الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة النساء ‹ الآية ٢٥
تفسير الآية ٢٥ من سورة النساء
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٢٥
اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزولاسأل على واتساب
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com
ومن لم يستطع منكم - أيها الرجال - لقلة ماله أن يتزوج الحرائر من النساء جاز له نكاح الإماء المملوكات لغيركم، إن كن مؤمنات فيما يظهر لكم، والله أعلم بحقيقة إيمانكم وبواطن أحوالكم، وأنتم وهنَّ سواء في الدين والإنسانية، فلا تَسْتنكِفوا عن الزواج منهن، فتزوجوهن بإذن مالكيهن، وآتوهن مهورهن دون نقص أو مماطلة، هذا إن كن عفيفات غير زانيات علنًا، ولا متخذات أَخِلاَّء للزنى بهن سرًّا، فإذا تزوجن، ثم ارتكبن فاحشة الزنى فحدُّهن نصف عقوبة الحرائر: خمسين جلدة، ولا رجم عليهن، بخلاف المحصنات من الحرائر إذا زنين. ذلك المذكور من إباحة نكاح الإماء المؤمنات العفيفات رخصة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى، ولم يقدر على الزواج من الحرائر، على أن الصبر عن نكاح الإماء أولى؛ لتجنيب الأولاد الاسترقاق، والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم، ومن رحمته أن شرع لهم نكاح الإماء حال العجز عن نكاح الحرائر عند خشية الزنى.
التفسير الميسر
نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com
ومن لا قدرة له على مهور الحرائر المؤمنات، فله أن ينكح غيرهن، من فتياتكم المؤمنات المملوكات. والله تعالى هو العليم بحقيقة إيمانكم، بعضكم من بعض، فتزوجوهن بموافقة أهلهن، وأعطوهن مهورهن على ما تراضيتم به عن طيب نفس منكم، متعففات عن الحرام، غير مجاهرات بالزنى، ولا مسرات به باتخاذ أخلاء، فإذا تزوجن وأتين بفاحشة الزنى فعليهن من الحدِّ -وهو الجَلْدُ لا الرَّجْمُ- نصف ما على الحرائر. ذلك الذي أبيح مِن نكاح الإماء بالصفة المتقدمة إنما أبيح لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى، وشق عليه الصبر عن الجماع، والصبر عن نكاح الإماء مع العفة أولى وأفضل. والله تعالى غفور لكم، رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند العجز عن نكاح الحرائر.
تفسير السعدي
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com
{25} أي: ومن لم يستطع الطَّول ـ الذي هو المهر ـ لنكاح المحصنات؛ أي: الحرائر المؤمنات، وخاف على نفسه العنت؛ أي: الزنا والمشقة الكثيرة؛ فيجوز له نكاح الإماء المملوكات المؤمنات، وهذا بحسب ما يظهر، وإلاَّ؛ فالله أعلم بالمؤمن الصادق من غيره؛ فأمور الدنيا مبنيَّة على ظواهر الأمور، وأحكام الآخرة مبنيَّة على ما في البواطن. {فانكِحوهنَّ}؛ أي: المملوكات {بإذن أهلهنَّ}؛ أي: سيِّدهن واحداً أو متعدداً. {وآتوهنَّ أجورهنَّ بالمعروف}؛ أي: ولو كنَّ إماءً؛ فإنه كما يجب المهر للحرة؛ فكذلك يجب للأمة، ولكن لا يجوز نكاح الإماء إلاَّ إذا كنَّ {محصنات}؛ أي: عفيفات عن الزنا، {غير مسافِحاتٍ}؛ أي: زانيات علانية، {ولا متَّخذاتِ أخدانٍ}؛ أي: أخلاء في السرِّ.
فالحاصل أنه لا يجوز للحرِّ المسلم نكاح أمةٍ إلاَّ بأربعة شروط ذكرها الله: الإيمان بهنّ، والعفة ظاهراً وباطناً، وعدم استطاعة طَوْل الحرة، وخوف العنت؛ فإذا تمت هذه الشروط؛ جاز له نكاحهنَّ، ومع هذا؛ فالصبر عن نكاحهنَّ أفضلُ؛ لما فيه من تعريض الأولاد للرقِّ، ولما فيه من الدناءة والعيب، وهذا إذا أمكن الصبر؛ فإن لم يمكن الصبر عن الحرام إلاَّ بنكاحهنَّ؛ وجب ذلك، ولهذا قال: {وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم}.
وقوله: {فإذا أحْصِنَّ}؛ أي: تزوَّجن أو أسلمن؛ أي: الإماء. فعليهن نصف ما على المحصنات؛ أي: الحرائر {من العذاب}. وذلك الذي يمكن تنصيفُهُ وهو الجلد، فيكون عليهن خمسون جلدةً، وأما الرجم؛ فليس على الإماء رجمٌ؛ لأنه لا يتنصَّف؛ فعلى القول الأول: إذا لم يتزوَّجن؛ فليس عليهن حدٌّ، إنما عليهن تعزيرٌ يردعهنَّ عن فعل الفاحشة. وعلى القول الثاني: إن الإماء غير المسلمات إذا فعلن فاحشةً أيضاً عزِّرْن.
وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين: الغفور، والرحيم؛ لكون هذه الأحكام رحمة بالعباد وكرماً وإحساناً إليهم، فلم يضيِّق عليهم، بل وسَّع غاية السعة. ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحدِّ إشارة إلى أن الحدود كفاراتٌ يغفرُ الله بها ذنوبَ عباده كما وردَ بذلك الحديث.
وحُكم العبد الذَّكر في الحد المذكور حُكم الأمة لعدم الفارق بينهما.
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
يَقُولُ [تَعَالَى] وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴿طَوْلا﴾ أَيْ: سَعَةً وَقُدْرَةً ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيِ الْحَرَائِرَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، عَنْ رَبِيعَةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قَالَ رَبِيعَةُ الطوْل الْهَوَى، يَنْكِحَ الْأَمَةَ إِذَا كَانَ هَوَاهُ فِيهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
ثُمَّ شَرَعَ يُشَنِّعُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ويَرُدّه ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيْ: فَتَزَوَّجُوا مِنَ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ اللَّاتِي يَمْلِكُهُنَّ الْمُؤْمِنُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَات﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: فَلْيَنْكِحْ مِنْ إِمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان.
اقرأ بقية تفسير ابن كثير
ثُمَّ اعْتَرَضَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُوَ الْعَالِمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ وَسَرَائِرِهَا، وَإِنَّمَا لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الظَّاهِرُ مِنَ الْأُمُورِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدلَّ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ هُوَ وَلِيُّ أَمَتِهِ لَا تُزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ وَلِيُّ عَبْدِهِ، لَيْسَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوّج بِغَيْرِ إِذَنْ مَوَاليه فَهُوَ عَاهِر" أي زان.
فَإِنْ كَانَ مَالِكُ الْأَمَةِ امْرَأَةٌ زَوَّجَهَا مَنْ يُزَوِّجُ الْمَرْأَةَ بِإِذْنِهَا؛ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَا تُزَوِّجُ المرأةُ [المرأةَ، وَلَا المرأةُ نَفْسَهَا] فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا" .
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: وَادْفَعُوا مُهُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ: عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْكُمْ، وَلَا تَبْخَسُوا مِنْهُ شَيْئًا اسْتِهَانَةً بِهِنَّ؛ لِكَوْنِهِنَّ إِمَاءً مَمْلُوكَاتٍ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ أَيْ: عَفَائِفَ عَنِ الزِّنَا لَا يَتَعَاطَيْنَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ وَهُنَّ الزَّوَانِي اللَّاتِي لَا يَمْتَنِعْنَ مَنْ أَرَادَهُنَّ بِالْفَاحِشَةِ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُسَافِحَاتُ، هُنَّ الزَّوَانِي الْمُعَالِنَاتُ يَعْنِي الزَّوَانِي اللَّاتِي لَا يَمْنَعْنَ أَحَدًا أَرَادَهُنَّ بِالْفَاحِشَةِ. (وَمُتَّخِذَاتُ أَخْدَانٍ) يَعْنِي: أَخِلَّاءَ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالسُّدِّيِّ، قَالُوا: أَخِلَّاءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي: الصَّدِيقَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذَاتُ الْخَلِيلِ الْوَاحِدِ [الْمَسِيسِ] الْمُقِرَّةُ بِهِ، نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، يَعْنِي [عَنْ] تَزْوِيجِهَا مَا دَامَتْ كَذَلِكَ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اخْتَلَفَ القراءُ فِي ﴿أُحْصِنَّ﴾ فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ، مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وقُرئ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالصَّادِ فِعْلٌ لَازِمٌ ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا الْإِسْلَامُ. رُوي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وزِرّ بْنِ حُبَيْش، وسعيد بن جُبَير، وعطاء، إبراهيم النَّخعي، وَالشَّعْبِيِّ، والسُّدِّي. وَرَوَى نَحْوَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ، قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا [ذَلِكَ] اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [الدِّمَشْقِيُّ] حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قَالَ: "إِحْصَانُهَا إِسْلَامُهَا وَعَفَافُهَا". وَقَالَ الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا التَّزْوِيجُ، قَالَ: وَقَالَ عَلِيٌّ: اجلدوهن.
[ثُمَّ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
قُلْتُ: وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمَّ، و [مِثْلُهُ] لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ .
وَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ: إِحْصَانُهَا: إِسْلَامُهَا وَعَفَافُهَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا: التَّزْوِيجُ. وَهُوَ قولُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، وَطَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَنَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْإِيضَاحُ" عَنِ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ وَقَدْ رَوَاهُ لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إِحْصَانُ الْأَمَةِ أَنْ يَنْكِحَهَا الْحُرُّ، وَإِحْصَانُ الْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الْحُرَّةَ. وَكَذَا رَوَى ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ.
وَقِيلَ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُتَبَايِنٌ فَمَنْ قَرَأَ ﴿أُحْصِنَّ﴾ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، فَمُرَادُهُ التَّزْوِيجُ، وَمَنْ قَرَأَ "أَحْصَنَّ" بِفَتْحِهَا، فَمُرَادُهُ الإسلام اختاره الإمام أبو جعفر ابن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَرَّرَهُ وَنَصَرَهُ.
وَالْأَظْهَرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا التَّزْوِيجُ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ سِيَاقُهَا كُلُّهَا فِي الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أَيْ: تَزَوَّجْنَ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمِنْ تَبِعَهُ.
وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ إِشْكَالٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ فَعَلَيْهَا خَمْسُونَ جِلْدَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً، مُزَوَّجَةً أَوْ بِكْرًا، مَعَ أَنَّ مَفْهُومَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ مِمَّنْ زَنَا مِنَ الْإِمَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَتُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا شَكَّ أَنَّ الْمَنْطُوقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ عَامَّةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْإِمَاءِ، فَقَدَّمْنَاهَا عَلَى مَفْهُومِ الْآيَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أرقَّائكم الْحَدَّ مَنْ أحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَن، فَإنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إنْ جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: "أحْسَنْتَ، اتْرُكْهَا حَتَّى تَماثَل " .
وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ غَيْرِ أَبِيهِ: "فَإِذَا تَعالتْ مِنْ نَفْسِها حدَّها خَمْسِينَ".
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّانِيَةَ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إن زنت الثالثة فتبين زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْل مَنْ شَعَر" وَلِمُسْلِمٍ إِذَا زَنتْ ثَلَاثًا فَلْيَبِعْهَا فِي الرَّابِعَةِ" .
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسار، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: أمَرَني عُمَر بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَلَدْنَا مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا.
الْجَوَابُ الثَّانِي: جَوَابُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا تُضْرَبُ تَأْدِيبًا، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَأَبُو عُبَيد الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وعمْدتهُم مَفْهُومُ الْآيَةِ وَهُوَ مِنْ مَفَاهِيمِ الشَّرْطِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعُمُومِ عِنْدَهُمْ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئل عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تحْصنْ؟ قَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَحِدُّوهَا ثُمَّ إِنَّ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ" قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: الضَّفِيرُ الْحَبْلُ.
قَالُوا: فَلَمْ يُؤَقَّت فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَدَدٌ كَمَا وُقِّتَ فِي الْمُحْصَنَةِ بِنِصْفِ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ عَلَى أَمَةٍ حَدٌّ حَتَّى تُحْصَنَ -أَوْ حَتَّى تُزَوَّجَ-فَإِذَا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْهَا نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ".
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ الْعَابِدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بِهِ مَرْفُوعًا. وَقَالَ: رَفْعُهُ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ، وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ .
قَالُوا: وَحَدِيثُ عَلِيٍّ وَعُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] قَضَايَا أَعْيَانٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ أَجْوِبَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الحديث.
الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْحَدِّ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، لَفْظٌ مُقْحَمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، بِدَلِيلِ الْجَوَابِ الثَّالِثِ وَهُوَ:
أَنَّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيَّيْنِ وَذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ، وَمَا كَانَ عَنِ اثْنَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقَدُّمِ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبَّاد بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ -وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنتِ فاجْلِدوها، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ".
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ لَفْظَ الْحَدِّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَلْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْجَلْدُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَدٌّ، أَوْ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَةَ الْحَدِّ عَلَى التَّأْدِيبِ، كَمَا أَطْلَقَ الْحَدَّ عَلَى ضَرْبِ مَنْ زَنَى مِنَ الْمَرْضَى بُعثْكال نَخْلٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، وَعَلَى جَلْدِ مَنْ زَنَى بِأَمَةِ امْرَأَتِهِ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِيهَا مِائَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَعْزِيرٌ وَتَأْدِيبٌ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ. وَإِنَّمَا الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ هُوَ جَلْدُ الْبِكْرِ مِائَةً، وَرَجْمُ الثَّيِّبِ أَوِ اللَّائِطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: لَا تُضْرَبُ الْأَمَةُ إِذَا زَنَتْ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ .
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنْهُ، وَمَذْهَبٌ غَرِيبٌ إِنْ أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ أَصْلًا لَا حَدًّا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ حَدًّا، وَلَا يَنْفِي ضَرْبَهَا تَأْدِيبًا، فَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ الْمُحْصَنَةَ تُحَدُّ نِصْفَ حَدِّ الْحُرَّةِ، فَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَعُمُومَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ شَامِلَةٌ لَهَا فِي جَلْدِهَا مِائَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النُّورِ:٢] وَكَحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: "خُذوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا البِكر بالبِكْر جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمُهَا بِالْحِجَارَةِ" وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا كَانَ أَمَرَ بِجِلْدِ الْمُحْصَنَةِ مِنَ الْإِمَاءِ بِنِصْفِ مَا عَلَى الْحُرَّةِ مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ خَمْسُونَ جَلْدَةً، فَكَيْفَ يَكُونُ حُكْمُهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ أَشَدَّ مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْصَانِ. وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ عَكْسُ مَا قَالَ، وَهَذَا الشَّارِعُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْأَلُهُ أَصْحَابُهُ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: "اجْلِدُوهَا" وَلَمْ يَقُلْ مِائَةً، فَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا كَمَا قَالَ دَاوُدُ لَوَجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ بَيَانِ حُكْمِ جَلْدِ الْمِائَةِ بَعْدَ الْإِحْصَانِ فِي الْإِمَاءِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِمْ: "وَلَمْ تُحْصَنْ" لعدم الفرق بَيْنَهُمَا لَوْ لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ نَزَلَتْ، لَكِنْ لَمَّا عَلِمُوا حُكْمَ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ سَأَلُوا عَنْ حُكْمِ الْحَالِ الْآخَرِ، فَبَيَّنَهُ لَهُمْ. كَمَا [ثَبَتَ] فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَذَكَرَهَا لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: "وَالسَّلَامُ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ" وَفِي لَفْظٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٦] قَالُوا: هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَّفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا هَذَا السُّؤَالُ .
الْجَوَابُ الرَّابِعُ -عَنْ مَفْهُومِ الْآيَةِ-: جَوَابُ أَبِي ثَوْرٍ، فَإِنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا هُوَ أَغْرَبُ مِنْ قَوْلِ دَاوُدَ مِنْ وُجُوهٍ، ذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ فَإِذَا أحْصن فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ الْمُزَوَّجَاتِ وَهُوَ الرَّجْمُ، وَهُوَ لَا يَتَنَاصَفُ فَيَجِبُ أَنْ تُرْجَمَ الْأَمَّةُ الْمُحَصَنَةُ إِذَا زَنَتْ، وَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَيَجِبُ جَلْدُهَا خَمْسِينَ. فَأَخْطَأَ فِي فَهْمِ الْآيَةِ وَخَالَفَ الْجُمْهُورَ فِي الْحُكْمِ، بَلْ قَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْ لَا رَجْمَ عَلَى مَمْلُوكٍ فِي الزِّنَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْمُحْصَنَاتِ لِلْعَهْدِ، وَهُنَّ الْمُحْصَنَاتُ الْمَذْكُورَاتُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِنَّ الْحَرَائِرُ فَقَطْ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَزْوِيجِ غَيْرِهِ، وَقَوْلِهِ: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ وَهُوَ الْجَلْدُ لَا الرَّجْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ [حَدِيثًا] نَصا فِي رَدِّ مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ صَفِيَّةَ كَانَتْ قَدْ زَنَتْ بِرَجُلٍ مِنَ الْحُمْسِ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَادَّعَاهُ الزَّانِي، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ [بْنِ عَفَّانَ] فَرَفَعَهُمَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَقْضِي فِيهِمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "الْوَلَدُ للفِرَاش وللعَاهِر الحَجَر" وَجَلَدَهُمَا خَمْسِينَ خَمْسِينَ .
وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الْمَفْهُومِ التَّنْبِيهُ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، أَيْ: أَنَّ الْإِمَاءَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحَرَائِرِ فِي الْحَدِّ وَإِنْ كُنَّ مُحْصَنَاتٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ رَجْمٌ أَصْلًا لَا قَبْلَ النِّكَاحِ وَلَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ الْجَلْدُ فِي الْحَالَتَيْنِ بِالسُّنَّةِ. قَالَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ لَفْظِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا اسْتَفَدْنَا تَنْصِيفَ الْحَدِّ مِنَ الْآيَةِ لَا مِنْ سِوَاهَا، فَكَيْفَ يُفْهَمُ مِنْهَا التَّنْصِيفُ فِيمَا عَدَاهَا، وَقَالَ: بَلْ أُرِيدُ بِأَنَّهَا فِي حَالِ الْإِحْصَانِ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إِلَّا الْإِمَامُ، وَلَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ -وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ-فَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَالْحَدُّ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ. وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِ الْآيَةِ مَا يدل عليه.
وَلَوْلَا هَذِهِ لَمْ نَدْرِ مَا حُكْمُ الْإِمَامِ فِي التَّنْصِيفِ، وَلَوَجَبَ دُخُولُهُنَّ فِي عُمُومِ الْآيَةِ فِي تَكْمِيلِ الْحَدِّ مِائَةً أَوْ رَجْمُهُنَّ، كَمَا أُثْبِتَ فِي الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، وَعُمُومُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَ فِيهَا تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْمُزَوَّجَةِ وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ: "إِذَا زَنَتْ أمةُ أحدِكم فَتَبَيَّنَ زِناهَا فَليجْلِدها الحدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْها".
مُلَخَّصُ الْآيَةِ: أَنَّهَا إِذَا زَنَتْ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أنها بجلد خَمْسِينَ قَبْلَ الْإِحْصَانِ وَبَعْدَهُ، وَهَلْ تُنْفَى؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
[أَحَدُهَا] أَنَّهَا تُنْفَى عَنْهُ وَالثَّانِي: لَا تُنْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا. [وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ] وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُنْفَى نِصْفَ سَنَةٍ وَهُوَ نَفْيُ نِصْفِ الْحُرَّةِ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَعِنْدَهُ أَنَّ النَّفْيَ تَعْزِيرٌ لَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيُ الْإِمَامِ، إِنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضَادٌّ لِصِيَانَتِهِنَّ، [وَمَا وَرَدَ شَيْءٌ مِنَ النَّفْيِ فِي الرِّجَالِ وَلَا فِي النِّسَاءِ نَعَمْ حَدِيثُ عُبَادَة وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ وَبِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَ [كُلُّ] ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّفْيِ الصَّوْنُ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي نَفْيِ النِّسَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ تُجلد خَمْسِينَ بَعْدَ الْإِحْصَانِ، وَتُضْرَبُ [قَبْلَهُ] تَأْدِيبًا غَيْرَ مَحْدُودٍ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَهُ فَيَكُونُ مَذْهَبًا بِالتَّأْوِيلِ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْقَوْلِ الثَّانِي.
الْقَوْلُ الْآخِرُ: أَنَّهَا تُجْلَدُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ مِائَةً وَبَعْدَهُ خَمْسِينَ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ دَاوُدَ، وَ [هُوَ] أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ: أَنَّهَا تُجْلَدُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ خَمْسِينَ وَتُرْجَمَ بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يُبَاحُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا، وَشَقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَنِ الْجِمَاعِ، وَعَنَتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ [كُلِّهِ، فَحِينَئِذٍ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ، وَإِنْ تَرَكَ تَزَوُّجَ الْأَمَةِ] وَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي الْكَفِّ عَنِ الزِّنَا، فَهُوَ خَيْرٌ له؛ لأنه إذا تزوجها جَاءَ أَوْلَادُهُ أَرِقَّاءُ لِسَيِّدِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَرَبِيًّا فَلَا تَكُونُ أَوْلَادُهُ مِنْهَا أَرِقَّاءَ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اسْتَدَلَّ جمهورُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ الطَّوْل لِنِكَاحِ الْحَرَائِرِ وَمِنْ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ لِمَا فِي نِكَاحِهِنَّ مِنْ مفْسَدة رِقِّ الْأَوْلَادِ، وَلِمَا فِيهِنَّ مِنَ الدَّنَاءَةِ فِي الْعُدُولِ عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهورَ أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ فِي اشْتِرَاطِ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالُوا: مَتَى لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مُزَوَّجًا بِحُرَّةِ جَازَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِدًا الطَّوْلَ لِحُرَّةٍ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ خَافَ الْعَنَتَ أَمْ لَا وَعُمْدَتُهُمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ [عُمُومُ] قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥] أَيِ: الْعَفَائِفُ، وَهُوَ يَعُمُّ الْحَرَائِرَ وَالْإِمَاءَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ، وَهَذِهِ أَيْضًا ظَاهِرَةٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حواشي المحقق
زيادة من أ.
في جـ، ر، أ: "أعرض".
في جـ: "بغير".
رواه أبو داود في السنن برقم (٢٠٧٨) والترمذي في السنن برقم (١١١١) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قال الترمذي: حديث جابر حديث حسن.
زيادة من جـ، أ، وابن ماجه.
رواه ابن ماجة في سننه برقم (١٨٨٢) من طريق محمد بن مروان عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
في أ: "فادفعوا".
في أ: "ولا يبخسوهن".
في ر: "ولا".
في جـ، ر، أ: "المعلنات".
زيادة من جـ، أ.
زيادة من جـ، ر، أ.
في أ: "تزوجها".
في ر: "واختلفت".
في أ: "فقرأ".
في جـ: "القولين".
في جـ، ر: "وهذا القول هو".
زيادة من جـ، ر، وفي أ: "رحمه الله".
زيادة من جـ، ر، أ.
زيادة من جـ، أ.
في ر: "وقيل".
زيادة من جـ، أ.
في أ: "في".
زيادة من جـ، أ.
في جـ، ر، أ: "يقوم".
ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٤٩٠) .
في جـ، ر: "بل".
في ر: "شيئان".
في أ: "فالسياق كله".
في ر: "تتماثل".
صحيح مسلم برقم (١٧٠٥) .
في أ: "نفاسها".
في جـ: "فاجلدها".
في جـ، أ: "أخرجاه، ولمسلم".
صحيح البخاري برقم (٣١٦٧) وصحيح مسلم برقم (١٧٦٥) .
في ر: "عباس".
في ر: "رستم"
في جـ، ر: "فاجلدوها".
في ر: "بظفير".
في أ: "بعد".
صحيح البخاري برقم (٢١٥٣، ٤٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٧٠٤) من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه.
في جـ، أ: "والضفير"، وفي ر: "والظفير".
في جـ، أ: "الجواب".
في جـ، أ: "يعني"، وفي ر: "أو يعني".
في جـ، ر، أ: "الغامدي".
السنن الكبرى للبيهقي (٨/٤٢٤) ط - الكتب العلمية، وقال: "رفعه خطأ والموقوف أصح".
وقد رواه سعيد بن منصور في السنن موقوفا على ابن عباس من هذا الطريق برقم (٦١٦) .
زيادة من جـ، أ.
في جـ، أ: "فليقم عليها" وفي ر "عليها الحد".
في ر: "معجمة"، وفي أ: "مقحمة".
في أ: "بالتقديم".
في جـ، أ: "لما كان الجلد في الحديث اعتقد".
في أ: "ما لم تزوج".
في جـ، ر: "فيكون".
في ر: "بعمومات".
في أ: "لقول الله تعالى".
في أ: "سبحانه".
في أ: "غيره".
في أ: "كما زعم".
في جـ، أ: "بعد نزول".
زيادة من أ.
في جـ، أ: "كما قد علمتم" وفي ر: "كما علمتم".
في أ: "سواء".
في ر: "وذلك أن نقول".
في جـ، أ: "المحصنات من العذاب أي".
في جـ، ر، أ: "ينتصف".
في جـ، ر: "تنصفه" وفي أ: "بنصفه".
زيادة من أ.
في جـ، ر، أ: "صبية".
زيادة من جـ، أ.
في ر: "فرفعها".
في جـ، ر: "فيها".
المسند (١/١٠٤) .
في جـ، أ: "من جلد".
في أ: "في الحالين بالنسبة نقل".
في ر: "ذكر".
في جـ، ر: "بنصف".
في ر: "لأن".
في جـ، ر، أ: "الإماء".
في جـ، أ: "الجلد".
في جـ، أ: "بما".
في ر: "فمن".
في أ: "الزوجة".
في ر: "فليحدها".
في أ: "فتلخص في الأمة".
زيادة من جـ، ر، أ.
زيادة من جـ، ر، أ.
في ر: "أنه".
في جـ، أ: "سنة".
في جـ، أ: "لا نفي عليها" وفي ر: "لا تنفى عليها".
زيادة من جـ، أ.
في جـ: "نصف نفي".
في جـ، أ: "وأما مذهب أبي حنيفة".
في جـ، ر، أ: "هو إلى".
في جـ، أ: "فأما".
في جـ، أ: "فلا ينقين".
في ر: "فإن".
في جـ: "وما ورد من ألفاظ عامة في نفي الرجال والنساء كحديث أبي هريرة وحديث عبادة".
في جـ، ر: "بإقامة".
زيادة من جـ، وفي أ: "فكل".
زيادة من جـ، أ.
في جـ، ر، أ: "فإن".
في جـ، أ: "ثالثا".
زيادة من جـ، ر، أ".
في جـ: "قله حينئذ أن يتزوج بالأمة وإن ترك تزويجها".
في أ: "من الزنا".
في ر: "أو".
في ر: "أو".
في ر: "وعدتهم".
زيادة من جـ، أ.
في جـ، أ: "خاصة وهي".
تفسير الجلالين
جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net
﴿ومن لم يستطع منكم طولا﴾ غنى ل ﴿أَنْ يَنْكِح الْمُحْصَنَات﴾ الْحَرَائِر ﴿الْمُؤْمِنَات﴾ هُوَ جَرْي عَلَى الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ﴾ يَنْكِح ﴿مِنْ فَتَيَاتكُمْ الْمُؤْمِنَات وَاَللَّه أَعْلَم بِإِيمَانِكُمْ﴾ فَاكْتَفُوا بِظَاهِرِهِ وَكِلُوا السَّرَائِر إلَيْهِ فَإِنَّهُ الْعَالِم بِتَفْضِيلِهَا وَرُبّ أَمَة تَفْضُل حُرَّة فِيهِ وَهَذَا تَأْنِيس بِنِكَاحِ الْإِمَاء ﴿بَعْضكُمْ مِنْ بَعْض﴾ أَيْ أَنْتُمْ وَهُنَّ سَوَاء فِي الدِّين فَلَا تَسْتَنْكِفُوا مِنْ نِكَاحهنَّ ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلهنَّ﴾ مَوَالِيهنَّ ﴿وَآتُوهُنَّ﴾ أَعْطُوهُنَّ ﴿أُجُورهنَّ﴾ مُهُورهنَّ ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ مِنْ غَيْر مَطْل وَنَقْص ﴿مُحْصَنَات﴾ عَفَائِف حَال ﴿غَيْر مُسَافِحَات﴾ زَانِيَات جَهْرًا ﴿وَلَا مُتَّخِذَات أَخْدَان﴾ أَخِلَّاء يَزْنُونَ بِهِنَّ سِرًّا ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ زُوِّجْنَ وَفِي قِرَاءَة بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ تَزَوَّجْنَ ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ زِنًا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَات﴾ الْحَرَائِر الْأَبْكَار إذَا زَنَيْنَ ﴿مِنْ الْعَذَاب﴾ الْحَدّ فَيُجْلَدْنَ خمسين ويغربن نصف سنة ويقاس عليهم الْعَبِيد وَلَمْ يَجْعَل الْإِحْصَان شَرْطًا لِوُجُوبِ الْحَدّ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَا رَجْم عَلَيْهِنَّ أَصْلًا ﴿ذَلِكَ﴾ أَيْ نِكَاح الْمَمْلُوكَات عِنْد عَدَم الطَّوْل ﴿لِمَنْ خشي﴾ خاف ﴿العنت﴾ الزنى وأصله المشقة سمي به الزنى لِأَنَّهُ سَبَبهَا بِالْحَدِّ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقُوبَة فِي الْآخِرَة ﴿مِنْكُمْ﴾ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَخَافهُ مِنْ الْأَحْرَار فَلَا يَحِلّ لَهُ نِكَاحهَا وَكَذَا مَنْ اسْتَطَاعَ طَوْل حُرَّة وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ ﴿مِنْ فَتَيَاتكُمْ الْمُؤْمِنَات﴾ الْكَافِرَات فَلَا يَحِلّ لَهُ نِكَاحهَا وَلَوْ عَدِمَ وَخَافَ ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ عَنْ نِكَاح الْمَمْلُوكَات ﴿خَيْر لَكُمْ﴾ لِئَلَّا يَصِير الْوَلَد رَقِيقًا ﴿وَاَللَّه غَفُور رَحِيم﴾ بِالتَّوْسِعَةِ فِي ذَلِكَ
٢ -
تفسير البغوي
معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أَيْ: فَضْلًا وَسَعَةً، ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْحَرَائِرَ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ ﴿الْمُحْصِنَاتِ﴾ بِكَسْرِ الصَّادِ حَيْثُ كَانَ، إِلَّا قَوْلَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَالْمُحْصَنَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ جَمِيعِهَا، ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ إِمَائِكُمْ، ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾
أَيْ: مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَهْرِ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ، فَلْيَتَزَوَّجِ الْأَمَةَ الْمُؤْمِنَةَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَجِدَ مَهْرَ حُرَّةٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعَنَتِ، وَهُوَ الزِّنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
اقرأ بقية تفسير البغوي
وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِلْحُرِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ، أَمَّا الْعَبْدُ فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، كَمَا يَقُولُ فِي الْحُرِّ.
وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ جَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: "وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ" [المائدة: ٥] أَيْ: الْحَرَائِرُ، جَوَّزَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَبِالِاتِّفَاقِ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
[ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ أَيْ: لَا تَتَعَرَّضُوا لِلْبَاطِنِ فِي الْإِيمَانِ وَخُذُوا بِالظَّاهِرِ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ] .
﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ قِيلَ: بَعْضُكُمْ إِخْوَةٌ لِبَعْضٍ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَسْتَنْكِفُوا مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ يَعْنِي: الْإِمَاءَ ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أَيْ: مَوَالِيهِنَّ، ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَضِرَارٍ، ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عَفَائِفَ بِالنِّكَاحِ، ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أَيْ: غَيْرَ زَانِيَاتٍ، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أَيْ: أَحْبَابٍ تَزْنُونَ بِهِنَّ فِي السِّرِّ، قَالَ الْحَسَنُ: الْمُسَافِحَةُ هِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَاهَا تَبِعَتْهُ، وَذَاتُ أَخْدَانٍ أَيْ: تَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ لَا تَزْنِي إِلَّا مَعَهُ، وَالْعَرَبُ كَانَتْ تُحَرِّمُ الْأُولَى وَتُجَوِّزُ الثَّانِيَةِ، ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالصَّادِ، أَيْ: حَفِظْنَ فُرُوجَهُنَّ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَسْلَمْنَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿أُحْصِنَّ﴾ بِضَمِّ الْأَلْفِ وَكَسْرِ الصَّادِ، أَيْ: زُوِّجْنَ ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يَعْنِي: الزِّنَا، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ أَيْ: مَا عَلَى الْحَرَائِرِ الْأَبْكَارِ إِذَا زَنَيْنَ، ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ يَعْنِي: الْحَدَّ، فَيُجْلَدُ الرَّقِيقُ إِذَا زَنَى خَمْسِينَ جَلْدَةً، وَهَلْ يُغَرَّبُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا يُغَرَّبُ فَيُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ وَلَا رَجْمَ عَلَى الْعَبِيدِ.
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَلَدْنَا وَلَائِدَ مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا.
وَلَا فَرْقَ فِي حَدِّ الْمَمْلُوكِ بَيْنَ مَنْ تَزَوَّجَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ مِنَ الْمَمَالِيكِ إِذَا زَنَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ.
وَمَعْنَى الْإِحْصَانُ عِنْدَ الْآخَرِينَ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّزْوِيجَ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّزْوِيجَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا بِالتَّزْوِيجِ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا حَدُّهُ الْجِلْدُ بخلاف الحرّ، ٨٣/أفَحَدُّ الْأَمَةِ ثَابِتٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبَيَانُ أَنَّهُ بِالْجِلْدِ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي الْمُقْبُرِيَّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيِّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلاَ يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ" .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: نِكَاحَ الْأَمَةِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ، ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ يَعْنِي: الزِّنَا، يُرِيدُ الْمَشَقَّةَ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ مُتَعَفِّفِينَ، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِئَلَّا يُخْلَقُ الْوَلَدُ رَقِيقًا ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
حواشي المحقق
ساقط من نسخة (أ) .
جمع وليدة، وهي: الأمة.
أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع المدبر: ٤ / ٤٢١، ومسلم في الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا برقم (١٧٠٣) : ٣ / ١٣٢٨، والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٢٩٧.
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
فِيهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الْآيَةَ. نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى تَخْفِيفٍ فِي النِّكَاحِ وَهُوَ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الطَّوْلَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ. فِي مَعْنَى الطَّوْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ- السَّعَةُ وَالْغِنَى، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ وَمَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ. يُقَالُ: طَالَ يَطُولُ طَوْلًا فِي الْإِفْضَالِ وَالْقُدْرَةِ. وَفُلَانٌ ذُو طَوْلٍ أَيْ ذُو قُدْرَةٍ في مال (بِفَتْحِ الطَّاءِ). وَطُولًا (بِضَمِّ الطَّاءِ) فِي ضِدِّ القصر. والمراد هاهنا القدرة على المهر فقول أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: الطَّوْلُ كُلُّ مَا يُقْدَرُ بِهِ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَى مَلِيٍّ. قَالَ: وَكُلُّ مَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ فَهُوَ طَوْلٌ. قَالَ: وَلَيْسَتِ الزَّوْجَةُ وَلَا الزَّوْجَتَانِ وَلَا الثَّلَاثَةُ طَوْلًا. وَقَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَا يُنْكَحُ بِهَا وَلَا يَصِلُ بِهَا إِلَى غَيْرِهَا إِذْ لَيْسَتْ بِمَالٍ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ يَتَزَوَّجُ أَمَةً وَهُوَ مِمَّنْ يَجِدُ الطَّوْلَ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يَخَافُ الْعَنَتَ. قَالَ: السَّوْطُ يُضْرَبُ بِهِ. ثُمَّ خَفَّفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. الْقَوْلُ الثَّانِي: الطَّوْلُ الْحُرَّةُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْحُرَّةِ هَلْ هِيَ طَوْلٌ أَمْ لَا، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَتِ الْحُرَّةُ بِطَوْلٍ تَمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، إِذَا لَمْ يَجِدْ سَعَةً لِأُخْرَى وَخَافَ الْعَنَتَ. وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحُرَّةَ بِمَثَابَةِ الطَّوْلِ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. فَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ حُرَّةٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَإِنْ عُدِمَ السَّعَةَ وَخَافَ الْعَنَتَ، لِأَنَّهُ طَالِبُ شَهْوَةٍ وَعِنْدَهُ امْرَأَةٌ، وَقَالَ بِهِ الطَّبَرِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: الطَّوْلُ هُوَ وجود الحرة تَحْتَهُ، فَإِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَهُوَ ذُو طَوْلٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: الطَّوْلُ الْجَلَدُ وَالصَّبْرُ لِمَنْ أَحَبَّ أَمَةً وهويها حتى صار لذلك لا يستطع أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ هَوَاهَا وَخَافَ أَنْ يَبْغِيَ بِهَا وَإِنْ كَانَ يَجِدُ سَعَةً فِي الْمَالِ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَعَطَاءٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ عَدَمِ الْجَلَدِ. وَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ مُعَلَّقًا بِشَرْطَيْنِ: عَدَمُ السَّعَةِ فِي الْمَالِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ، فَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا. وَهَذَا هُوَ نَصُّ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ زِيَادٍ. قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ: لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً، وَلَا يُقَرَّانِ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ الشَّرْطَانِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى. وقال أَصْبَغُ. وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ. فَإِنْ وَجَدَ الْمَهْرَ وَعَدِمَ النَّفَقَةَ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً. وَقَالَ أَصْبَغُ: ذَلِكَ جَائِزٌ، إِذْ نَفَقَةُ الْأَمَةِ عَلَى أَهْلِهَا إِذَا لَمْ يَضُمَّهَا إِلَيْهِ. وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ: قَالَ مُجَاهِدٌ: مِمَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا. وَقَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ خَوْفَ الْعَنَتِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ. قَالُوا: لِأَنَّ كُلَّ مَالٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِ الْأَمَةَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِ الْحُرَّةَ، فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا أَصْلٌ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ مُطْلَقًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَبِهِ يَأْخُذُ سُفْيَانُ، وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْتُهُ عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ فَحَدَّثَنِي. عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِذَا نُكِحَتِ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ كَانَ لِلْحُرَّةِ يَوْمَانِ وَلِلْأَمَةِ يَوْمٌ. قَالَ: وَلَمْ يَرَ عَلِيٌّ بِهِ بَأْسًا. وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ)، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً). وَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا وَإِنْ خَافَ أَلَّا يَعْدِلَ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَهُ تَزَوُّجُ الْأَمَةِ وَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلطَّوْلِ غَيْرَ خَائِفٍ لِلْعَنَتِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَجِدُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ أَمَةً مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى طول الحرة، وذلك ضعيف من قول. وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: مَا هُوَ بِالْحَرَامِ الْبَيِّنِ، وَأُجَوِّزُهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً غَيْرَ مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ، وَلَا لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ إِلَّا بِالشَّرْطَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا كَمَا بَيَّنَّا. وَالْعَنَتُ الزِّنَى، فَإِنْ عَدِمَ الطَّوْلَ وَلَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَ الطَّوْلَ وَخَشِيَ الْعَنَتَ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَى طَوْلِ حُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ: الثَّانِيةُ- فَهَلْ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ، اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ فَإِنَّ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ لَا تَلْحَقُ بِالْكَافِرَةِ، فَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقِيلَ: يَتَزَوَّجُ الْكِتَابِيَّةُ، لِأَنَّ الْأَمَةَ وَإِنْ كَانَتْ تَفْضُلُهَا بِالْإِيمَانِ فَالْكَافِرَةُ تَفْضُلُهَا بِالْحُرِّيَّةِ وَهِيَ زَوْجَةٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ وَلَدَهَا يَكُونُ حُرًّا لَا يُسْتَرَقُّ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ يَكُونُ رَقِيقًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَمَشَّى عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ. الثَّالِثَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَمْ تَعْلَمْ بِهَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: النِّكَاحُ ثَابِتٌ. كَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بن أبرباح وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ. وَقِيلَ: لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ إِذَا عَلِمَتْ. ثُمَّ في أي شي يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ أَوْ تُفَارِقَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فِي أَنْ تُقِرَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ أَوْ تَفْسَخَهُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ فَارَقَ الْأَمَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: يُفْسَخُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ كَالْمَيْتَةِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتِ الضَّرُورَةُ ارْتَفَعَتِ الْإِبَاحَةُ. الرَّابِعَةُ- فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَتَانِ عَلِمَتِ الْحُرَّةُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْأُخْرَى فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ حُرَّةً تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَمَةً فَرَضِيَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَمَةً فَرَضِيَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَ
اقرأ بقية تفسير القرطبي
عَلَيْهَا أُخْرَى فَأَنْكَرَتْ كَانَ ذَلِكَ لَهَا، فَكَذَلِكَ هَذِهِ إِذَا لَمْ تَعْلَمْ بِالْأَمَتَيْنِ وَعَلِمَتْ بِوَاحِدَةٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْخِيَارَ لِلْحُرَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِمَا قَالَتِ الْعُلَمَاءُ قَبْلِي.
يُرِيدُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَابْنَ شِهَابٍ وَغَيْرَهُمَا. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْلَا مَا قَالُوهُ لَرَأَيْتُهُ حَلَالًا، لِأَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَلَالٌ. فَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ الْحُرَّةُ وَاحْتَاجَ إِلَى أُخْرَى وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَدَاقِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى أَرْبَعٍ بِالتَّزْوِيجِ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ. رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: يُرَدُّ نِكَاحُهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي الدَّلِيلِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِالسَّبَبِ الْمُحَقَّقِ رَضِيَ بِالْمُسَبَّبِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ، وَأَلَّا يَكُونَ لَهَا خِيَارٌ، لِأَنَّهَا قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ لَهُ نِكَاحَ الْأَرْبَعِ، وَعَلِمَتْ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ تَزَوَّجَ أَمَةً، وَمَا شَرَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهَا كَمَا شَرَطَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي شُرُوطِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِلْمُهَا. وَهَذَا غَايَةُ التَّحْقِيقِ فِي الْبَابِ وَالْإِنْصَافِ فِيهِ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُحْصَناتِ﴾ يُرِيدُ الْحَرَائِرَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّقْسِيمُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الْإِمَاءِ فِي قَوْلِهِ: (مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ). وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنَاهُ الْعَفَائِفُ. وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِمَاءَ يَقَعْنَ تَحْتَهُ فَأَجَازُوا نِكَاحَ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَحَرَّمُوا الْبَغَايَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْكِتَابِيَّاتِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَيْسَرَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ الَّذِي لَا يَجِدُ الطَّوْلَ وَيَخْشَى الْعَنَتَ مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْإِمَاءِ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْإِمَاءِ إِلَّا وَاحِدَةً. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ وَجَمَاعَةٍ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) وَهَذَا الْمَعْنَى يَزُولُ بِنِكَاحِ وَاحِدَةٍ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أَيْ فَلْيَتَزَوَّجْ بِأَمَةِ الْغَيْرِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ نَفْسِهِ، لِتَعَارُضِ الْحُقُوقِ وَاخْتِلَافِهَا. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ﴾ أَيِ الْمَمْلُوكَاتِ، وَهِيَ جَمْعُ فَتَاةٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْمَمْلُوكِ: فَتًى، وَلِلْمَمْلُوكَةِ فَتَاةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وَلَكِنْ لِيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي) وَسَيَأْتِي. وَلَفْظُ الْفَتَى وَالْفَتَاةِ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْأَحْرَارِ فِي ابْتِدَاءِ الشَّبَابِ، فَأَمَّا فِي الْمَمَالِيكِ فَيُطْلَقُ فِي الشَّبَابِ وَفِي الْكِبَرِ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُؤْمِناتِ﴾ بَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، فَهَذِهِ الصِّفَةُ مُشْتَرَطَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَمُجَاهِدٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ جَائِزٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا أَعْلَمُ لَهُمْ سَلَفًا فِي قَوْلِهِمْ، إِلَّا أَبَا مَيْسَرَةَ عَمْرَو بْنَ شُرَحْبِيلَ فَإِنَّهُ قَالَ: إِمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَنْزِلَةِ الْحَرَائِرِ مِنْهُنَّ. قَالُوا: وَقَوْلُهُ (الْمُؤْمِناتِ) عَلَى جِهَةِ الْوَصْفِ الْفَاضِلِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ أَلَّا يَجُوزَ غَيْرُهَا، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) فَإِنْ خَافَ أَلَّا يَعْدِلَ فَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ جَازَ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَلَّا يَتَزَوَّجَ، فَكَذَلِكَ هُنَا الْأَفْضَلُ أَلَّا يَتَزَوَّجَ إِلَّا مُؤْمِنَةً، وَلَوْ تَزَوَّجَ غَيْرَ الْمُؤْمِنَةِ جَازَ. وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَرَائِرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ قَوْلَهُ: (الْمُؤْمِناتِ) فِي الْحَرَائِرِ مِنْ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ قَوْلَهُ: (الْمُؤْمِناتِ) فِي الْإِمَاءِ مِنْ نِكَاحِ إِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: جَائِزٌ لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً كتابية. فالمنع عده أَنْ يُفَضَّلَ الزَّوْجُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ مَعًا. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ نِكَاحَ مَجُوسِيَّةٍ وَلَا وَثَنِيَّةٍ، وَإِذَا كَانَ حَرَامًا بِإِجْمَاعٍ نِكَاحُهُمَا فَكَذَلِكَ وَطْؤُهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ قِيَاسًا وَنَظَرًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مَهْجُورٌ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. وَقَالُوا: لَا يَحِلُّ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تُسْلِمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي (الْبَقَرَةِ) مُسْتَوْفًى. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ﴾ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ وَلَكُمْ ظَوَاهِرُهَا، وَكُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَأَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، فَلَا تَسْتَنْكِفُوا مِنْ التَّزَوُّجِ بِالْإِمَاءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِسِبَاءٍ أَوْ كَانَتْ خَرْسَاءَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَفِي اللَّفْظِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ إِيمَانُ أَمَةٍ أَفْضَلَ من إيمان بعض الحرائر.
الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، كَقَوْلِكَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ. وَالْمَعْنَى أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ. وَقِيلَ: أَنْتُمْ مُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَلْيَنْكِحْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ: هَذَا فَتَاةُ هَذَا، وَهَذَا فَتَاةُ هَذَا. فَبَعْضُكُمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَرْفُوعٌ بِفِعْلِهِ وَهُوَ فَلْيَنْكِحْ. وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْكَلَامِ تَوْطِئَةُ نُفُوسِ الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تَسْتَهْجِنُ وَلَدَ الْأَمَةِ وَتُعَيِّرُهُ وَتُسَمِّيهِ الْهَجِينَ، فَلَمَّا جَاءَ الشَّرْعُ بِجَوَازِ نِكَاحِهَا عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ التَّهْجِينَ لَا مَعْنَى لَهُ، وَإِنَّمَا انْحَطَّتِ الْأَمَةُ فَلَمْ يَجُزْ لِلْحُرِّ التَّزَوُّجُ بِهَا إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ تَسَبُّبٌ إِلَى إِرْقَاقِ الْوَلَدِ، وَأَنَّ الْأَمَةَ لَا تَفْرُغُ لِلزَّوْجِ عَلَى الدَّوَامِ، لِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى. الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أَيْ بِوِلَايَةِ أَرْبَابِهِنَّ الْمَالِكِينَ وَإِذْنِهِمْ. وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يَنْكِحُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ لَا أَمْرَ لَهُ، وَبَدَنُهُ كُلُّهُ مُسْتَغْرَقٌ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَزَوَّجَ بغير إذن سيده فإن أجاز السَّيِّدُ جَازَ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبن رباح وسعيد ابن الْمُسَيَّبِ وَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ. وَالْأَمَةُ إِذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا فُسِخَ وَلَمْ يَجُزْ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ، لِأَنَّ نُقْصَانَ الْأُنُوثَةِ فِي الْأَمَةِ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ الْبَتَّةَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فُسِخَ نِكَاحُهُ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالُوا: لَا تَجُوزُ إِجَازَةُ الْمَوْلَى إِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا تَصِحُّ إِجَازَتُهُ، فَإِنْ أَرَادَ النِّكَاحَ اسْتَقْبَلَهُ عَلَى سُنَّتِهِ. وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ. وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَعُدُّ الْعَبْدَ بِذَلِكَ زَانِيًا وَيَحُدُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نافع عن ابن عمر أنه أخذ عبد اله نَكَحَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَبْطَلَ صَدَاقَهَا. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى نِكَاحَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ زِنًى، وَيَرَى عَلَيْهِ الحد، وَيُعَاقِبُ الَّذِينَ أَنْكَحُوهُمَا. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَيُّمَا عَبْدٍ نَكَحَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ). وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ نِكَاحٌ حَرَامٌ، فَإِنْ نَكَحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ مَنْ يَسْتَحِلُّ الْفَرْجَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: عَلَى هَذَا مَذْهَبُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ السَّيِّدِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَفِرْقَةٌ. وَهُوَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ شُذُوذٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ، وَأَظُنُّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ). وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ جَائِزٌ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، فَإِنْ نَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ دخل فلا شي لها، أن كَانَ دَخَلَ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ إِذَا عُتِقَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا مَهْرَ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْتَقَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ دَخَلَ عَلَيْهَا فَلَهَا الْمَهْرُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: إِذَا كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي النِّكَاحِ فَنَكَحَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، فَأَمَّا الْأَمَةُ إِذَا آذَنَتْ أَهْلَهَا فِي النِّكَاحِ فَأَذِنُوا جَازَ، وَإِنْ لَمْ تُبَاشِرِ الْعَقْدَ لَكِنْ تُوَلِّيَ مَنْ يَعْقِدُهُ عَلَيْهَا. الثَّانِيةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ، وَأَنَّهُ لِلْأَمَةِ.
(بِالْمَعْرُوفِ) مَعْنَاهُ بِالشَّرْعِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُنَّ أَحَقُّ بِمُهُورِهِنَّ مِنَ السَّادَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. قَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ: لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَهْرَ أَمَتِهِ وَيَدَعَهَا بِلَا جِهَازٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الصَّدَاقُ لِلسَّيِّدِ، لِأَنَّهُ عِوَضٌ فَلَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ. أَصْلُهُ إِجَازَةُ الْمَنْفَعَةِ فِي الرَّقَبَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِسَبَبِهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ فِي أَحْكَامِهِ: زَعَمَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ فَلَا مَهْرَ. وَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَطْنَبَ فِيهِ. الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ- قوله تعالى: (الْمُحْصَناتِ) أَيْ عَفَائِفَ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ (مُحْصِنَاتٍ) بِكَسْرِ الصَّادِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ). وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: (غَيْرَ مُسافِحاتٍ) أَيْ غَيْرَ زَوَانٍ، أَيْ مُعْلِنَاتٍ بِالزِّنَى، لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ فِيهِمُ الزَّوَانِي فِي الْعَلَانِيَةِ، وَلَهُنَّ رايات منصوبات كراية البيطار.
(وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) أَصْدِقَاءَ عَلَى الْفَاحِشَةِ، وَاحِدُهُمْ خِدْنٌ وَخَدِينٌ، وَهُوَ الَّذِي يُخَادِنُكَ، وَرَجُلٌ خُدَنَةٌ، إذا اتخذ أخذ انا أَيْ أَصْحَابًا، عَنْ أَبِي زَيْدٍ. وَقِيلَ: الْمُسَافِحَةُ الْمُجَاهِرَةُ بِالزِّنَى، أَيِ الَّتِي تُكْرِي نَفْسَهَا لِذَلِكَ. وَذَاتُ الْخِدْنِ هِيَ الَّتِي تَزْنِي سِرًّا. وَقِيلَ: الْمُسَافِحَةُ الْمَبْذُولَةُ، وَذَاتُ الْخِدْنِ الَّتِي تَزْنِي بِوَاحِدٍ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعِيبُ الْإِعْلَانَ بِالزِّنَى، وَلَا تَعِيبُ اتِّخَاذَ الْأَخْدَانِ، ثُمَّ رَفَعَ الْإِسْلَامُ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. الْبَاقُونَ بِضَمِّهَا. فَبِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ أَسْلَمْنَ، وَبِالضَّمِّ زُوِّجْنَ. فَإِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ جُلِدَتْ نِصْفَ جَلْدِ الْحُرَّةِ، وَإِسْلَامُهَا هُوَ إِحْصَانُهَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ: ابْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَعَلَيْهِ فَلَا تُحَدُّ كَافِرَةٌ إِذَا زَنَتْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِحْصَانُهَا التَّزَوُّجُ بِحُرٍّ. فَإِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ. قَالَ: وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ الْأَمَةِ فَقَالَ: إِنَّ الْأَمَةَ أَلْقَتْ فَرْوَةَ رَأْسِهَا مِنْ وَرَاءِ الدَّارِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْفَرْوَةُ جِلْدَةُ الرَّأْسِ. قَالَ أبو عبيد: وَهُوَ لَمْ يُرِدِ الْفَرْوَةَ بِعَيْنِهَا، وَكَيْفَ تُلْقِي جِلْدَةَ رَأْسِهَا مِنْ وَرَاءِ الدَّارِ، وَلَكِنَّ هَذَا مَثَلٌ! إِنَّمَا أَرَادَ بِالْفَرْوَةِ الْقِنَاعَ، يَقُولُ لَيْسَ عَلَيْهَا قِنَاعٌ وَلَا حِجَابٌ، وَأَنَّهَا تَخْرُجُ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ يُرْسِلُهَا أَهْلُهَا إِلَيْهِ، لَا تَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ، فَتَصِيرُ حَيْثُ لَا تَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْفُجُورِ، مِثْلَ رِعَايَةِ الْغَنَمِ وَأَدَاءِ الضَّرِيبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا إِذَا فَجَرَتْ، لِهَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: إِحْصَانُهَا التَّزَوُّجُ، إِلَّا أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَى الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِالسُّنَّةِ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْأَمَةُ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ؟ فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا الْحَدَّ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَالْمُتَزَوِّجَةُ مَحْدُودَةٌ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُسْلِمَةُ غَيْرُ الْمُتَزَوِّجَةِ مَحْدُودَةٌ بِالْحَدِيثِ. قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ فِي قَوْلِ مَنْ قال (فَإِذا أُحْصِنَّ) أسلمن: بعد، لان ذكر الْإِيمَانِ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ). وأما من قال: (فَإِذا أُحْصِنَّ) تَزَوَّجْنَ، وَأَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ حَتَّى تَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَحْسَبُهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا هَذَا الْحَدِيثَ. وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا. زَنَتْ وَقَدْ أُحْصِنَتْ مَجْلُودَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ مَجْلُودَةٌ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا رَجْمَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الرَّجْمَ لَا يَتَنَصَّفُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقْتَضِي أَلَّا حَدَّ عَلَى أَمَةٍ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً إِلَّا بَعْدَ التَّزْوِيجِ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِجَلْدِهَا وَإِنْ لَمْ تُحْصَنْ، فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةَ بَيَانٍ. قُلْتُ: ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى لَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَلَا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلَافِ، لَوْلَا مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ مِنَ الْجَلْدِ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي رَجْمِهِمَا فَإِنَّهُمَا يُرْجَمَانِ إِذَا كَانَا مُحْصَنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعٌ فَالْإِجْمَاعُ أَوْلَى. الْخَامِسَةُ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَحُدَّ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ أَهْلُوهُمْ فِي الزِّنَى، إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ أَمْرُهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْتَاتَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَحُدَّهَا الْحَدَّ). وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَقْتُلُهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (أَحْسَنْتَ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مَوْقُوفًا عَنْ عَلِيٍّ. وَأَسْنَدَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ فِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ) وَهَذَا نَصٌّ فِي إِقَامَةِ السَّادَةِ الْحُدُودَ عَلَى الْمَمَالِيكِ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ. قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَحُدُّ الْمَوْلَى عَبْدَهُ فِي الزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ إِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ بِذَلِكَ، وَلَا يَقْطَعُهُ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُهُ الْإِمَامُ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْحُدُودَ عَلَى عَبِيدِهِمْ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ بَقَايَا الْأَنْصَارِ يَضْرِبُونَ الْوَلِيدَةَ مِنْ وَلَائِدِهِمْ إِذَا زَنَتْ، فِي مَجَالِسِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ السُّلْطَانُ دُونَ الْمَوْلَى فِي الزِّنَى وَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحُدُّهُ الْمَوْلَى فِي كُلِّ حَدٍّ وَيَقْطَعُهُ، وَاحْتَجَّ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَحُدُّهُ فِي الزِّنَى، وَهُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي تَغْرِيبِ الْعَبِيدِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. السَّادِسَةُ عَشْرَةَ- فَإِنْ زَنَتِ الْأَمَةُ ثُمَّ عُتِقَتْ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّهَا سَيِّدُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى حَدِّهَا، وَالسُّلْطَانُ يَجْلِدُهَا إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ، فَإِنْ زَنَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهَا أَنْ يَجْلِدَهَا أَيْضًا لِحَقِّ الزَّوْجِ، إِذْ قَدْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ إِذَا لَمْ يَكُنِ الزَّوْجُ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ، فَلَوْ كَانَ، جَازَ لِلسَّيِّدِ ذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّهُمَا حَقُّهُ. السَّابِعَةُ عَشْرَةَ- فَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِالزِّنَى وَأَنْكَرَهُ الْمَوْلَى فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ لِإِقْرَارِهِ، وَلَا الْتِفَاتَ لِمَا أَنْكَرَهُ الْمَوْلَى، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ. وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ ثُمَّ أُعْتِقَتْ حُدَّتْ حَدَّ الْإِمَاءِ، وَإِذَا زَنَتْ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ بِالْعِتْقِ ثُمَّ عَلِمَتْ وَقَدْ حُدَّتْ أُقِيمَ عَلَيْهَا تَمَامُ حَدِّ الْحُرَّةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. الثَّامِنَةُ عَشْرَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي عَفْوِ السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ إِذَا زَنَيَا، فَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: لَهُ أَنْ يَعْفُوَ. وَقَالَ غَيْرُ الْحَسَنِ: لَا يَسَعُهُ إِلَّا إِقَامَةُ الْحَدِّ، كَمَا لَا يَسَعُ السُّلْطَانَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ حَدٍّ إِذَا عَلِمَهُ، لَمْ يَسَعِ السَّيِّدَ كَذَلِكَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ أَمَتِهِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَهَذَا [عَلَى] مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهِ نَقُولُ. التَّاسِعَةُ عشرة- قوله تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) أي الجلد ويعني بالمحصنات ها هنا الْأَبْكَارَ الْحَرَائِرَ، لِأَنَّ الثَّيِّبَ عَلَيْهَا الرَّجْمُ وَالرَّجْمُ لَا يَتَبَعَّضُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْبِكْرِ مُحْصَنَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَةً، لِأَنَّ الْإِحْصَانَ يَكُونُ بِهَا، كَمَا يُقَالُ: أُضْحِيَةٌ قَبْلَ أَنْ يُضَحَّى بِهَا، وَكَمَا يُقَالُ لِلْبَقَرَةِ: مُثِيرَةٌ قَبْلَ أَنْ تُثِيرَ. وَقِيلَ: (الْمُحْصَنَاتُ) الْمُتَزَوِّجَاتُ، لِأَنَّ عَلَيْهَا الضَّرْبَ وَالرَّجْمَ فِي الْحَدِيثِ، وَالرَّجْمُ لَا يَتَبَعَّضُ
فَصَارَ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ الضَّرْبِ. وَالْفَائِدَةُ فِي نُقْصَانِ حَدِّهِنَّ أَنَّهُنَّ أَضْعَفُ مِنَ الْحَرَائِرِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُنَّ لَا يَصِلْنَ إلى مرادهن كما تصل الحرائر. وقيل: لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ تَجِبُ عَلَى قَدْرِ النِّعْمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ: (يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ) فَلَمَّا كَانَتْ نِعْمَتُهُنَّ أَكْثَرَ جَعَلَ عُقُوبَتَهُنَّ أَشَدَّ، وَكَذَلِكَ الْإِمَاءُ لَمَّا كَانَتْ نِعْمَتُهُنَّ أَقَلَّ فَعُقُوبَتُهُنَّ أَقَلُّ. وَذَكَرَ فِي الْآيَةِ حَدَّ الْإِمَاءِ خَاصَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدَّ الْعَبِيدِ، وَلَكِنَّ حَدَّ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ سَوَاءٌ: خَمْسُونَ جَلْدَةً فِي الزِّنَى، وَفِي الْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ، لِأَنَّ حَدَّ الْأَمَةِ إِنَّمَا نَقَصَ لِنُقْصَانِ الرِّقِّ فَدَخَلَ الذُّكُورُ مِنَ الْعَبِيدِ فِي ذَلِكَ بِعِلَّةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، كَمَا دَخَلَ الْإِمَاءُ تَحْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ). وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ الْقِيَاسَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
) الْآيَةَ. فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْمُحْصِنِينَ قَطْعًا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (النُّورِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْمُوَفِّيَةُ عِشْرِينَ- وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ الزَّانِيَةِ لَيْسَ [بَيْعُهَا] بِوَاجِبٍ لَازِمٍ عَلَى رَبِّهَا، وَإِنِ اخْتَارُوا لَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ بِوُجُوبِ بَيْعِهَا فِي الرَّابِعَةِ. مِنْهُمْ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ، لِقَوْلِهِ: (فَلْيَبِعْهَا) وَقَوْلِهِ: (ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرابعة، والضفير الحبل. فإذا باعها عرف بِزِنَاهَا، لِأَنَّهُ عَيْبٌ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَكْتُمَ. فإن يَكْتُمَ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ إِبْعَادَ الزَّانِيَةِ وَوَجَبَ عَلَى بَائِعِهَا التَّعْرِيفُ بِزِنَاهَا فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، لِأَنَّهَا مِمَّا قَدْ أُمِرْنَا بِإِبْعَادِهَا. فَالْجَوَابُ أَنَّهَا مَالٌ وَلَا تُضَاعُ، لِلنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَا تُسَيَّبُ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِغْرَاءٌ لَهَا بِالزِّنَى وَتَمْكِينٌ مِنْهُ، وَلَا تُحْبَسُ دَائِمًا، فَإِنَّ فِيهِ تَعْطِيلَ مَنْفَعَتِهَا عَلَى سَيِّدِهَا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا بَيْعُهَا. وَلَعَلَّ السيد الثاني يعفها بالوطي أَوْ يُبَالِغُ فِي التَّحَرُّزِ فَيَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَعِنْدَ تَبَدُّلِ الْمُلَّاكِ تَخْتَلِفُ عَلَيْهَا الأحوال. والله أعلم.
الحادية والعشرون- قوله تعالى: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أَيِ الصَّبْرُ عَلَى الْعُزْبَةِ خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِرْقَاقِ الْوَلَدِ، وَالْغَضُّ مِنَ النَّفْسِ وَالصَّبْرُ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَوْلَى مِنَ الْبَذَالَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا حُرٍّ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ فَقَدْ أُرِقَّ نِصْفُهُ. يَعْنِي يَصِيرُ وَلَدُهُ رَقِيقًا، فَالصَّبْرُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ لِكَيْلَا يَرِقَّ الْوَلَدُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا نِكَاحُ الْأَمَةِ مِنَ الزِّنَى إِلَّا قَرِيبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، أَيْ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ). وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَكَانَ خَادِمًا لِأَنَسٍ، وَزَادَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْحَرَائِرُ صَلَاحُ الْبَيْتِ وَالْإِمَاءُ هَلَاكُ الْبَيْتِ- أَوْ قَالَ- فَسَادُ الْبَيْتِ).
حواشي المحقق
في ب ود وط وز وى: المناكح. وهو جمع كمقعد ومقاعد. وفى ج وا وج. النكاح.
العكلي: بالضم والسكون نسبة الى عكل بطن من تميم.
في ج وط وى: في الأحرار.
في ج وط: من الفقهاء في الأمصار.
راجع ج ٣ ص ٦٩
الهجين: الذي أبوه عربي وأمه غير محصنة، المبرد: ولد العربي، من غير العربية.
هو: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.
راجع ج ١٠ ص ١٤٦
راجع ج ٧ ص ١٣٣ وص ٢٠٠
في ج وط وز: المدبرة.
من ب وط.
في ب وج وط: ويقال.
راجع ج ١٤ ص ١٧٣.
في ب وط: الامة، نعمتها: فعقوبتها.
في ج: ولذلك ذكر.
في ب: تعين.
أي حصة ونصيبا.
راجع ج ١٢ ص ١٧١.
راجع ج ١٢ ص ١٧١.
من ب وج وط.
لا يثرب: لا يوبخها ولا يقرعها بالزنى بعد الضرب.
في ب ود: النذالة.
عبارة سعيد بن جبير كما في تفسير الطبري: (ما ازلحف نا كح الامة عن الزنى الا قليلا). أي ما تنحى وما تباعد.
تفسير الطبري
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى:"الطول" الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية.
فقال بعضهم: هو الفضل والمال والسَّعة.
* ذكر من قال ذلك:
٩٠٤٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، قال: الغنى.
٩٠٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٠٥١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، يقول: من لم يكن له سَعَة.
٩٠٥٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، يقول: من لم يستطع منكم سعة.
٩٠٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، قال: الطول الغنى.
اقرأ بقية تفسير الطبري
٩٠٥٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، قال: الطول السعة.
٩٠٥٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومن لم يستطع منكم طولا"، أما قوله:"طولا"، فسعة من المال.
٩٠٥٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، الآية، قال:"طولا"، لا يجد ما ينكح به حرَّة.
* * *
وقال آخرون: معنى"الطول"، في هذا الموضع: الهَوَى.
* ذكر من قال ذلك:
٩٠٥٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة: أنه قال في قوله الله:"ومن لم يستطع منكم طولا" قال: الطول الهوى. قال: ينكح الأمة إذا كان هواهُ فيها.
٩٠٥٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان ربيعة يليِّن فيه بعض التليين، كان يقول: إذا خشي على نفسه إذا أحبَّها - أي الأمة - وإن كان يقدر على نكاح غيرها، فإني أرى أن ينكحها.
٩٠٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: أنه سئل عن الحرِّ يتزوج الأمة، فقال: إن كان ذا طول فلا. قيل: إن وقع حبّ الأمة في نفسه؟ قال: إن خشي العَنَت فليتزوجها.
٩٠٦٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن عبيدة، عن الشعبي قال: لا يتزوج الحر الأمة، إلا أن لا يجد = وكان إبراهيم يقول: لا بأس به.
٩٠٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: لا نكره أن ينكح ذُو اليسار اليوم الأمة، إذا خشي أن يشقى بها.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معنى"الطَّوْل" في هذا الموضع، السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله تبارك وتعالى لم يحرِّم شيئًا من الأشياء = سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة = فأحلَّ ما حرم من ذلك عند غلبة المحرَّم عليه له، لقضاء لذة. فإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يُحَلُّ له من أجل غلبة هوًى عنده فيها، لأن ذلك مع وجوده الطولَ إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة، وليس بموضع ضرورة ترفع برخصة، كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه، فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسَه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاكَ منه، ما حرم عليهم منها في غيرها من الأحوال. ولم يرخص الله تبارك وتعالى لعبدٍ في حرام لقضاء لذة. وفي إجماع الجميع على أن رجلا لو غلبَه هوى امرأة حرّة أو أمة، أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضّح فساد قول من قال:"معنى الطول، في هذا الموضع: الهوى"، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاحَ الإماء.
* * *
فتأويل الآية = إذ كان الأمر على ما وصفنا =: ومن لم يجد منكم سعة من مالٍ لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم.
* * *
وأصل"الطول" الإفضال: يقال منه:"طال عليه يطول طَوْلا"، في الإفضال = و"طال يطول طُولا" في الطَول الذي هو خلاف القِصَر.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك: ومن لم يستطع منكم، أيها الناس، طولا = يعني من الأحرار ="أن ينكح المحصنات"، وهن الحرائر = "المؤمنات" اللواتي قد صدَّقن بتوحيد الله وبما جاء به رسول الله ﷺ من الحق.
* * *
وبنحو ما قلنا في"المحصنات" قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٩٠٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"أن ينكح المحصنات"، يقول: أن ينكح الحرائر، فلينكح من إماء المؤمنين.
٩٠٦٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:"أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم" قال:"المحصنات" الحرائر، فلينكح الأمة المؤمنة.
٩٠٦٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٠٦٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"فتياتكم"، فإماؤكم.
٩٠٦٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير:"أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، قال: أما من لم يجد ما ينكح الحرة، تزوج الأمة.
٩٠٦٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، قال: لا يجد ما ينكح به حرة، فينكح هذه الأمة، فيتعفف بها، ويكفيه أهلها مؤونتها. ولم يحلّ الله ذلك لأحد، إلا أن لا يجد ما ينكح به حرة فينفق عليها، ولم يحلّ له حتى يخشى العنت.
٩٠٦٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا سفيان، عن هشام الدستوائي، عن عامر الأحول، عن الحسن: أن رسول الله ﷺ نهى أن تنكح الأمة على الحرة، وتُنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طَوْلا لحرة فلا ينكحْ أمةً.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته جماعة من قرأة الكوفيين والمكيين: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ بكسر"الصاد" مع سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، سوى قوله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" [سورة النساء: ٢٤] ، فإنهم فتحوا"الصاد" منها، ووجهوا تأويله إلى أنهن محصنات بأزواجهن، وأن أزواجهن هم أحصنوهنّ. وأما سائر ما في القرآن، فإنهم تأوّلوا في كسرهم"الصاد" منه، إلى أن النساء هنَّ أحصنّ أنفسهنّ بالعفة.
* * *
وقرأت عامة قرأة المدينة والعراق ذلك كلَّه بالفتح، بمعنى أن بعضهن أحصنهن أزواجُهن، وبعضهن أحصنهنّ حريتهن أو إسلامهن.
* * *
وقرأ بعض المتقدمين كل ذلك بالكسر، بمعنى أنهن عففن وأحصنَّ أنفسهن. وذكرت هذه القراءة - أعني بكسر الجميع - عن علقمة، على الاختلاف في الرواية عنه.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب عندنا من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، مع اتفاق ذلك في المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ، إلا في الحرف الأول [من سورة النساء: ٢٤] وهو قوله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، فإني لا أستجيز الكسر في صاده، لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها. ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضَتها بفتحها، كان صوابًا القراءةُ بها كذلك، لما ذكرنا من تصرف"الإحصان" في المعاني التي بيّناها، فيكون معنى ذلك لو كسر: والعفائف من النساء حرامٌ عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم، بمعنى أنهن أحصنَّ أنفسهن بالعفة.
* * *
وأما"الفتيات"، فإنهن جمع"فتاة"، وهن الشوابّ من النساء. ثم يقال لكل مملوكة ذاتٍ سنّ أو شابة:"فتاة"، والعبد:"فتى".
* * *
ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله:"من فتياتكم المؤمنات"، تحريم ما عدا المؤمنات منهن، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين؟
فقال بعضهم: ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين.
* ذكر من قال ذلك:
٩٠٦٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"من فتياتكم المؤمنات"، قال: لا ينبغي أن يتزوّج مملوكة نصرانيّةً.
٩٠٧٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"من فتياتكم المؤمنات"، قال: لا ينبغي للحرّ المسلم أن ينكح المملوكة من أهل الكتاب.
٩٠٧١ - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، يقولون: لا يحل لحرّ مسلم ولا لعبد مسلم، الأمةُ النصرانية، لأن الله يقول:"من فتياتكم المؤمنات"، يعني بالنكاح.
* * *
وقال آخرون: ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم. وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق.
* ذكر من قال ذلك:
٩٠٧٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة قال، قال أبو ميسرة: أما أهل الكتاب بمنزلة الحرائر.
* * *
= ومنهم أبو حنيفة وأصحابه، واعتلوا لقولهم بقول الله: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [سورة المائدة: ٥] . قالوا: فقد أحل الله محصنات أهل الكتاب عامًّا، فليس لأحد أن يخُص منهن أمة ولا حرة. قالوا: ومعنى قوله:"فتياتكم المؤمنات"، غير المشركات من عبدة الأوثان.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب، فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين. وذلك أن الله جل ثناؤه أحلّ نكاح الإماء بشروط، فما لم تجتمع الشروط التي سماهن فيهن، فغير جائز لمسلم نكاحهن.
* * *
فإن قال قائل: فإنّ الآية التي في"المائدة" تدل على إباحتهن بالنكاح؟
قيل: إن التي في"المائدة"، قد أبان أن حكمها في خاص من محصناتهم، وأنها معنيٌّ بها حرائرهم دون إمائهم، قولُه:"من فتياتكم المؤمنات". وليست إحدى الآيتين دافعًا حكمها حكمَ الأخرى، بل إحداهما مبينة حكم الأخرى، وإنما تكون إحداهما دافعة حكم الأخرى، لو لم يكن جائزًا اجتماع حكميهما على صحة. فغير جائز أن يحكم لإحداهما بأنها دافعة حكم الأخرى، إلا بحجة التسليم لها من خبر أو قياس. ولا خبر بذلك ولا قياس. والآية محتملة ما قلنا: والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
قال أبو جعفر: وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم.
* * *
وتأويل ذلك:"ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، فلينكح بعضكم من بعض = بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا.
* * *
ف"البعض" مرفوع بتأويل الكلام، ومعناه، إذ كان قوله:"فمما ملكت أيمانكم"، في تأويل: فلينكح مما ملكت أيمانكم، ثم رد"بعضكم" على ذلك المعنى، فرفع.
* * *
ثم قال جل ثناؤه:"والله أعلم بإيمانكم"، أي: والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، فصدق بذلك كله = منكم.
* * *
يقول: فلينكح من لم يستطع منكم طولا لحرة من فتياتكم المؤمنات. لينكح هذا المقتر الذي لا يجد طولا لحرة، من هذا الموسر، فتاتَه المؤمنة التي قد أبدت الإيمان فأظهرته، وكلوا سرائرهن إلى الله، فإن علم ذلك إلى الله دونكم، والله أعلم بسرائركم وسرائرهن.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فانكحوهن"، فتزوجوهن وبقوله:"بإذن أهلهن"، بإذن أربابهن وأمرهم إيّاكم بنكاحهن ورضاهم = ويعني بقوله:"وآتوهن أجورهن"، وأعطوهن مهورهن، كما:-
٩٠٧٣ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وآتوهن أجورهن" قال: الصداق.
* * *
ويعني بقوله:"بالمعروف" على ما تراضيتم به، مما أحلَّ الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورًا لهن.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخَذِاتِ أَخْدَانٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله:"محصنات"، عفيفات ="غير مسافحات"، غير مزانيات ="ولا متخذات أخدان"، يقول: ولا متخذات أصدقاء على السفاح.
* * *
وذكر أن ذلك قيل كذلك، لأن"الزواني" كنّ في الجاهلية، في العرب: المعلنات بالزنا، و"المتخذات الأخدان": اللواتي قد حبسن أنفسَهن على الخليل والصديق، للفجور بها سرًّا دون الإعلان بذلك.
* ذكر من قال ذلك:
٩٠٧٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان"، يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية ="ولا متخذات أخدان"، يعني: أخلاء.
٩٠٧٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"غير مسافحات"، المسافحات المعالنات بالزنا ="ولا متخذات أخدان"، ذات الخليل الواحد = قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، يقولون:"أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك"، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأنعام: ٥١] .
٩٠٧٦ - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر قال، سمعت داود يحدّث، عن عامر قال: الزنا زناءان: تزني بالخدن ولا تزني بغيره، وتكون المرأة سَوْمًا، ثم قرأ:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان".
٩٠٧٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"المحصنات" فالعفائف، فلتنكح الأمة بإذن أهلها محصنة = و"المحصنات" العفائف = غير مسافحة =، و"المسافحة"، المعالنة بالزنا = ولا متخذة صديقًا.
٩٠٧٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ولا متخذات أخدان"، قال: الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل.
٩٠٧٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٠٨٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان"،"المسافحة": البغيّ التي تؤاجر نفسها من عَرَض لها. و"ذات الخدن": ذات الخليل الواحد. فنهاهم الله عن نكاحهما جميعًا.
٩٠٨١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان"، أما"المحصنات"، فهن الحرائر، يقول: تزوج حرة. وأما"المسافحات"، فهن المعالنات بغير مهر. وأما"متخذات أخدان"، فذات الخليل الواحد المستسرَّة به. نهى الله عن ذلك.
٩٠٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي قال: الزنا وجهان قبيحان، أحدهما أخبث من الآخر. فأما الذي هو أخبثهما: فالمسافحة، التي تفجر بمن أتاها. وأما الآخر: فذات الخِدن.
٩٠٨٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان"، قال:"المسافح" الذي يَلقى المرأة فيفجر بها ثم يذهب وتذهب. و"المخادن"، الذي يقيم معها على معصية الله وتقيم معه، فذاك"الأخدان".
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بفتح"الألف"، بمعنى: إذا أسلمن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام.
* * *
وقرأه آخرون: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بمعنى: فإذا تزوّجن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ.
* * *
فإن ظن ظانٌّ أنّ ما قلنا في ذلك غيرُ جائز، إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءةُ بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني = فقد أغفل
وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا، فغير دافع أحدُهما صاحبه. لأن الله قد أوجب على الأمَة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله ﷺ، الحدَّ.
٩٠٨٤ - فقال ﷺ:"إذا زَنت أمَةُ أحدكم فَليجلدها، كتابَ الله، ولا يُثَرِّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّب عليها. ثم إن زَنت الرابعة فليضربها، كتابَ الله، وليبعها ولو بحبل من شَعَرٍ".
٩٠٨٥ - وقال ﷺ:"أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم".
* * *
=فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج. فالحدود واجبةٌ على مَوالي الإماء إقامتها عليهن، إذا فجرن، بكتاب الله وأمرِ رسول الله ﷺ.
* * *
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدثكم به:-
٩٠٨٦ - ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن النبي ﷺ سُئل عن الأمة تَزني ولم تُحصَن. قال: اجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت = فقال في الثالثة أو الرابعة = فبعْها ولو بضفير = و"الضفيرُ": الشَّعر.
٩٠٨٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رسول الله ﷺ سُئل = فذكر نحوه.
=فقد بينّ أن الحدّ الذي وجب إقامته بسنة رسول الله ﷺ على الإماء، هو ما كان قبل إحصانهن. فأما ما وجب من ذلك عليهنّ بالكتاب، فبعدَ إحصانهن؟
قيل له: قد بيَّنا أن أحد معاني"الإحصان" الإسلام، وأن الآخر منه: التزويج، وأن"الإحصان" كلمة تشتمل على معان شتى. وليس في رواية من روى عن النبي ﷺ أنه سُئل"عن الأمة تزني قبل أن تُحصن"، بيانُ أن التي سئِل عنها النبيّ ﷺ هي التي تزني قبل التزويج، فيكون ذلك حجة لمحتج في أن"الإحصان" الذي سنّ ﷺ حدَّ الإماء في الزنا، هو الإسلام دون التزويج، ولا أنه هو التزويجُ دون الإسلام.
وإذ كان لا بيان في ذلك، فالصواب من القول: أنّ كل مملوكة زنت فواجب على مولاها إقامةُ الحدّ عليها، متزوجةً كانت أو غير متزوجة، لظاهر كتاب الله، والثابت من سنة رسول الله ﷺ، إلا مَن أخرجه من وُجوب الحد عليه منهنّ بما يجب التسليم له.
وإذْ كان ذلك كذلك، تبين به صحةُ ما اخترنا من القراءة في قوله:"فإذا أُحصِن".
* * *
قال أبو جعفر: فإن ظن ظانّ أن في قول الله تعالى ذكره:"ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، دلالةً على أن قوله:"فإذا أحصن"، معناه: تزوّجن، إذْ كان ذكر ذلك بعد وصفهن بالإيمان بقوله:"من فتياتكم المؤمنات" = وحسبَ أن ذلك لا يحتمل معنى غير معنى التزويج، مع ما تقدم ذلك من وصفهن بالإيمان = فقد ظنّ خطأ.
وذلك أنه غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك:"ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، فإذا هنَّ آمنَّ"فإن أتين بفاحشة فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب"، فيكون الخبرُ مبتدأ عما يجب عليهنّ من الحدّ إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهن، بعد البيان عما لا يجوز لناكحهن من المؤمنين من نكاحهن، وعمن يجوز نكاحه له منهن.
فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام، فغيرُ جائز لأحد صَرْف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدّم من وصف الله إيَّاهن بالإيمان.
* * *
غير أن الذي نختار لمن قرأ: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ بفتح"الصاد" في هذا الموضع، أن يُقرأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ بضم"الألف".
ولمن قرأ:"مُحْصِناتٍ" بكسر"الصاد" فيه، أن يقرأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بفتح"الألف"، لتأتلف قراءة القارئ على معنًى واحد وسياق واحد، لقرب قوله:"محصنات" من قوله:"فإذا أحصَن". ولو خالف من ذلك، لم يكن لحنًا، غيرَ أنّ وجه القراءةِ ما وصفت.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، نظيرَ اختلاف القرأة في قراءته. فقال بعضهم: معنى قوله:"فإذا أحصن"، فإذا أسلمن.
* ذكر من قال ذلك:
٩٠٨٨ - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: أن ابن مسعود قال: إسلامها إحصانها.
٩٠٨٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني جرير بن حازم: أن سليمان بن مهران حدّثه، عن إبراهيم بن يزيد، عن همام بن الحارث: أن النعمان بن عبد الله بن مقرّن، سأل عبد الله بن مسعود فقال: أَمَتي زنت؟ فقال: اجلدها خمسين جلدة. قال: إنها لم تُحصِن! فقال ابنُ مسعود: إحصانُها إسلامها.
٩٠٩٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم: أن النعمان بن مقرّن سأل ابن مسعود عن أَمةٍ زنتْ وليس لها زوج، فقال: إسلامها إحصانها.
٩٠٩١ - حدثني ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم: أن النعمان قال: قلت لابن مسعود: أَمتي زنت؟ قال: اجلدها. قلت: فإنها لم تُحصن! قال: إحصانها إسلامها.
٩٠٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة قال، كان عبد الله يقول: إحصانها إسلامها.
٩٠٩٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي أنه تلا هذه الآية:"فإذا أحصن" قال، يقول: إذا أسلمن.
٩٠٩٤ - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن أشعث، عن الشعبي قال، قال عبد الله: الأمة إحصانها إسلامها.
٩٠٩٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، مغيرة، أخبرنا عن إبراهيم أنه كان يقول:"فإذا أحصن"، يقول: إذا أسلمن.
٩٠٩٦ - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن أشعث، عن الشعبي قال، الإحصان الإسلام.
٩٠٩٧ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن برد بن سنان، عن الزهري قال: جلد عمر رضي الله عنه ولائد أبكارًا من ولائد الإمارة في الزنا.
٩٠٩٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فإذا أحصنّ"، يقول: إذا أسلمن.
٩٠٩٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن سالم والقاسم قالا إحصانها إسلامها وعفافها في قوله:"فإذا أحصن".
* * *
وقال آخرون: معنى قوله:"فإذا أحصن"، فإذا تزوّجن.
* ذكر من قال ذلك:
٩١٠٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"فإذا أحصن"، يعني: إذا تزوّجن حرًّا.
٩١٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ . يقول: إذا تزوجن.
٩١٠٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة: أن ابن عباس كان يقرأ:"فإذا أحصن"، يقول: تزوجن.
٩١٠٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثا، عن مجاهد قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحرّ، وإحصان العبد أن ينكح الحرّة.
٩١٠٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة: أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تُضرب الأمةُ إذا زنتْ، ما لم تتزوّج.
٩١٠٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: عن الحسن في قوله:"فإذا أحصن". قال: أحصنتهن البُعُولة.
٩١٠٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فإذا أحصن"، قال: أحصنتهن البعولة.
٩١٠٧ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزناد: أن الشعبي أخبره، أن ابن عباس أخبره: أنه أصاب جاريةً له قد كانت زَنتْ، وقال: أحصنتها.
* * *
قال أبو جعفر وهذا التأويل على قراءة من قرأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بضم"الألف"، وعلى تأويل من قرأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بفتحها. وقد بينا الصّواب من القول والقراءة في ذلك عندنا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فإن أتين بفاحشة"، فإن أتت فتياتكم - وهنّ إماؤكم - بعد ما أحصَنّ بإسلام، أو أحْصِنّ بنكاح ="بفاحشة"، وهي الزنا ="فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"، يقول: فعليهن نصف ما على الحرائر من الحدّ، إذا هنّ زَنين قبل الإحصان بالأزواج.
* * *
و"العذاب" الذي ذكره الله تبارك وتعالى في هذا الموضع، هو الحدّ، وذلك النصف الذي جعله الله عذابًا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هن أحصن: خمسون جلدة، ونَفي ستة أشهر، وذلك نصف عام. لأنّ الواجب على الحرة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج، جلد مئة ونفي حَوْلٍ. فالنصف من ذلك خمسون جلدة، ونفي نصف سنة. وذلك الذي جعله الله عذابًا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة، كما:-
٩١٠٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"...........
٩١٠٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فإن أتين بفاحشة فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب"، خمسون جلدةً، ولا نَفي ولا رَجمَ.
* * *
فإن قال قائل: وكيف [قيل] "فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب"؟. وهل يكون الجلدُ على أحد؟
قيل: إن معنى ذلك: فلازمُ أبدانهنّ أن تجلد نصف ما يَلزم أبدان المحصنات، كما يقال:"عليّ صلاةُ يوم"، بمعنى: لازم عليّ أن أصلي صلاة يوم = و"عليّ الحج والصيام"، مثل ذلك. وكذلك:"عليه الحدّ"، بمعنى لازم له إمكان نفسه من الحدّ ليقام عليه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ذلك"، هذا الذي أبَحْتُ = أيها الناس، من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم طَوْلا لنكاح المحصنات المؤمنات = أبحته لمن خشي العنت منكم، دون غيره ممن لا يخشى العنت.
* * *
واختلف أهل التأويل في هذا الموضع.
فقال بعضهم: هو الزنا.
* ذكر من قال ذلك:
٩١١٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن مجاهد قوله:"لمن خشي العنت منكم"، قال: الزنا.
٩١١١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن العوام، عمن حدثه، عن ابن عباس أنه قال: ما ازْلَحَفَّ ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا.
٩١١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: العنتُ الزنا.
٩١١٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبيد بن يحيى قال، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العنت الزنا.
٩١١٤ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: ما ازْلَحَفَّ ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا"ذلك لمن خشي العنتَ منكم".
٩١١٥ - حدثنا أبو سلمة قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير نحوه.
٩١١٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله:"ذلك لمن خشي العنت منكم"، قال: الزنا.
٩١١٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا فضيل، عن عطية العوفي مثله.
٩١١٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"لمن خشي العنت منكم"، قال: الزنا.
١١٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبيدة، عن الشعبي = وجويبر، عن الضحاك = قالا العنت الزنا.
٩١٢٠ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية:"ذلك لمن خشي العنت منكم"، قال: العنت الزنا.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: العقوبة التي تُعْنِته، وهي الحدّ.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في قوله:"ذلك لمن خشي العنت منكم"، ذلك لمن خاف منكم ضررًا في دينه وَبَدنِه.
* * *
قال أبو جعفر: وذلك أن"العنت" هو ما ضرّ الرجل. يقال منه:"قد عَنِتَ فلان فهو يَعْنَتُ عَنتًا"، إذا أتى ما يَضرّه في دين أو دنيا، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [سورة آل عمران: ١١٨] . ويقال:"قد أعنتني فلان فهو يُعنِتني"، إذا نالني بمضرة. وقد قيل:"العنت"، الهلاك.
* * *
=فالذين وجهوا تأويل ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضَرَرٌ في الدين، وهو من العنت.
=والذين وجّهوه إلي الإثم، قالوا: الآثام كلها ضرر في الدين، وهي من العنت.
= والذين وجهوه إلى العقوبة التي تعنته في بدنه من الحدّ، فإنهم قالوا: الحد مضرة على بدن المحدود في دنياه، وهو من العنت.
وقد عمّ الله بقوله:"لمن خشي العنت منكم"، جميعَ معاني العنت. ويجمع جميعَ ذلك الزّنا، لأنه يوجب العقوبةَ على صاحبه في الدنيا بما يُعنت بدنه، ويكتسب به إثمًا ومضرّة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهلُ التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه. فهو وإن كان في عينه لذةً وقضاءَ شهوة، فإنه بأدائه إلى العنت، منسوبٌ إليه موصوف به، إن كان للعنت سببًا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك:"وأنْ تصبروا"، أيها الناس، عن نكاح الإماء ="خير لكم" ="والله غفور" لكم نكاحَ الإماء أنْ تنكحوهن على ما أحلّ لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم في ذلك، إن أصلحتم أمورَ أنفسكم فيما بينكم وبين الله ="رحيم" بكم، إذ أذن لكم في نكاحهن عند الافتقار وعدم الطول للحرّة.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٩١٢١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: عن نكاح الأمة.
٩١٢٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن مجاهد:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: عن نكاح الإماء.
٩١٢٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وأن تصبروا خير لكم"، يقول: وأن تصبرَ ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خيرٌ لك.
٩١٢٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وأن تصبروا خير لكم"، يقول: وأن تصبروا عن نكاح الإماء، خيرٌ لكم، وهو حلّ.
٩١٢٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده:"وأن تصبروا خير لكم"، يقول: وأن تصبروا عن نكاحهن = يعني نكاح الإماء= خير لكم.
٩١٢٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: أن تصبروا عن نكاح الإماء، خير لكم.
٩١٢٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرنا ابن طاوس، عن أبيه:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: أن تصبروا عن نكاح الأمة خيرٌ لكم.
٩١٢٨ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: وأن تصبروا عن الأمة، خير لكم.
* * *
و"أن" في قوله:"وأن تصبروا" في موضع رفع ب"خيرٌ"، بمعنى: والصبرُ عن نكاح الإماء خيرٌ لكم.
حواشي المحقق
الأثر: ٩٠٥٤ - في المطبوعة: "حدثنا ابن المثنى" بزيادة"ابن"، وليست في المخطوطة، وهو الصواب، وقد مضت رواية"المثنى" عن"حبان بن موسى"، في مئات من المواضع مثل: ٤٤٩٨، ٤٥٢٨، ٤٥٤٨، وما سيأتي قريبًا رقم: ٩٠٥٩، ٩٠٦١.
الأثر: ٩٠٥٧ -"عبد الجبار بن عمر الأيلي" مضت ترجمته برقم: ٤٠٦٨. وكان في المطبوعة: "عبد الجبار بن عمرو" وهو خطأ.
في المطبوعة: "أن يسعى بها"، هكذا قرأ ما في المخطوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. وعنى بذلك ما مضى في الآثار السالفة من قوله: "إن خشي العنت".
استشكل معنى هذه الجملة والتي بعدها على الناشر الأول. والمعنى، أن الله تعالى لم يحرم شيئًا، ثم أحله من أجل غلبة الهوى أو قضاء اللذة. بل أحل المحرم، للضرورة التي يخاف معها المضطر هلاك نفسه. فإذ كان ذلك إجماعًا من الجميع في كل شيء حرمه، فنكاح الإماء مثله، لا يمكن إحلاله من أجل غلبة الهوى.
في المطبوعة: "من أجل غلبة هوى سره فيها"، وفي المخطوطة: "من أجل غلبة الهوى غيره فيها"، وكأن صواب قراءتها ما أثبت. ولولا أن معنى"عنده" جائز صحيح، لآثرت أن تكون"عليه".
في المطبوعة: "وليس بموضع ضرورة تدفع ترخصه"، وليس صوابًا في العبارة، وفي المخطوطة: "ترفع برخصة" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.
جملة قوله: "ما حرم عليهم منها" مفعول لقوله: "رخص الله لعباده".
انظر تفسير"المحصنات" فيما سلف قريبًا: ١٥١-١٦٩.
في المطبوعة: "فيتزوج الأمة"، وأثبت ما في المخطوطة.
في المطبوعة: "من لم يجد ما ينكح ... "، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب محض.
في المطبوعة: " ... إلا لمن لا يجد ما ينكح به حرة، وينفق عليها"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو الصواب الجيد.
لم يشر أبو جعفر في تفسير آية النساء: ٢٤ فيما سلف، إلى هذه القراءة، ولم يذكر هذا الاختلاف في قراءة"المحصنات"، وذلك من الأدلة على اختصاره التفسير، كما أسلفت مرارًا.
هذا كله لم يذكر في تفسير آية النساء الأولى، وبيان معنى"الإحصان" قد سلف قريبًا: ١٦٥، ١٦٦.
هذا كله لم يذكر في تفسير آية النساء الأولى، وبيان معنى"الإحصان" قد سلف قريبًا: ١٦٥، ١٦٦.
الأثر: ٩٠٧١ -"الوليد بن مسلم الدمشقي"، سلفت ترجمته برقم: ٢١٨٤، ٦٦١١ و"أبو عمرو"، هو الأوزاعي، وكان في المطبوعة والمخطوطة"أبو عمرو سعيد" كأنه واحد، أو "أبو عمر" و"سعيد"، والصواب ما أثبت.
و"سعيد بن عبد العزيز التنوخي" أبو محمد، مضت ترجمته برقم: ٨٩٦٦.
وأما "أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني"، كان من العباد المجتهدين، وكان كثير الحديث ضعيفًا. قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، طرقه لصوص فأخذوا متاعه، فاختلط"، مات سنة ١٥٦، وفي تهذيب التهذيب خطأ في سنة وفاته، كتب: "سنة ست وخمسين ومئتين"، والصواب، ومئة. وقد ترجمه ابن سعد في طبقاته ٧ / ٢ / ١٧٠ في الطبعة الخامسة من أهل الشام، التي منها"سعيد بن عبد العزيز التنوخي".
هذا، وقد كان في المطبوعة والمخطوطة: "ومالك بن عبد الله بن أبي مريم"، وليس في الرواة من يسمى بهذا الاسم، وصوابه ما أثبت، وأبو بكر بن أبي مريم، قد روى عنه الوليد بن مسلم، كما روى عن سائر من ذكر قبله.
قوله: "ومنهم أبو حنيفة وأصحابه" معطوف على قوله قبل الأثر: "وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق ... ".
في المطبوعة: "التي سماها فيهن"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب جيد.
في المطبوعة: "دافعة حكمها ... " والصواب ما أثبت في المخطوطة، وإن كان كاتبها قد أساء الكتابة، فقرأها الناشر على غير وجهها الصحيح.
في المطبوعة والمخطوطة هنا: "حكمهما" على الإفراد، والصواب ما أثبت، على التثنية.
في المخطوطة أتم الآية هنا: "بعضكم من بعض"، وقد أحسن الناشر الأول إذ حذف هذه الزيادة هنا، لأن سياق التفسير على أن قوله: "والله أعلم بإيمانكم" من المقدم على قوله: "بعضكم من بعض".
السياق: "والله أعلم ... منكم".
انظر تفسير"النكاح" فيما سلف ٧: ٥٧٤.
انظر تفسير"الإذن" فيما سلف ٢: ٤٤٩، ٤٥٠ / ٤: ٢٨٦، ٣٧١ / ٥: ٣٥٢، ٣٥٥، ٣٩٥ / ٧: ٢٨٨، ٣٧٧.
انظر تفسير"الإيتاء" فيما سلف في فهارس اللغة، وتفسير"الأجور" فيما سلف قريبًا: ١٧٥.
انظر تفسير"المعروف" فيما سلف: ١٢١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
انظر تفسير"محصنات" فيما سلف قريبًا: ١٥١، ١٦٨، ١٨٥.
انظر تفسير: "السفاح" فيما سلف قريبًا: ١٧٤.
في المطبوعة: "وقد ذكر ... " بزيادة"قد"، وأثبت ما في المخطوطة.
في المطبوعة: "وتكون المرأة شؤمًا"، وهو كلام لا معنى له هنا، وهي في المخطوطة: "سوما" غير منقوطة، وهي الصواب. و"السوم" العرض، يقال: "عرض علي سوم عالة"، أي عرض ذلك علي عرضًا غير مبالغ فيه، كما يعرض الماء على الإبل شربت مرة بعد مرة. ويضرب مثلا لمن يعرض عليك ما أنت عنه غني، كالرجل يعلم أنك نزلت دار رجل ضيفًا، فيعرض عليك القرى. ومنه"السوم" وهو عرض السلعة على البيع. وذلك بمعنى ما سيأتي في الأثر رقم: ٩٠٨٠: "البغي التي تؤاجر نفسها من عرض لها". هذا، ولم يذكر هذا اللفظ مشروحًا في كتب اللغة، فقيده هناك.
في المطبوعة: "فهن المعلنات"، وفي المخطوطة: "فهي المعالنة"، ورجحت أن يكون الصواب ما أثبت.
المستسرة: المستخفية، من"السر".
قوله: "فقد أغفل"، جواب الشرط في قوله: "فإن ظن ظان ... ". وقوله: "أغفل" فعل لازم غير متعد، أي: دخل في الغفلة، وانظر تفسير مثله فيما سلف ١: ١٥١، تعليق: ١ / ٥: ٥٢، تعليق: ٤ = ثم: ١٦٠، تعليق: ١.
الأثر: ٩٠٨٤ - حديث صحيح، رواه من غير إسناد، وكأنه من مسند أبي هريرة، رواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح ٤: ٣٥٠ / ١٢: ١٤٣-١٤٧) ومسلم ١٢: ٢١١ / وأحمد في مسنده رقم: ٧٣٨٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٨: ٢٤٢-٢٤٤، من طرق.
وقوله: "كتاب الله" على النصب، وفي رواية للنسائي"بكتاب الله".
وقوله ﷺ: "ولا يثرب عليها"، أي: لا يعيرها بالزنا، ولا يبكتها بما أتت، ولا يعنف عليها باللوم. وهذا أدب نبي الله ﷺ لأمته: أن لا تعير مرتكبًا بما ارتكب، وأن ترفق به، وتعرض عن تذكيره بالفاحشة، لئلا تمتلئ نفسه كمدًا وغيظًا وحقدًا على الناس. ولكنك ترى أهل زماننا، يستطيلون على كل من أتى جرمًا، فتمتلئ الصحافة بالسب والتعريض، وقبيح الصفات لكل من أتى جرمًا، كأن أحدهم قد أخذ عهدًا على أيامه البواقي أن لا يتورط في إثم أو جريمة. ومن يدري، فلعل أطولهم لسانًا في ذلك، أكثرهم استخفاء بما هو أشد من ذلك الجرم الذي ارتكبه المرتكب.
الأثر: ٩٠٨٥ - رواه أحمد في مسنده رقم: ٧٣٦، ١١٣٧، ١١٤٢، ١٢٣٠ / والسنن الكبرى للبيهقي ٨: ٢٤٣. وانظر تخريجه في تفسير ابن كثير ٢: ٤٠٦.
الأثران: ٩٠٨٦، ٩٠٨٧ - الإسناد الأول، رواه مالك في الموطأ ص: ٨٢٦، ٨٢٧، مع خلاف في اللفظ يسير، وقال في آخره: "والضفير، الحبل"، وهما سواء في المعنى. وأخرجه البخاري (الفتح ٤: ٣٥٠ / ١٢: ١٤٣-١٤٥) ، ومسلم ١٢: ٢١٢، ٢١٣، من طرق.
انظر ما سلف قريبًا ص: ١٥١-١٩٦.
قوله: "وحسب" معطوف على قوله: "فإن ظن ظان".
قوله: "فقد ظن خطأ" جواب الشرط في قوله: "فإن ظن ظان".
في المطبوعة: "فيكون الخبر بيانًا عما يجب عليهن من الحد"، غير ما في المخطوطة بسوء تصرف، والصواب ما أثبته من المخطوطة. هذا، ولم يرد بذكر"الخبر" و"مبتدأ" المعنى المصطلح عليه في النحو، بل أراد إخبار الله تعالى، وأنه ابتداء غير متصل بما قبله.
الأثر: ٩٠٨٨ -"سعيد" هو: سعيد بن أبي عروبة = و"أبو معشر"، هو زياد بن كليب، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "سعيد بن أبي معشر"، وهو خطأ محض.
الأثران ٩٠٨٩ -٩٠٩٠ - في الإسناد الأول: "إبراهيم بن يزيد" هو: إبراهيم النخعي. و"همام بن الحارث النخعي"، ثقة، كان من العباد، وكان لا ينام إلا قاعدًا. روى عن ابن مسعود.
وذكر في الإسناد الأول: "النعمان بن عبد الله بن مقرن"، هكذا في المخطوطة والمطبوعة، ولم أجد لهذا الاسم ذكرًا في الكتب، وسيأتي في الأثر الذي يليه: "النعمان بن مقرن"، وقد اختلف في"النعمان بن مقرن" فقيل: "النعمان بن عمرو بن مقرن"، وقيل هما رجلان، وذلك مفصل في كتب الرجال، ولم يذكر أحد منهم"النعمان بن عبد الله بن مقرن".
هذا، وقد روى هذا الأثر، البيهقي في السنن الكبرى ٨: ٢٤٣، وزاد الأمر إشكالا، فرواه من حديث إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحييل: أن معقل بن مقرن أتى عبد الله بن مسعود = ولم أستطع أن أقطع بشيء في هذا الاضطراب.
الأثر: ٩٠٩٧ -"برد بن سنان الشامي، مولى قريش" صاحب مكحول. روى عن عطاء بن أبي رباح، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. كان صدوقًا في الحديث. مترجم في التهذيب.
وقوله: "من ولائد الإمارة"، في المخطوطة كتب"الإمارة" في الهامش، وكان قد ضرب على الكلمة في صلب الكلام. ولعله يعني: ولائد من السبي.
في المخطوطة: "قال: حصنتها".
انظر ما سلف: ١٩٥، ١٩٦ / ثم: ١٩٩.
انظر تفسير"أتى بالفاحشة" فيما سلف: ٧٣، ٨١.
انظر تفسير"الفاحشة" فيما سلف: ٣: ٣٠٣ / ٥: ٥٧١ / ٧: ٢١٨ / ٨: ٧٣، ١١٥، ١١٦.
الأثر: ٩١٠٨ - هذا الأثر مبتور في المخطوطة والمطبوعة، وإن كان قد ساقه كأنه غير مبتور، فلذلك وضعت هذه النقط للدلالة على الخرم. ولم أجده في مكان آخر.
الزيادة بين القوسين، لا بد منها، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة.
في المخطوطة: "لازم إلى أن أصلي"، والصواب ما في المطبوعة.
انظر تفسير"ذلك" بمعنى"هذا" فيما سلف ١: ٢٢٥-٢٢٧ / ٣: ٣٣٥ / ٦: ٤٦٦.
الأثر: ٩١١١ - ذكر هذا الأثر صاحب اللسان في (زحلف) و (زلحف) ، وقال في: "ازحلف" إنه على القلب من"ازلحف" على وزن"اقشعر" وقراءتهما بسكون الزاي، وفتح اللام والحاء، والفاء المشددة. وقوله: "ازلحف" أي: تنحى وتباعد، شيئًا قليلا. وتمام الأثر في اللسان: "لأن الله عز وجل يقول: وأن تصبروا خير لكم". وانظر الأثر التالي رقم: ٩١١٤.
الأثر: ٩١١٥ -"أبو سلمة"، لم أعرف من يكون في شيوخ أبي جعفر.
انظر تفسير العنت فيما سلف ٤: ٣٦٠ / ٧: ١٤٠.
في المطبوعة: "أن كان للعنت"، وهو صواب، ولكن أثبت ما في المخطوطة.
معاني الكلمات
من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com
طَوْلًا: غِني، وَسَعَةً.
الْمُحْصَنَاتِ: الحَرَائِرَ.
فَتَيَاتِكُمُ: إِمَائِكُمْ.
مُحْصَنَاتٍ: عَفِيفَاتٍ.
مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ: مَصَاحِبَاتِ أَصْدِقَاءَ لِلزِّنَا سِرًّا.
الْعَنَتَ: الوُقُوعَ فِي الزِّنَا.
النفحات المكية
محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com
ثم بيَّن جل وعلا أن من لم يَقْدِرْ على دفع الصِّداق لنكاح النساء الحرائر المؤمنات غير المتزوِّجات، فيجوز له أن ينكح المملوكة المؤمنة بحَسَبِ ما يَقْدِرُ عليه بإذن مالكها، والله أعلم بالمؤمن الصادق من الكاذب، وعليكم أن تتزوَّجوا المملوكات بموافقة مُلَّاكِهِنَّ، وأن تعطوهُنَّ حقَّهُنَّ من الصَّداق بحَسَبِ ما اتفقتم عليه بطيب نفس منكم، ولا يجوز الزواج من الأمة إلا إذا كانت عفيفة عن الزنى ظاهرًا وباطنًا، وليس لها أخلَّاءُ أو أصدقاءُ في السرّ؛ فإذا تزوَّجت الأمة أو أسلَمَتْ، ثم أتت بفاحشة بعد الزواج، فعليها الحدّ، وهو نصف ما على الحرائر، وهو الجَلْد وليس الرَّجْم؛ لأن الرجم لا يتنصَّف، ولهذا فإن (العذاب) المذكور في هذه الآية المقصود به الجَلْد، أي: أن تُجْلَدَ خمسين جلدة. والعلة في كون حَدِّ الأَمَة نصفُ حَدِّ الحرة، وهو الجلد: أن الرجم سيؤدي إلى هلاكها؛ وهذا فيه إتلاف لمال مالكها الذي اشتراها ولا ذنب له في ذلك، أما العذاب، فليس كذلك، وحتى أشدُّ العذاب لا يسمى موتًا؛ كما قال نبي الله سليمان عليه السلام في الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ﴾ [النمل:٢]، فسليمان عليه السلام فرَّق بين العذاب والذبح، وهو الموت. ومن رحمة الله أنه جعَلَ عقوبة الإماء والرقيق الجلدَ فقط؛ لأن الرقيق والإماء مبتذلون، وكونهم مبتذلين وممتهنين لا ينفي أن يكون بعضهم في تقواه ومراقبته وعبادته لله أفضل من كثير من الأحرار، ومعلوم أن الأفضل هو الأتقى لله؛ كما ورد في الحديث أنه: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»[39]، وقال الشاعر:
اقرأ بقية النفحات المكية
النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ
أَبُوهُمُ آدَمٌ وَالْأُمُّ حَوَّاءُ
ثم بيَّن سبحانه أنه شرَعَ النكاح وأباحه من المملوكة عند الضرورة لمن خاف على نفسه الوقوع في الحرام، ولا شك أن الصبر عن الزواج بالمملوكة مع العِفَّةِ أولى وأفضل.
والعلةُ في عدم الرغبة في الزواج بالمملوكات: لئلا يكون ولده رقيقًا لغيره، ولأنهنَّ ضعيفات مغلوبات على أمرهن، فهنَّ عُرْضةٌ للاغتصاب من كل فاسق، أما الحرائر، فإنهن أقدَرُ منهن في المحافظة على شَرَفِهِنَّ وشرف أهلهنَّ، وأكثر صونًا لأنفسهنَّ؛ كما قالت هند بنت عُتْبة زوجة أبي سفيان وقت البيعة يوم الفتح، حينما قرأ عليهنَّ الرسول ﷺ شروط البيعة التي تؤخذُ عليهنَّ هي والنساء اللاتي حضرن معها للمبايعة؛ فذكر ﷺ من شروط البيعة: «أَلَّا يَزْنِينَ...»، فقالت هند: (وهل تَزْني الحُرَّةُ؟!)[40]، ثم ختَمَ سبحانه الآية مبيِّنًا أنه غفورٌ لذنوب عباده، رحيمٌ بهم.
و(الطَّوْلُ) المذكور في هذه الآية هو: القُدْرةُ المالية، وكذلك (المحصَنات) في هذه الآية: هن الحرائر غير المتزوِّجات، بخلاف المذكورة في أول الآية التي قبلها، فإن المقصود بها المتزوِّجات.
نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.