلَّبِ الكِنانِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ القاسِمِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وإنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلّا لَهُ خَلِيلٌ، ألا وإنَّ خَلِيلِي أبُو بَكْرٍ“ .

أخْبَرَنا الشَّرِيفُ أبُو إسْماعِيلَ بْنُ الحَسَنِ النَّقِيبُ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ حَمّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو إسْماعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، قالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ واقِدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى نَجِيًّا، واتَّخَذَنِي حَبِيبًا. ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي“ .

تفسير السعدي

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com

{125} أي: لا أحد أحسنُ من دين مَن جمع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلامُ الوجه لله الدالُّ على استسلام القلب، وتوجُّهه وإنابته وإخلاصه وتوجُّه الوجه وسائر الأعضاء لله. {وهو}: مع هذا الإخلاص والاستسلام {محسنٌ}؛ أي: متَّبع لشريعة الله التي أرسل الله بها رسله وأنزل كتبه وجعلها طريقاً لخواصِّ خلقه وأتباعهم، {واتَّبع مِلَّةَ إبراهيم}؛ أي: دينه وشرعه {حنيفاً}؛ أي: مائلاً عن الشرك إلى التوحيد وعن التوجُّه للخلق إلى الإقبال على الخالق، {واتَّخذَ الله إبراهيم خليلاً}: والخُلَّةُ أعلى أنواع المحبة، وهذه المرتبة حصلت للخليلين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وأما المحبَّة من الله؛ فهي لعموم المؤمنين، وإنَّما اتَّخذ الله إبراهيم خليلاً؛ لأنَّه وفَّى بما أمر به، وقام بما ابتُلِيَ به، فجعله الله إماماً للناس، واتَّخذه خليلاً، ونوَّه بذكرِهِ في العالمين.

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ)

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ١٢٣–١٢٦ ←

تفسير الجلالين

جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net

﴿وَمَنْ﴾ أَيْ لَا أَحَد ﴿أَحْسَن دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه﴾ أَيْ انْقَادَ وَأَخْلَصَ عَمَله ﴿لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾ مُوَحِّد ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّة إبْرَاهِيم﴾ الْمُوَافِقَة لِمِلَّةِ الْإِسْلَام ﴿حَنِيفًا﴾ حَال أَيْ مَائِلًا عَنْ الْأَدْيَان كُلّهَا إلَى الدِّين الْقَيِّم ﴿وَاِتَّخَذَ اللَّه إبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ صَفِيًّا خَالِص الْمَحَبَّة لَهُ

١٢ -

تفسير البغوي

معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ)

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ١٢٤–١٢٥ ←

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ فَضَّلَ دِينَ الْإِسْلَامِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ وَ (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) مَعْنَاهُ أَخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ وَخَضَعَ لَهُ وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَانْتَصَبَ (دِيناً) عَلَى الْبَيَانِ.

(وَهُوَ مُحْسِنٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ مُوَحِّدٌ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ، لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالْمِلَّةُ الدِّينُ، وَالْحَنِيفُ الْمُسْلِمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ قَالَ ثَعْلَبٌ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ تَتَخَلَّلُ الْقَلْبَ فَلَا تَدَعُ فِيهِ خَلَلًا إِلَّا مَلَأَتْهُ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ بَشَّارٍ:

اقرأ بقية تفسير القرطبي

قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِهِ سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا

وَخَلِيلٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَالْعَلِيمِ بِمَعْنَى الْعَالِمِ. وَقِيلَ: هُوَ [بِمَعْنَى] الْمَفْعُولِ كَالْحَبِيبِ بِمَعْنَى الْمَحْبُوبِ، وَإِبْرَاهِيمُ كَانَ مُحِبًّا لِلَّهِ وَكَانَ مَحْبُوبًا [لِلَّهِ]. وَقِيلَ: الْخَلِيلُ مِنَ الِاخْتِصَاصِ فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ اخْتَصَّ إِبْرَاهِيمَ فِي وَقْتِهِ لِلرِّسَالَةِ. وَاخْتَارَ هَذَا النَّحَّاسُ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا) يَعْنِي نَفْسَهُ. وَقَالَ ﷺ: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) أَيْ لَوْ كُنْتُ مُخْتَصًّا أَحَدًا بِشَيْءٍ لَاخْتَصَصْتُ أَبَا بَكْرٍ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اخْتَصَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وَقِيلَ: الْخَلِيلُ الْمُحْتَاجُ، فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَأَنَّهُ الَّذِي بِهِ الِاخْتِلَالُ. وَقَالَ زُهَيْرٌ يَمْدَحُ هَرِمَ بْنَ سِنَانٍ:

وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لا غالب ما لي وَلَا حَرِمُ

أَيْ لَا مَمْنُوعٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَعْنَى الْخَلِيلِ: الَّذِي لَيْسَ فِي مَحَبَّتِهِ خَلَلٌ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ خَلِيلًا لِلَّهِ بِأَنَّهُ الَّذِي أَحَبَّهُ وَاصْطَفَاهُ مَحَبَّةً تَامَّةً. وَجَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى خَلِيلَ اللَّهِ أَيْ فَقِيرًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فَقْرَهُ وَلَا فَاقَتَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مُخْلِصًا فِي ذَلِكَ. وَالِاخْتِلَالُ الْفَقْرُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا رُمِيَ بِالْمَنْجَنِيقِ وَصَارَ فِي الْهَوَاءِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا. فَخَلَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ نُصْرَتُهُ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَضَى إِلَى خَلِيلٍ لَهُ بِمِصْرَ، وَقِيلَ: بِالْمَوْصِلِ لِيَمْتَارَ مِنْ عِنْدِهِ طَعَامًا فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهُ، فَمَلَأَ غَرَائِرَهُ رَمْلًا وَرَاحَ بِهِ إِلَى أَهْلِهِ فَحَطَّهُ وَنَامَ، فَفَتَحَهُ أَهْلُهُ فَوَجَدُوهُ دَقِيقًا فَصَنَعُوا لَهُ مِنْهُ، فَلَمَّا قَدَّمُوهُ إِلَيْهِ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: مِنَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ الْمِصْرِيِّ، فَقَالَ: هُوَ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِي، يَعْنِي اللَّهَ تَعَالَى، فَسُمِّيَ خَلِيلَ اللَّهِ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَضَافَ رُؤَسَاءَ الْكُفَّارِ وَأَهْدَى لَهُمْ هَدَايَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: مَا حَاجَتُكَ؟ قال: حاجتي أن تسجدوا سَجْدَةً، فَسَجَدُوا فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ مَا أَمْكَنَنِي فَافْعَلِ اللَّهُمَّ مَا أَنْتَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَوَفَّقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ فَاتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا لِذَلِكَ. وَيُقَالُ: لَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ بِشَبَهِ الْآدَمِيِّينَ وَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْهُ وَقَالُوا: إِنَّا لَا نَأْكُلُ شَيْئًا بِغَيْرِ ثَمَنٍ فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُوا ثَمَنَهُ وَكُلُوا، قَالُوا: وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: أَنْ تَقُولُوا فِي أَوَّلِهِ بِاسْمِ اللَّهِ وَفِي آخِرِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلًا، فَاتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا. وروى جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا لِإِطْعَامِهِ الطَّعَامَ وَإِفْشَائِهِ السَّلَامَ وَصَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ (. وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:) يَا جِبْرِيلُ لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (؟ قَالَ: لِإِطْعَامِهِ الطَّعَامَ يَا مُحَمَّدُ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْخَلِيلِ الَّذِي يُوَالِي فِي اللَّهِ وَيُعَادِي فِي اللَّهِ. وَالْخُلَّةُ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ الصَّدَاقَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَخَلُّلِ الْأُسَرَارِ بَيْنَ الْمُتَخَالِّينَ. وَقِيلَ: هِيَ مِنَ الْخَلَّةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلِيلَيْنِ يَسُدُّ خَلَّةَ صَاحِبِهِ. وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ). وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:

مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي اللَّهِ خُلَّتُهُ ... فَخَلِيلُهُ مِنْهُ عَلَى خَطَرِ

آخَرُ:

إِذَا مَا كُنْتَ مُتَّخِذًا خَلِيلًا ... فَلَا تَثِقَنْ بِكُلِّ أَخِي إِخَاءِ

فَإِنْ خُيِّرْتَ بَيْنَهُمُ فَأَلْصِقْ ... بِأَهْلِ الْعَقْلِ مِنْهُمْ وَالْحَيَاءِ

فَإِنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ لَهُ إِذَا مَا ... تَفَاضَلَتِ الْفَضَائِلُ مِنْ كِفَاءِ

وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

أَخِلَّاءُ الرِّجَالِ هُمُ كَثِيرٌ ... وَلَكِنْ فِي الْبَلَاءِ هُمُ قَلِيلُ

فَلَا تَغْرُرْكَ خُلَّةُ مَنْ تُؤَاخِي ... فَمَا لَكَ عِنْدَ نَائِبَةٍ خَلِيلُ

وَكُلُّ أَخٍ يَقُولُ أَنَا وَفِيٌّ ... وَلَكِنْ لَيْسَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ

سِوَى خِلٍّ لَهُ حَسَبٌ وَدِينٌ ... فَذَاكَ لِمَا يَقُولُ هُوَ الفعول

حواشي المحقق

راجع ج ٢ ص ١٣٩

من ج.

تفسير الطبري

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾

قال أبو جعفر: وهذا قضاء من الله جل ثناؤه للإسلام وأهله بالفضل على سائر الملل غيره وأهلِها، يقول الله:"ومن أحسن دينًا" أيها الناس، وأصوبُ طريقًا، وأهدى سبيلا="ممن أسلم وجهه لله"، يقول: ممن استسلم وجهه لله فانقاد له بالطاعة، مصدقًا نبيه محمدًا ﷺ فيما جاء به من عند ربه ="وهو محسن"، يعني: وهو عاملٌ بما أمره به ربه، محرِّم حرامه ومحلِّل حلاله ="واتَّبع ملة إبراهيم حنيفًا"، يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به بنيه من بعده وأوصاهم به ="حنيفًا"، يعني: مستقيمًا على منهاجه وسبيله.

* * *

وقد بينا اختلاف المختلفين فيما مضى قبل في معنى"الحنيف"، والدليل على الصحيح من القول في ذلك بما أغنى عن إعادته.

اقرأ بقية تفسير الطبري

* * *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

وممن قال ذلك أيضًا الضحاك.

١٠٥٣٨- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: فضّل الله الإسلام على كل دين فقال:"ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن" إلى قوله:"واتخذ الله إبراهيم خليلا"، وليس يقبل فيه عملٌ غير الإسلام، وهي الحنيفيّة.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا (١٢٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واتخذ الله إبراهيم وليًّا.

* * *

فإن قال قائل: وما معنى"الخُلَّة" التي أعطِيها إبراهيم؟

قيل: ذلك من إبراهيم عليه السلام: العداوةُ في الله والبغض فيه، والولاية في الله والحب فيه، على ما يعرف من معاني"الخلة". وأما من الله لإبراهيم، فنُصرته على من حاوله بسوءٍ، كالذي فعل به إذْ أراده نمرود بما أرادَه به من الإحراق بالنار فأنقذَه منها، أو على حجته عليه إذ حاجّه= وكما فعل بملك مصر إذ أراده عن أهله = وتمكينه مما أحب= وتصييره إمامًا لمن بعدَه من عباده، وقدوةً لمن خلفه في طاعته وعبادته. فذلك معنى مُخَالَّته إياه.

وقد قيل: سماه الله"خليلا"، من أجل أنه أصابَ أهلَ ناحيته جدْبٌ، فارتحل إلى خليلٍ له من أهل الموصل= وقال بعضهم: من أهل مصر= في امتيار طعام لأهله من قِبله، فلم يصب عنده حاجته. فلما قرَب من أهله مرَّ بمفازة ذات رمل، فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل، لئلا أغُمَّ أهلي برجوعي إليهم بغير مِيرَة، وليظنوا أنّي قد أتيتهم بما يحبون! ففعل ذلك، فتحوَّل ما في غرائره من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام. وقام أهله، ففتحوا الغرائر، فوجدوا دقيقًا، فعجنوا منه وخبزوا. فاستيقظ، فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك! فعلم، فقال: نعم! هو من خليلي الله! قالوا: فسماه الله بذلك"خليلا".

حواشي المحقق

انظر تفسير"أسلم وجهه" فيما سلف ٢: ٥١٠ -٥١٢ / ٦: ٢٨٠.

انظر تفسير"الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة.

انظر تفسير"ملة" فيما سلف ٢: ٥٦٣ / ٣: ١٠٤.

انظر تفسير"حنيف" فيما سلف ٣: ١٠٤-١٠٨ / ٦: ٤٩٤.

في المطبوعة والمخطوطة: "ملك مصر" بغير باء، والسياق يقتضي ما أثبت.

"الغرائر" جمع"غرارة" (بكسر الغين) : وهي الجوالق الذي يوضع في التبن والقمح وغيرهما.

هذا دليل آخر على اختصار أبي جعفر تفسيره في مواضع، كما قيل في ترجمته. فلولا الاختصار، لساق أخبار إبراهيم عليه وعلى نبينا صلى الله عليهما السلام. وقد سلفت أخبار إبراهيم في مواضع متفرقة من التفسير.

معاني الكلمات

من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com

أَسْلَمَ: انْقَادَ، وَاسْتَسْلَمَ.

حَنِيفًا: مَائِلًا عَنِ الشَّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ.

خَلِيلًا: صَفِيًّا.

النفحات المكية

محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com

أخبَرَ جل وعلا أنه لا أحدَ أفضَلُ وأحسَنُ دينًا ممن توجَّه بعبادته إلى الله خاضعًا له، وهو مؤمن موحِّد لله سبحانه، ومتَّبع لدين إبراهيم عليه السلام، وهو دين النبي محمد ﷺ، وهو دين الحق والاستقامة، واعلموا أن الله اصطفى إبراهيم عليه السلام بالرسالة والنبوَّة، واتخذه خليلًا.

وفي هذه الآية: إثبات صفة الخُلَّةِ لله تعالى، وهي أعلى درجات المحبَّة، منحها الله لإبراهيم عليه السلام، كما منحها أيضًا لنبيِّنا محمد ﷺ، كما في الحديث[45].

EnglishBahasa Indonesia

نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.