الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة النساء ‹ الآية ٦

تفسير الآية ٦ من سورة النساء

  • الآية ٦ من ١٧٦
  • الجزء ٤
  • مدنية
  • 4:6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا ۝٦

4:6

اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزول

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com

واختبروا - أيها الأولياء - اليتامى إذا وصلوا سن البلوغ، بإعطائهم جزءًا من مالهم يتصرفون فيه، فإن أحسنوا التصرف فيه، وتبين لكم رشدهم؛ فسلموا إليهم أموالهم كاملة غير منقوصة، ولا تأكلوا أموالهم متجاوزين الحد الذي أباحه الله لكم من أموالهم عند الحاجة، ولا تبادروا بأكلها خشية أن يأخذوها إذا بلغوا، ومن كان منكم له مال يُغْنيه فليمتنع عن الأخذ من مال اليتيم، ومن كان منكم فقيرًا لا مال له فليأكل بقدر حاجته، وإذا سلمتم إليهم أموالهم بعد البلوغ وتبيُّن الرشد منهم؛ فأشهدوا على ذلك التسليم حفظًا للحقوق، ومنعًا لأسباب الاختلاف، وكفى الله شاهدًا على ذلك، ومحاسبًا للعباد على أعمالهم.

التفسير الميسر

نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com

واختبروا مَن تحت أيديكم من اليتامى لمعرفة قدرتهم على حسن التصرف في أموالهم، حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ، وعَلمتم منهم صلاحًا في دينهم، وقدرة على حفظ أموالهم، فسلِّموها لهم، ولا تعتدوا عليها بإنفاقها في غير موضعها إسرافًا ومبادرة لأكلها قبل أن يأخذوها منكم. ومَن كان صاحب مال منكم فليستعفف بغناه، ولا يأخذ من مال اليتيم شيئًا، ومن كان فقيرًا فليأخذ بقدر حاجته عند الضرورة. فإذا علمتم أنهم قادرون على حفظ أموالهم بعد بلوغهم الحُلُم وسلمتموها إليهم، فأَشْهِدوا عليهم; ضمانًا لوصول حقهم كاملا إليهم; لئلا ينكروا ذلك. ويكفيكم أن الله شاهد عليكم، ومحاسب لكم على ما فعلتم.

أسباب النزول

أسباب نزول القرآن — أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت 468هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ رِفاعَةَ وفي عَمِّهِ؛ وذَلِكَ أنَّ رِفاعَةَ تُوُفِّيَ وتَرَكَ ابْنَهُ ثابِتًا وهو صَغِيرٌ، فَأتى عَمُّ ثابِتٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ لَهُ: إنَّ ابْنَ أخِي يَتِيمٌ في حِجْرِي، فَما يَحِلُّ لِي مِن مالِهِ، ومَتى أدْفَعُ إلَيْهِ مالَهُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

تفسير السعدي

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com

{6} الابتلاء هو: الاختبار والامتحان، وذلك بأن يُدْفَعَ لليتيم المقارب للرشد الممكن رشده شيء من ماله، ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله، فيتبين بذلك رشده من سفهه؛ فإن استمر غير محسن للتصرف؛ لم يدفع إليه ماله، بل هو باق على سفهه، ولو بلغ عمراً كثيراً؛ فإن تبيَّن رشدُه وصلاحُه في ماله وبلغ النكاح؛ {فادفعوا إليهم أموالهم} كاملة موفرة، {ولا تأكلوها إسرافاً}؛ أي: مجاوزة للحدِّ الحلال الذي أباحه الله لكم من أموالكم إلى الحرام الذي حرمه الله عليكم من أموالهم؛ {وبِداراً أن يكبروا}، أي: ولا تأكلوها في حال صغرهم التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم، ولا منعكم من أكلها تبادرون بذلك أن يكبروا فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها، وهذا من الأمور الواقعة من كثير من الأولياء الذين ليس عندهم خوف من الله ولا رحمة ومحبة للمولَّى عليهم، يرون هذه الحالَ حالَ فرصةٍ، فيغتنمونها ويتعجلون ما حرم الله عليهم، فنهى الله تعالى عن هذه الحالة بخصوصها.

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ)

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ٥–٦ ←

تفسير الجلالين

جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net

﴿وَابْتَلُوا﴾ اخْتَبِرُوا ﴿الْيَتَامَى﴾ قَبْل الْبُلُوغ فِي دِينهمْ وَتَصَرُّفهمْ فِي أَحْوَالهمْ ﴿حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاح﴾ أَيْ صَارُوا أَهْلًا لَهُ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ السِّنّ وَهُوَ اسْتِكْمَال خَمْس عَشْرَة سَنَة عِنْد الشَّافِعِيّ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أَبْصَرْتُمْ ﴿مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ صَلَاحًا فِي دِينهمْ وَمَالهمْ ﴿فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالهمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أَيّهَا الْأَوْلِيَاء ﴿إسْرَافًا﴾ بِغَيْرِ حَقّ حَال ﴿وَبِدَارًا﴾ أَيْ مُبَادِرِينَ إلَى إنْفَاقهَا مَخَافَة ﴿أَنْ يَكْبُرُوا﴾ رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم ﴿ومن كان﴾ من الأولياء ﴿غنيا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أَيْ يَعِفّ عَنْ مَال الْيَتِيم وَيَمْتَنِع مِنْ أَكْله ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ﴾ مِنْهُ ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ أُجْرَة عَمَله ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ أَيْ إلَى الْيَتَامَى ﴿أَمْوَالهمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أَنَّهُمْ تَسَلَّمُوهَا وَبَرِئْتُمْ لِئَلَّا يَقَع اخْتِلَاف فَتَرْجِعُوا إلَى الْبَيِّنَة وَهَذَا أَمْر إرْشَاد ﴿وَكَفَى بِاَللَّهِ﴾ الْبَاء زَائِدَة ﴿حَسِيبًا﴾ حَافِظًا لِأَعْمَالِ خَلْقه وَمُحَاسِبهمْ

تفسير البغوي

معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ رِفَاعَةَ وَفِي عَمِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ رِفَاعَةَ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ. ابْنَهُ ثَابِتًا وَهُوَ صَغِيرٌ، فَجَاءَ عَمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِي يَتِيمٌ فِي حِجْرِي، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْ مَالِهِ وَمَتَى أَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ اخْتَبِرُوهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَحِفْظِهِمْ أَمْوَالَهُمْ، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أَيْ: مَبْلَغَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أَبْصَرْتُمْ، ﴿مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي: عَقْلًا وَصَلَاحًا فِي الدِّينِ وَحِفْظًا لِلْمَالِ وَعِلْمًا بِمَا يُصْلِحُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: لَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا حَتَّى يُؤْنِسَ مِنْهُ رُشْدَهُ.

اقرأ بقية تفسير البغوي

وَالِابْتِلَاءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَصَرَّفُ فِي السُّوقِ فَيَدْفَعُ الْوَلِيُّ إِلَيْهِ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الْمَالِ وَيَنْظُرُ فِي تَصَرُّفِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَصَرَّفُ فِي السُّوقِ فَيَتَخَبَّرُهُ فِي نَفَقَةِ دَارِهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى عَبِيدِهِ وَأُجَرَائِهِ، وَتُخْتَبَرُ الْمَرْأَةُ فِي أَمْرِ بَيْتِهَا وَحِفْظِ مَتَاعِهَا وَغَزْلِهَا وَاسْتِغْزَالِهَا، فَإِذَا رَأَى حُسْنَ تَدْبِيرِهِ، وَتَصَرُّفِهِ فِي الْأُمُورِ مِرَارًا يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ رُشْدُهُ، دَفَعَ الْمَالَ إِلَيْهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ زَوَالَ الْحَجْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَجَوَازَ دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِ بِشَيْئَيْنِ: بِالْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ، فَالْبُلُوغُ يَكُونُ بِأَحَدِ ﴿أَشْيَاءَ أَرْبَعَةٍ﴾ ، اثْنَانِ يَشْتَرِكُ فِيهِمَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَاثْنَانِ تَخْتَصَّانِ بِالنِّسَاءِ:

فَمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ أَحَدُهُمَا السِّنُّ، وَالثَّانِي الِاحْتِلَامُ، أَمَّا السِّنُّ فَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً حُكِمَ بِبُلُوغِهِ غُلَامًا كَانَ أَوْ جَارِيَةً، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي، ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي ، قَالَ نَافِعٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: هَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَكَتَبَ أَنْ يُفْرَضَ لِابْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي الْمُقَاتَلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهَا فِي الذُّرِّيَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بُلُوغُ الْجَارِيَةِ بِاسْتِكْمَالِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَبُلُوغُ الْغُلَامِ بِاسْتِكْمَالِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَنَعْنِي بِهِ نُزُولَ الْمَنِيِّ سَوَاءً كَانَ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِالْجِمَاعِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِذَا وَجَدْتَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ حُكْمٌ بِبُلُوغِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ فِي الْجِزْيَةِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا" .

وَأَمَّا الْإِنْبَاتُ، وَهُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْفَرَجِ: فَهُوَ بُلُوغٌ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كُنْتُ مِنْ سَبْيِ قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ فَمَنْ أُنْبِتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبَتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبَتْ .

وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بُلُوغًا فِي أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَكُونُ بُلُوغًا كَمَا فِي أَوْلَادِ الْكُفَّارِ، وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ بُلُوغًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى مَوَالِيدِ الْمُسْلِمِينَ بِالرُّجُوعِ إِلَى آبَائِهِمْ، وَفِي الْكُفَّارِ لَا يُوقَفُ عَلَى مَوَالِيدِهِمْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ آبَائِهِمْ فِيهِ لِكُفْرِهِمْ، فَجُعِلَ الْإِنْبَاتُ الَّذِي هُوَ أَمَارَةُ الْبُلُوغِ بُلُوغًا فِي حَقِّهِمْ.

وَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ: فَالْحَيْضُ وَالْحَبَلُ، فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا وَلَدَتْ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الْوَضْعِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ.

وَأَمَّا الرُّشْدُ: فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا فِي دِينِهِ وَمَالِهِ، فَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ هُوَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، وَالصَّلَاحُ فِي الْمَالِ هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُبَذِّرًا، وَالتَّبْذِيرُ: هُوَ أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ مَحْمَدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا مَثُوبَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، أَوْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيهَا، فَيَغِبْنُ فِي الْبُيُوعِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُفْسِدٌ فِي دِينِهِ وَغَيْرُ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ، دَامَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ وَلَا يُنْفَذُ تَصَرُّفُهُ.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مفسدا في دنيه، وَإِذَا كَانَ مُفْسِدًا لِمَالِهِ قَالَ: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ الْمَالُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، غَيْرَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ يَكُونُ نَافِذًا قَبْلَهُ. وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لِمَنِ اسْتَدَامَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أَمْرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ، وَالْفَاسِقُ لَا يَكُونُ رَشِيدًا وَبَعْدَ بُلُوغِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ مُفْسِدٌ لِمَالِهِ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرُ رَشِيدٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ كَمَا قَبْلَ بُلُوغِ هَذَا السَّنِّ.

وَإِذَا بَلَغَ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ، زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْمَالُ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً تَزَوَّجَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ.

وَعِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ كَانَتِ امْرَأَةً لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ دُفِعَ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ لَا يَنَفُذُ تَصَرُّفُهَا إِلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ، مَا لَمْ تَكْبُرْ وَتُجَرِّبُ.

فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا وَزَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ سَفِيهًا، نُظِرَ: فَإِنَ عَادَ مُبَذِّرًا لِمَالِهِ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعَادُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ كَمَا يُسْتَدَامُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالثَّانِي: لَا يُعَادُ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّوَامِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الِابْتِدَاءِ.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا حَجْرَ عَلَى الْحَرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ بِحَالٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِ الْحَجْرِ مِنِ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ابْتَاعَ أَرْضًا سَبْخَةٍ بِسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَآتِيَنَّ عُثْمَانَ فَلَأَحْجُرُنَّ عَلَيْكَ فَأَتَى ابْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ [فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُكَ فِي بَيْعَتِكَ، فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ وَقَالَ: احْجُرْ عَلَى هَذَا] ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ فِي بَيْعٍ شَرِيكُهُ فِيهِ الزُّبَيْرُ ، فَكَانَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْحَجْرِ حَتَّى احْتَالَ الزُّبَيْرُ فِي دَفْعِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ يَا مَعْشَرَ الْأَوْلِيَاءِ ﴿إِسْرَافًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ، ﴿وَبِدَارًا﴾ أَيْ مُبَادَرَةً ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ﴿أَنْ﴾ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، يَعْنِي: لَا تُبَادِرُوا كِبَرَهُمْ وَرُشْدَهُمْ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَبْلُغُوا فَيَلْزَمَكُمْ تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أَيْ لِيَمْتَنِعْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَلَا يَرْزَأْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَالْعِفَّةُ: الِامْتِنَاعُ مِمَّا لَا يَحِلُّ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ مُحْتَاجًا إِلَى مَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ يَحْفَظُهُ ويتعهده فليأكل ٧٨/ب بِالْمَعْرُوفِ.

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ السِّجْزِيُّ، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَّةَ التَّمَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاؤُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْمُعَلِّمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِيَ يَتِيمٌ؟ فَقَالَ: "كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَادِرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ" .

وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي إِذَا أَيْسَرَ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَالْمَعْرُوفُ الْقَرْضُ، أَيْ: يَسْتَقْرِضُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَيْسَرَ قَضَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْيَتِيمِ: إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفَتُ وَإِنِ افْتَقَرَتُ أَكَلَتُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ .

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ كَمَا يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ.

وَقَالَ قَوْمٌ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا الْأَكْلِ بِالْمَعْرُوفِ، فَقَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ: يَأْكُلُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَلَا يُسْرِفُ وَلَا يَكْتَسِي مِنْهُ، وَلَا يَلْبَسُ الْكَتَّانَ وَلَا الْحُلَلَ، وَلَكِنْ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ: يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِ نَخِيلِهِ وَلَبَنِ مَوَاشِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَلَا؛ فَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ رَدَّهُ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَعْرُوفُ رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَخِدْمَةُ الْخَادِمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ لِي يَتِيمًا وَإِنَّ لَهُ إِبِلًا أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلِيطُ حَوْضَهَا وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدَهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَعْرُوفُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ بِقَدْرِ قِيَامِهِ وَأُجْرَةِ عَمَلِهِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ هَذَا أَمْرُ إِرْشَادٍ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَمَرَ الْوَلِيَّ بِالْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ إِلَى الْيَتِيمِ بَعْدَمَا بَلَغَ لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ وَتَنْقَطِعَ الْخُصُومَةُ، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ مُحَاسِبًا وَمُجَازِيًا وَشَاهِدًا.

حواشي المحقق

ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (١٣٧) بدون إسناد. وانظر: الدر المنثور: ٢ / ٤٣٧، القرطبي: ٥ / ٣٤، وذكره ابن حجر بنحوه في الإصابة: ١ / ٣٨٧ وقال: هذا مرسل رجاله ثقات.

في أ: (الأشياء الأربعة) .

أخرجه البخاري في الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم: ٥ / ٢٧٦، ومسلم في الإمارة، باب بيان سن البلوغ برقم (١٨٦٨) : ٣ / ١٤٩٠.

قطعة من حديث أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة: ٢ / ١٩٥، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر: ٣ / ٢٥٧، وقال: هذا حديث حسن. ثم قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق. . . وهذا أصح، وأخرجه النسائي في الزكاة، باب زكاة البقر: ٥ / ٢٦، والدارقطني: ٢ / ١٠٢، والحاكم: ١ / ٣٩٨ وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند: ٥ / ٢٣٠، ٢٣٣، شرح السنة: ٦ / ١٩، وانظر ما قاله ابن حجر في تلخيص الحبير: ٤ / ١٢٢.

أخرجه أبو داود في الحدود، باب في الغلام يصيب الحد: ٦ / ٢٣٣، والترمذي في السير، باب ما جاء في الحلف: ٥ / ٢٠٨ وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في قطع السارق، باب القطع في السفر ٨ / ٩٢. وابن ماجه في الحدود، باب من لا يجب عليه الحد، برقم (٢٥٤١) : ٢ / ٨٤٩، والدارمي في السير، باب حد الصبي متى يقتل: ٢ / ٢٢٣، والإمام أحمد في المسند: ٤ / ٣١٠، ٥ / ٣١٢، وأخرجه ابن حبان، في موارد الظمآن، ص (٣٦٠) .

ساقط من (ب) .

أخرجه الشافعي في المسند: ٢ / ١٦٠ - ١٦١ (ترتيب المسند) ، والبيهقي في السنن: ٦ / ٦١، وصححه الألباني في الإرواء: ٥ / ٢٧٣.

أخرجه أبو داود في كتاب الوصايا، باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم: ٤ / ١٥١ - ١٥٢، والنسائي في الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه: ٦ / ٢٥٦، وابن ماجه في الوصايا، باب قوله: ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، برقم (٢٧١٨) : ٢ / ٩٠٧. والمصنف في شرح السنة: ٨ / ٣٠٥. وزاد الحافظ ابن حجر نسبته لابن خزيمة وابن الجارود وابن أبي حاتم، وقال: إسناده قوي. انظر فتح الباري: ٨ / ٢٤١.

أخرجه أبو يوسف في الخراج ص ٣٩، ١٢٧، وقال ابن حجر: رواه ابن سعد وابن أبي شيبة والطبري، من رواية إسرائيل وسفيان كلاهما عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال. . . ورواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر. . . انظر: الكافي الشاف ص (٣٩) .

أخرجه الطبري: ٧ / ٥٨٨، وعزاه ابن حجر لعبد الرزاق من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد، وقال أخرجه الطبري من طريقه والثعلبي والواحدي من وجه آخر عن القاسم، ورواه البغوي من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم، وهو في الموطأ. انظر: الكافي الشاف ص (٣٩) .

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

فِيهِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً. الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾ الِابْتِلَاءُ الِاخْتِبَارُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ دَفْعِ أَمْوَالِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ رِفَاعَةَ وَفِي عَمِّهِ. وَذَلِكَ أَنَّ رِفَاعَةَ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَأَتَى عَمُّ ثَابِتٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِي يَتِيمٌ فِي حِجْرِي فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْ مَالِهِ، وَمَتَى أَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. الثَّانِيةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الِاخْتِبَارِ، فَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْوَصِيُّ أَخْلَاقَ يَتِيمِهِ، وَيَسْتَمِعَ إِلَى أَغْرَاضِهِ، فَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِنَجَابَتِهِ، وَالْمَعْرِفَةُ بِالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِ وَضَبْطِ مَالِهِ وَالْإِهْمَالُ لِذَلِكَ. فَإِذَا تَوَسَّمَ الْخَيْرَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ يُبِيحُ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، فَإِنْ نَمَّاهُ وَحَسَّنَ النَّظَرَ فِيهِ فَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِبَارُ، وَوَجَبَ عَلَى الْوَصِيِّ تَسْلِيمُ جَمِيعِ مَالِهِ إِلَيْهِ. وَإِنْ أَسَاءَ النَّظَرَ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِمْسَاكُ مَالِهِ عِنْدَهُ. وَلَيْسَ فِي الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا اخْتَبَرَ الصَّبِيَّ فَوَجَدَهُ رَشِيدًا تَرْتَفِعُ الْوِلَايَةُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ مَالِهِ إِلَيْهِ وَإِطْلَاقُ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ). وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: الصَّغِيرُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً، فَإِنْ كَانَ غُلَامًا رَدَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ فِي نَفَقَةِ الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ أَعْطَاهُ شَيْئًا نَزْرًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لِيَعْرِفَ كَيْفَ تَدْبِيرُهُ وَتَصَرُّفُهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُرَاعِيهِ لِئَلَّا يُتْلِفَهُ، فَإِنْ أَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ. فَإِذَا رَآهُ مُتَوَخِّيًا سَلَّمَ إِلَيْهِ ماله وأشهد عليه. وإن كان جَارِيَةً رَدَّ إِلَيْهَا مَا يُرَدُّ إِلَى رَبَّةِ الْبَيْتِ مِنْ تَدْبِيرِ بَيْتِهَا وَالنَّظَرِ فِيهِ، فِي الِاسْتِغْزَالِ وَالِاسْتِقْصَاءِ عَلَى الْغَزَّالَاتِ فِي دَفْعِ الْقُطْنِ وَأُجْرَتِهِ، وَاسْتِيفَاءِ الْغَزْلِ وَجَوْدَتِهِ. فَإِنْ رَآهَا رَشِيدَةً سَلَّمَ أَيْضًا إِلَيْهَا مَالَهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا. وَإِلَّا بَقِيَا تَحْتَ الْحَجْرِ حَتَّى يُؤْنَسَ رُشْدُهُمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا: اخْتَبِرُوهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أَيِ الْحُلُمَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) أَيِ الْبُلُوغَ وَحَالَ النكاح. والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يَشْتَرِكُ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَاثْنَانِ يَخْتَصَّانِ بِالنِّسَاءِ وَهُمَا الْحَيْضُ وَالْحَبَلُ. فَأَمَّا الْحَيْضُ وَالْحَبَلُ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ بُلُوغٌ، وَأَنَّ الْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ تَجِبُ بِهِمَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّلَاثِ، فَأَمَّا الْإِنْبَاتُ وَالسِّنُّ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بُلُوغٌ لِمَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَصْبَغَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَتَجِبُ الْحُدُودُ وَالْفَرَائِضُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَنْ بَلَغَ هَذَا السِّنَّ. قَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ: وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ أَنَّ حَدَّ الْبُلُوغِ الَّذِي تَلْزَمُ بِهِ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا فِيهِ إِلَيَّ وَأَحْسَنُهُ عِنْدِي، لِأَنَّهُ الْحَدُّ الَّذِي يُسْهَمُ فِيهِ فِي الْجِهَادِ وَلِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِذْ عُرِضَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأُجِيزَ، وَلَمْ يُجَزْ يَوْمَ أُحُدٍ، لِأَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا فِيمَنْ عُرِفَ مَوْلِدُهُ، وَأَمَّا مَنْ جُهِلَ مَوْلِدُهُ وَعِدَّةُ سِنِّهِ أَوْ جَحَدَهُ فَالْعَمَلُ فِيهِ بِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ أَسْلَمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: أَلَّا تَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ إِلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي. وَقَالَ عُثْمَانُ فِي غُلَامٍ سَرَقَ: انْظُرُوا إِنْ كَانَ قَدِ اخْضَرَّ مِئْزَرُهُ فَاقْطَعُوهُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ: عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكُلُّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ قَتَلَهُ بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ مِنْهُمُ اسْتَحْيَاهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَتَرَكَنِي. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا: لَا يُحْكَمُ لِمَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ حَتَّى يَبْلُغَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ إِلَّا احْتَلَمَ، وَذَلِكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَيَكُونُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ الْحَدُّ إِذَا أَتَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الحد. وقال مالك مرة: بلوغه بأن يَغْلُظَ صَوْتُهُ وَتَنْشَقَّ أَرْنَبَتُهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: تِسْعَ عَشْرَةَ [سَنَةً]، وَهِيَ الْأَشْهَرُ. وَقَالَ فِي الْجَارِيَةِ: بُلُوغُهَا لِسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وعليها النظر. وروى اللؤلؤي عَنْهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ دَاوُدُ: لَا يَبْلُغُ بِالسِّنِّ مَا لَمْ يَحْتَلِمْ وَلَوْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَأَمَّا الْإِنْبَاتُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْبُلُوغِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ القاسم وسالم، وقاله مَالِكٌ مَرَّةً، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقِيلَ: هُوَ بُلُوغٌ، إِلَّا أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ فِي الْكُفَّارِ فَيُقْتَلُ مَنْ أَنْبَتَ وَيُجْعَلُ مَنْ لَمْ يُنْبِتْ فِي الذَّرَارِي، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، لِحَدِيثِ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ. وَلَا اعْتِبَارَ بِالْخُضْرَةِ وَالزَّغَبِ، وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى الشَّعْرِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: الْعَمَلُ عِنْدِي عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: لَوْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي لَحَدَدْتُهُ. قَالَ أَصْبَغُ: قَالَ لِيَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الْإِنْبَاتِ وَالْبُلُوغِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ بِالْإِنْبَاتِ حُكْمٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِبُلُوغٍ وَلَا دَلَالَةٍ عَلَى الْبُلُوغِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ: لَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مَرَّةً، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ. وَظَاهِرُهُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْإِنْبَاتِ وَالسِّنِّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: (إِذَا لَمْ يَكُنْ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ دَلِيلًا فِي السِّنِّ فَكُلُّ عَدَدٍ يَذْكُرُونَهُ مِنَ السِّنِينَ فَإِنَّهُ دَعْوَى، وَالسِّنُّ الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى مِنْ سِنٍّ لَمْ يَعْتَبِرْهَا، وَلَا قَامَ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ اعْتَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِنْبَاتَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَمَنْ عَذِيرِي مِمَّنْ تَرَكَ أَمْرَيْنِ اعْتَبَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَأَوَّلُهُ وَيَعْتَبِرُ مَا لَمْ يَعْتَبِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ لَفْظًا، وَلَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ نَظَرًا (. قُلْتُ: هَذَا قَوْلُهُ هُنَا، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ عَكْسَهُ، إِذْ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هُنَاكَ، وَتَأَوَّلَهُ كما تأوله عُلَمَاؤُنَا، وَأَنَّ مُوجِبَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يُطِيقُ الْقِتَالَ وَيُسْهَمُ لَهُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَنْ لَا يُطِيقُهُ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ فَيُجْعَلُ فِي الْعِيَالِ. وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ عُمَرُ ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ أَيْ أَبْصَرْتُمْ وَرَأَيْتُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَارًا) أَيْ أَبْصَرَ وَرَأَى. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ اذْهَبْ فَاسْتَأْنِسْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، مَعْنَاهُ تُبْصِرُ. قَالَ النابغة:

اقرأ بقية تفسير القرطبي

... على مستأنس وحد أَرَادَ ثَوْرًا وَحْشِيًّا يَتَبَصَّرُ هَلْ يَرَى قَانِصًا فَيَحْذَرُهُ. وَقِيلَ: آنَسْتُ وَأَحْسَسْتُ وَوَجَدْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ أَيْ عَلِمْتُمْ. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَبْصَرْتُمْ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (رُشْداً) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَعِيسَى وَالثَّقَفِيُّ وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ (رَشَدًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ: رُشْدًا مَصْدَرُ رَشَدَ. وَرَشَدًا مَصْدَرُ رَشِدَ، وَكَذَلِكَ الرَّشَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ (رُشْداً) فَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا: صَلَاحًا فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وَالثَّوْرِيُّ: صَلَاحًا فِي الْعَقْلِ وَحِفْظَ الْمَالِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُأْخَذُ بِلِحْيَتِهِ وَمَا بَلَغَ رُشْدَهُ، فَلَا يُدْفَعُ إِلَى الْيَتِيمِ مَالُهُ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يُعْطَى الْيَتِيمُ وَإِنْ بَلَغَ مِائَةَ سَنَةٍ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهُ إِصْلَاحُ مَالِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (رُشْداً) يَعْنِي فِي الْعَقْلِ خَاصَّةً. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرُّشْدَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَعَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْشُدْ بَعْدَ بُلُوغِ الْحُلُمِ وَإِنْ شَاخَ لَا يَزُولُ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْجَرُ عَلَى الْحُرِّ الْبَالِغِ إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ، وَلَوْ كَانَ أَفْسَقَ النَّاسِ وَأَشَدَّهُمْ تَبْذِيرًا إِذَا كَانَ عَاقِلًا. وَبِهِ قَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ النَّخَعِيِّ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ كَانَ يَبْتَاعُ وَفِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْجُرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَبْتَاعُ وَفِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ. فَاسْتَدْعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فقال: (لأتبع). فَقَالَ: لَا أَصْبِرُ. فَقَالَ لَهُ: (فَإِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلَكَ الْخِيَارُ ثَلَاثًا). قَالُوا: فَلَمَّا سَأَلَهُ الْقَوْمُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَمَّا كَانَ فِي تَصَرُّفِهِ مِنَ الْغَبْنِ وَلَمْ يَفْعَلْ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثَبَتَ أَنَّ الْحَجْرَ لَا يَجُوزُ. وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَقَرَةِ، فَغَيْرُهُ بِخِلَافِهِ. وقال الشافعي: إن كان مفسدا لما له وَدِينِهِ، أَوْ كَانَ مُفْسِدًا لِمَالِهِ دُونَ دِينِهِ حجر عليه، وإن كان مفسدا لدينه مُصْلِحًا لِمَالِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ. وَالثَّانِي لا حجر عليه، وهو اختيار أبى إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ قَوْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عباس وعبد الله ابن جَعْفَرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَمِنَ التَّابِعِينَ شُرَيْحٌ، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ: مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الشَّامِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَادَّعَى أَصْحَابُنَا الْإِجْمَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. السَّادِسَةُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ دَفْعَ الْمَالِ يَكُونُ بِشَرْطَيْنِ: إِينَاسُ الرُّشْدِ وَالْبُلُوغُ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُ الْمَالِ، كَذَلِكَ نَصُّ الْآيَةِ. وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْآيَةِ. وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالنَّخَعِيَّ فَإِنَّهُمْ أَسْقَطُوا إِينَاسَ الرُّشْدِ بِبُلُوغِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِكَوْنِهِ جَدًّا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِهِ، وَضَعْفِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْآيَتَيْنِ حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَالْمُطْلَقُ يُرَدُّ إِلَى الْمُقَيَّدِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأُصُولِ. وَمَاذَا يُغْنِي كَوْنُهُ جَدًّا إِذَا كَانَ غَيْرَ جَدٍّ، أَيْ بُخْتٍ. إِلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا شَرَطُوا فِي الْجَارِيَةِ دُخُولَ الزَّوْجِ بِهَا مَعَ الْبُلُوغِ، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ الِابْتِلَاءُ فِي الرُّشْدِ. وَلَمْ يَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَرَأَوْا الِاخْتِبَارَ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفَرَّقَ عُلَمَاؤُنَا بَيْنَهُمَا بِأَنْ قَالُوا: الْأُنْثَى مُخَالِفَةٌ لِلْغُلَامِ لِكَوْنِهَا مَحْجُوبَةً لَا تُعَانِي الْأُمُورَ وَلَا تَبْرُزُ لِأَجْلِ الْبَكَارَةِ فَلِذَلِكَ وُقِفَ فِيهَا عَلَى وُجُودِ النِّكَاحِ، فَبِهِ تُفْهَمُ الْمَقَاصِدُ كُلُّهَا. وَالذَّكَرُ بِخِلَافِهَا، فَإِنَّهُ بِتَصَرُّفِهِ وَمُلَاقَاتِهِ لِلنَّاسِ من أول نشئه إلى بلوغه يحمل لَهُ الِاخْتِبَارُ، وَيَكْمُلُ عَقْلُهُ بِالْبُلُوغِ، فَيَحْصُلُ لَهُ الْغَرَضُ. وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَصْوَبُ، فَإِنَّ نَفْسَ الوطي بِإِدْخَالِ الْحَشَفَةِ لَا يَزِيدُهَا فِي رُشْدِهَا إِذَا كَانَتْ عَارِفَةً بِجَمِيعِ أُمُورِهَا وَمَقَاصِدِهَا، غَيْرَ مُبَذِّرَةٍ لِمَالِهَا. ثُمَّ زَادَ عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا: لَا بُدَّ بعد دُخُولِ زَوْجِهَا مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ تُمَارِسُ فِيهَا الْأَحْوَالَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَذَكَرَ علماؤها فِي تَحْدِيدِهَا أَقْوَالًا عَدِيدَةً، مِنْهَا الْخَمْسَةُ الْأَعْوَامُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ فِي ذَاتِ الْأَبِ. وَجَعَلُوا فِي الْيَتِيمَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ عَلَيْهَا عَامًا وَاحِدًا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَجَعَلُوا فِي الْمُوَلَّى عَلَيْهَا مُؤَبَّدًا حَتَّى يَثْبُتَ رُشْدُهَا. وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ، وَتَحْدِيدُ الْأَعْوَامِ فِي ذَاتِ الْأَبِ عَسِيرٌ، وَأَعْسَرُ مِنْهُ تَحْدِيدُ الْعَامِ فِي الْيَتِيمَةِ. وَأَمَّا تَمَادِي الْحَجْرِ فِي الْمُوَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ رُشْدُهَا فَيُخْرِجُهَا الْوَصِيُّ عَنْهُ، أَوْ يُخْرِجُهَا الْحَكَمُ مِنْهُ فَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ الرُّشْدِ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ إِينَاسُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الرَّاشِدِ. فَاعْرِفْهُ وَرَكِّبْ عَلَيْهِ وَاجْتَنِبِ التَّحَكُّمَ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. السَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِيمَا فَعَلَتْهُ ذَاتُ الْأَبِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّدِّ لِبَقَاءِ الْحَجْرِ، وَمَا عَمِلَتْهُ بَعْدَهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا عَمِلَتْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّدِّ إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ السَّدَادُ، وَمَا عَمِلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِمْضَاءِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ السَّفَهُ. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِي دَفْعِ الْمَالِ إِلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى السُّلْطَانِ أَمْ لَا؟ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِهِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَيَثْبُتُ عِنْدَهُ رُشْدُهُ ثم يدفع إليه ما له. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَصِيِّ دُونَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى رَفْعِهِ إِلَى السُّلْطَانِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالصَّوَابُ فِي أَوْصِيَاءِ زَمَانِنَا أَلَّا يُسْتَغْنَى عَنْ رَفْعِهِ إِلَى السُّلْطَانِ وَثُبُوتِ الرُّشْدِ عِنْدَهُ، لِمَا حُفِظَ مِنْ تَوَاطُؤِ الْأَوْصِيَاءِ عَلَى أَنْ يَرْشُدَ الصَّبِيُّ، وَيَبْرَأَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ وَقِلَّةِ تَحْصِيلِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. التَّاسِعَةُ- فَإِذَا سُلِّمَ الْمَالُ إِلَيْهِ بِوُجُودِ الرُّشْدِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى السَّفَهِ بِظُهُورِ تَبْذِيرٍ وَقِلَّةِ تَدْبِيرٍ عَادَ إِلَيْهِ الْحَجْرُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعُودُ، لِأَنَّهُ بَالِغٌ عَاقِلٌ، بِدَلِيلِ جَوَازِ إِقْرَارِهِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً﴾ وَقَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ (وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا سَفِيهًا أَوْ يَطْرَأُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ. الْعَاشِرَةُ- وَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَ فِي مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه مِنْ تِجَارَةٍ وَإِبْضَاعٍ وَشِرَاءٍ وَبَيْعٍ. وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ: عَيْنٍ وَحَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ وَفِطْرَةٍ. وَيُؤَدِّي عَنْهُ أُرُوشَ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ، وَنَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ وَسَائِرَ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَيُؤَدِّيَ عَنْهُ الصَّدَاقَ، وَيَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً يَتَسَرَّرُهَا، وَيُصَالِحُ لَهُ وَعَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ. وَإِذَا قَضَى الْوَصِيُّ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ وَبَقِيَ مِنَ الْمَالِ بَقِيَّةٌ تَفِي مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ كَانَ فِعْلُ الْوَصِيِّ جَائِزًا. فَإِنْ تلف باقي المال فلا شي لِبَاقِي الْغُرَمَاءِ عَلَى الْوَصِيِّ وَلَا عَلَى الَّذِينَ اقْتَضَوْا. وَإِنِ اقْتَضَى الْغُرَمَاءُ جَمِيعَ الْمَالِ ثُمَّ أَتَى غُرَمَاءُ آخَرُونَ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالدَّيْنِ الْبَاقِي أَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ الْبَاقِي ضَمِنَ الْوَصِيُّ لِهَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءِ مَا كَانَ يُصِيبُهُمْ فِي الْمُحَاصَّةِ، وَرَجَعَ عَلَى الَّذِينَ اقْتَضَوْا دَيْنَهُمْ بِذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا [بِذَلِكَ]، وَلَا كان الميت معروفا بالدين فلا شي عَلَى الْوَصِيِّ. وَإِذَا دَفَعَ الْوَصِيُّ دَيْنَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إِشْهَادٍ ضَمِنَ. وَأَمَّا إِنْ أَشْهَدَ وَطَالَ الزمان حتى مات الشهود فلا شي عَلَيْهِ. وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) مِنْ أَحْكَامِ الْوَصِيِّ فِي الْإِنْفَاقِ وَغَيْرِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّ أَكْلَ مَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ جَائِزٌ، فَيَكُونُ لَهُ دَلِيلُ خِطَابٍ، بَلِ الْمُرَادُ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ فَإِنَّهُ إِسْرَافٌ. فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْأَوْصِيَاءَ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى بِغَيْرِ الْوَاجِبِ الْمُبَاحِ لَهُمْ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَالْإِسْرَافُ فِي اللُّغَةِ الْإِفْرَاطُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آلِ عِمْرَانَ وَالسَّرَفُ الْخَطَأُ فِي الْإِنْفَاقِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةً ... مَا فِي عَطَائِهِمْ من ولا سرف

أَيْ لَيْسَ يُخْطِئُونَ مَوَاضِعَ الْعَطَاءِ. وَقَالَ آخَرُ:

وَقَالَ قَائِلُهُمْ وَالْخَيْلُ تَخْبِطُهُمْ ... أَسْرَفْتُمُ فَأَجَبْنَا أَنَّنَا سَرَفُ

قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: السَّرَفُ التَّبْذِيرُ، وَالسَّرَفُ الْغَفْلَةُ. وَسَيَأْتِي لِمَعْنَى الْإِسْرَافِ زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي (الْأَنْعَامِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَبِداراً) مَعْنَاهُ وَمُبَادَرَةَ كِبَرِهِمْ، وَهُوَ حَالُ الْبُلُوغِ. وَالْبِدَارُ وَالْمُبَادَرَةُ كَالْقِتَالِ وَالْمُقَاتَلَةِ. وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى (إِسْرافاً) ". وَ (أَنْ يَكْبَرُوا) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (بِداراً)، أَيْ لَا تَسْتَغْنِمْ مَالَ مَحْجُورِكَ فَتَأْكُلَهُ وَتَقُولَ أُبَادِرُ كِبَرَهُ لِئَلَّا يَرْشُدَ وَيَأْخُذَ مَالَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. الثَّانِيةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الْآيَةَ. بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَأَمَرَ الْغَنِيَّ بِالْإِمْسَاكِ وَأَبَاحَ لِلْوَصِيِّ الْفَقِيرِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ وَلِيِّهِ بِالْمَعْرُوفِ. يُقَالُ: عَفَّ الرَّجُلُ عَنِ الشَّيْءِ وَاسْتَعَفَّ إِذَا أَمْسَكَ. وَالِاسْتِعْفَافُ عَنِ الشَّيْءِ تَرْكُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكاحاً). وَالْعِفَّةُ: الِامْتِنَاعُ عَمَّا لَا يَحِلُّ وَلَا يَجِبُ فِعْلُهُ. رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي فقير ليس لي شي وَلِي يَتِيمٌ. قَالَ: فَقَالَ: (كُلْ مِنْ مَالِ يتيمك غير مسرف ولا مباذر وَلَا مُتَأَثِّلٍ). الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مَنِ الْمُخَاطَبُ وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ؟ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا جَازَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. فِي رِوَايَةٍ: بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ الْيَتِيمُ إِنْ كَانَ غَنِيًّا وَسَّعَ عَلَيْهِ وَأَعَفَّ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ، قاله رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْيَتِيمَ لَا يُخَاطَبُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِصِغَرِهِ وَلِسَفَهِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ عشرة- واختلف الجمهور في الا كل بِالْمَعْرُوفِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْقَرْضُ إِذَا احْتَاجَ وَيَقْضِي إِذَا أَيْسَرَ، قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدَةُ وَابْنُ جُبَيْرٍ والشعبي وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَلَا يَسْتَسْلِفُ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ. قَالَ عُمَرُ: أَلَا إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللَّهِ مَنْزِلَةَ الْوَلِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ. رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ: قَرْضًا- ثُمَّ تَلَا (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ). وَقَوْلٌ ثَانٍ- رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ: لَا قَضَاءَ عَلَى الْوَصِيِّ الْفَقِيرِ فِيمَا يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّ النَّظَرِ، وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ. قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ طُعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَأْكُلُ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَيَكْتَسِي مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَلَا يَلْبَسُ الرَّفِيعَ مِنَ الْكَتَّانِ وَلَا الْحُلَلَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ النَّاظِرَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُ مَا أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ سَهْمَهُ فِي مَالِ اللَّهِ. فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِ عُمَرَ: فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ- أَنْ لَوْ صَحَّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّ الْأَكْلَ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ كَالِانْتِفَاعِ بِأَلْبَانِ الْمَوَاشِي، وَاسْتِخْدَامِ الْعَبِيدِ، وَرُكُوبِ الدَّوَابِّ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِأَصْلِ الْمَالِ، كَمَا يَهْنَأُ الْجَرْبَاءَ، وَيَنْشُدُ الضَّالَّةَ، وَيَلُوطُ الْحَوْضَ، وَيَجُذُّ التَّمْرَ. فَأَمَّا أَعْيَانُ الْأَمْوَالِ وَأُصُولُهَا فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَخْذُهَا. وَهَذَا كُلُّهُ يُخَرَّجُ مَعَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ يَأْخُذُ بِقَدْرِ أَجْرِ عَمَلِهِ، وَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمَةٌ. وَفَرَّقَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ- وَيُقَالُ ابْنُ حَيَّانَ- بَيْنَ وَصِيِّ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ، فَلِوَصِيِّ الْأَبِ أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا وَصِيُّ الْحَاكِمِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْمَالِ بِوَجْهٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ. وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) وَهَذَا لَيْسَ بِتِجَارَةٍ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: إِنَّ الرُّخْصَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) الآية. وحكى بشر بن الوليد عن أبى يُوسُفَ قَالَ: لَا أَدْرِي، لَعَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ). وَقَوْلٌ خَامِسٌ- وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَيُمْنَعُ إِذَا كَانَ مُقِيمًا مَعَهُ فِي الْمِصْرِ. فَإِذَا احْتَاجَ أَنْ يُسَافِرَ مِنْ أَجْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَلَا يَقْتَنِي شَيْئًا، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَقَوْلٌ سَادِسٌ- قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا يَجْنِي مِنَ الْغَلَّةِ، فَأَمَّا الْمَالُ النَّاضُّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ. وَقَوْلٌ سَابِعٌ- رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ: إِذَا احْتَاجَ وَاضْطُرَّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ أخذ منه، فإن وجد أو في. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ إِذَا اضْطُرَّ هَذَا الِاضْطِرَارَ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا يُقِيمُهُ مِنْ مَالِ يَتِيمِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَالنَّخَعِيُّ: الْمُرَادُ أَنْ يَأْكُلَ الْوَصِيُّ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى مَالِ الْيَتِيمِ، فَيَسْتَعْفِفُ الْغَنِيُّ بِغِنَاهُ، وَالْفَقِيرُ يُقَتِّرُ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى مَالِ يَتِيمِهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، لِأَنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ محظورة لا يطلق شي مِنْهَا إِلَّا بِحُجَّةٍ قَاطِعَةٍ. قُلْتُ: وَقَدِ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ، فَقَالَ: (تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمُونَ مِنَ السَّلَفِ بِحُكْمِ الْآيَةِ أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ قَدْرًا لَا يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ السَّرَفِ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي [مَالِ [الْيَتِيمِ. فَقَوْلُهُ: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) يَرْجِعُ إِلَى [أَكْلِ [مَالِ نَفْسِهِ دُونَ مَالِ الْيَتِيمِ. فَمَعْنَاهُ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَ الْيَتِيمِ مَعَ أَمْوَالِكُمْ، بَلِ اقْتَصِرُوا عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِكُمْ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾. وَبَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبُلْغَةِ، حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، فَهَذَا تَمَامُ مَعْنَى الآية.

فَقَدْ وَجَدْنَا آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ تَمْنَعُ أَكْلَ مَالِ الْغَيْرِ دُونَ رِضَاهُ، سِيَّمَا فِي حَقِّ الْيَتِيمِ. وَقَدْ وَجَدْنَا هَذِهِ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعَانِي، فَحَمْلُهَا عَلَى مُوجِبِ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ مُتَعَيِّنٌ. فَإِنْ قَالَ مَنْ يَنْصُرُ مَذْهَبَ السَّلَفِ: إِنَّ الْقُضَاةَ يَأْخُذُونَ أَرْزَاقَهُمْ لِأَجْلِ عَمَلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَلَّا كَانَ الْوَصِيُّ كَذَلِكَ إِذَا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ، وَلِمَ لَا يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ؟ قِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ لَمْ يُجَوِّزْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ مَعَ غِنَى الْوَصِيِّ، بِخِلَافِ الْقَاضِي، فَذَلِكَ فَارِقٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَأَيْضًا فَالَّذِي يَأْخُذُهُ الْفُقَهَاءُ وَالْقُضَاةُ وَالْخُلَفَاءُ الْقَائِمُونَ بِأُمُورِ الْإِسْلَامِ لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مَالِكٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَالَ الضَّائِعَ لِأَصْنَافٍ بِأَوْصَافٍ، وَالْقُضَاةُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَالْوَصِيُّ إِنَّمَا يَأْخُذُ بِعَمَلِهِ مَالَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَعَمَلُهُ مَجْهُولٌ وَأُجْرَتُهُ مَجْهُولَةٌ وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ. قُلْتُ: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ يَقُولُ: إِنْ كَانَ مَالُ الْيَتِيمِ كَثِيرًا يَحْتَاجُ إِلَى كَبِيرِ قِيَامٍ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُ الْوَلِيَّ عَنْ حَاجَاتِهِ وَمُهِمَّاتِهِ فُرِضَ لَهُ فِيهِ أَجْرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ كَانَ تَافِهًا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ حَاجَاتِهِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ شُرْبُ قَلِيلِ اللَّبَنِ وَأَكْلِ الْقَلِيلِ مِنَ الطَّعَامِ وَالسَّمْنِ، غَيْرَ مُضِرٍّ بِهِ وَلَا مُسْتَكْثِرٍ لَهُ، بَلْ عَلَى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَمَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَنَيْلِ الْيَسِيرِ مِنَ التَّمْرِ وَاللَّبَنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْرُوفٌ، فَصَلُحَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَالِاحْتِرَازُ عَنْهُ أَفْضَلُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. [وَأَمَّا مَا يَأْخُذُهُ قَاضِي الْقِسْمَةِ وَيُسَمِّيهِ رَسْمًا وَنَهْبُ أَتْبَاعِهِ فَلَا أَدْرِي لَهُ وَجْهًا وَلَا حِلًّا، وَهُمْ دَاخِلُونَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا)]. الْخَامِسَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِشْهَادِ تَنْبِيهًا عَلَى التَّحْصِينِ وَزَوَالًا لِلتُّهَمِ. وَهَذَا الْإِشْهَادُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَصِيِّ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ فَرْضٌ، وَهُوَ ظاهر الآية، وليس بِأَمِينٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَالْوَكِيلِ إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ رَدَّ مَا دُفِعَ إِلَيْهِ أَوِ الْمُودَعِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمِينٌ لِلْأَبِ، وَمَتَى ائْتَمَنَهُ الْأَبُ لا يقبل قوله على غير. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ لِزَيْدٍ مَا أَمَرَهُ بِهِ بِعَدَالَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ. وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ هَذَا الْإِشْهَادَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى دَفْعِ الْوَصِيِّ فِي يُسْرِهِ مَا اسْتَقْرَضَهُ مِنْ مَالِ يَتِيمِهِ حَالَةَ فَقْرِهِ. قَالَ عُبَيْدَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَكَلَ، الْمَعْنَى: فَإِذَا اقْتَرَضْتُمْ أَوْ أَكَلْتُمْ فَأَشْهِدُوا إِذَا غَرِمْتُمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّفْظَ يَعُمُّ هَذَا وَسِوَاهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إِذَا أَنْفَقْتُمْ شيئا على المولى عليه فأشهدوا، حتى لو وَقَعَ خِلَافٌ أَمْكَنَ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ كُلَّ مَالٍ قُبِضَ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ بِإِشْهَادٍ لَا يُبْرَأُ مِنْهُ إِلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِهِ، لِقَوْلِهِ تعالى: (فَأَشْهِدُوا) فإذ دَفَعَ لِمَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِشْهَادٍ فَلَا يَحْتَاجُ فِي دَفْعِهَا لِإِشْهَادٍ إِنْ كَانَ قَبْضُهَا بغير إشهاد. والله أعلم. السادسة عشرة- كَمَا عَلَى الْوَصِيِّ وَالْكَفِيلِ حِفْظُ مَالِ يَتِيمِهِ وَالتَّثْمِيرُ لَهُ، كَذَلِكَ عَلَيْهِ حِفْظُ الصَّبِيِّ فِي بَدَنِهِ. فَالْمَالُ يَحْفَظُهُ بِضَبْطِهِ، وَالْبَدَنُ يَحْفَظُهُ بِأَدَبِهِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْبَقَرَةِ). وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ فِي حِجْرِي يَتِيمًا أَآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ غَيْرُ مُتَأَثِّلٍ مَالًا وَلَا وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَأَضْرِبُهُ؟ قَالَ: (مَا كُنْتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ). قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مُسْنَدًا فَلَيْسَ يَجِدُ أَحَدٌ عَنْهُ مُلْتَحَدًا. السَّابِعَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ أَيْ كَفَى اللَّهُ حَاسِبًا لِأَعْمَالِكُمْ وَمُجَازِيًا بِهَا. فَفِي هَذَا وَعِيدٌ لِكُلِّ جَاحِدِ حَقٍّ. وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَهُوَ في موضع رفع.

حواشي المحقق

راجع المسألة الثالثة عشرة ج ١ ص ٣٨٧.

الواو بمنى أو.

في ى: ينفقه.

راجع ج ١٢ ص ٣٠٨

أي عرضه رسول الله ﷺ ليعرف حاله.

في ج وز وا: عدم.

في ج وب وط: على ما روى.

المواسي جمع موسى، أي نبت شعر عانته وهو الذي يجرى عليه الموسى، وهذا عند بنى إسرائيل كالمسلمين وكالختان.

مئزره كناية عن العورة أي اسودت بالشعر والعرب تسمى اللون الأسود أخضر.

كان حكمه فيهم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم. وقد قال له ﷺ: (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بحكم الله من فوق سبع سموات). راجع ترجمته في الاستيعاب.

في ز وى.

في ط وج وب وز: لا يتعلق.

في ط: اختارها.

راجع ج ١٣ ص ٢٨٠.

تمام البيت: كَأَنَّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا يَوْمَ الجليل على مستأنس وحد الوحد: المنفرد.

حبان: بفتح الحاء، وقد ذكر في ج ٣ ص ٣٨٦ وفيه: وفي عقله. وهي رواية أخرى.

كذا في جميع الأصول. وهي رواية، ففي النهاية: أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه.

حبان: بفتح الحاء، وقد ذكر في ج ٣ ص ٣٨٦ وفيه: وفي عقله. وهي رواية أخرى.

كذا في الأصول. وفى أحكام القرآن لابن العربي: (قلنا هذا ضعيف، لأنه إذا كان جدا ولم يكن ذا جد فماذا ينفعه جد النسب وجد البخت فائت (.) (

في اوح وز: إلى.

راجع ج ٣ ص ٣٧٦.

في ج: في تجارة أو بضاعة.

من ج.

راجع ج ٣ ص ٦٥.

راجع ج ٤ ص ٢٣١.

البيت لجرير يمدح بنى أمية، وهنيدة: اسم لكل مائة من الإبل.

راجع ج ٧ ص ١١٠.

راجع ج ١٢ ص ٢٤٣.

متأثل: جامع، يقال: مال موثل أي مجموع ذو أصل.

هنأ الإبل: طلاها بالهناء، وهو ضرب من القران.

لاط الحوض: طلاه بالطين وأصلحه.

راجع ص ١٤٩ من هذا الجزء.

الناض: الدرهم والدينار عند أهل الحجاز ويسمى ناضا إذا تحول نقدا بعد أن كان متاعا.

في ب وط وز: يقوت. ولا معنى له. وفي اللغة: أقات على الشيء: اقتدر عليه.

في ب: يأخذ.

زيادة عن أحكام القرآن للكيا الطبري.

في ب: يأخذ.

في ج: السن.

هذه الزيادة لا توجد الا في أوح.

في ب وى وط وهـ: إذا أدعى أنه دفع إلى إلخ.

في ب: فيما يضبطه.

راجع ج ٣ ص ٦٢.

متأثل: جامع.

ملتحدا: منصرفا.

تفسير الطبري

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وابتلوا اليتامى"، واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم، كما:-

٨٥٧١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله:"وابتلوا اليتامى"، قالا يقول: اختبروا اليتامى.

٨٥٧٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"ابتلوا اليتامى"، فجرِّبوا عقولهم.

٨٥٧٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"وابتلوا اليتامى"، قال: عقولهم.

٨٥٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وابتلوا اليتامى"، قال: اختبروهم.

اقرأ بقية تفسير الطبري

٨٥٧٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح"، قال: اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو. إذا عُرِف أنه قد أُنِس منه رُشد، دفع ليه ماله. قال: وذلك بعد الاحتلام.

* * *

قال أبو جعفر: وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى"الابتلاء" الاختبار، بما فيه الكفاية عن إعادته.

* * *

وأمّا قوله:"إذا بلغوا النكاح"، فإنه يعني: إذا بلغوا الحلم: كما:-

٨٥٧٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"حتى إذا بلغوا النكاح"، حتى إذا احتلموا.

٨٥٧٧ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"حتى إذا بلغوا النكاح"، قال: عند الحلم.

٨٥٧٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"حتى إذا بلغوا النكاح"، قال: الحلم.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾

قال أبو جعفر: يعني قوله:"فإن آنستم منهم رُشدًا"، فإن وجدتم منهم وعرفتم، كما:-

٨٥٧٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فإن آنستم منهم رشدًا"، قال: عرفتم منهم.

* * *

يقال:"آنست من فلان خيرًا- وبِرًا"= بمد الألف="إيناسًا"، و"أنست به آنَسُ أُنْسًا"، بقصر ألفها، إذا ألِفه.

* * *

وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله: ﴿فإن أحسيتم منهم رشدا﴾ ، بمعنى: أحسستم، أي: وجدتم.

* * *

واختلف أهل التأويل في معنى:"الرشد" الذي ذكره الله في هذه الآية.

فقال بعضهم: معنى"الرشد" في هذا الموضع، العقل والصلاح في الدين.

* ذكر من قال ذلك:

٨٥٨٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فإن آنستم منهم رشدًا"، عقولا وصلاحًا.

٨٥٨١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فإن آنستم منهم رشدًا"، يقول: صلاحًا في عقله ودينه.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: صلاحًا في دينهم، وإصلاحًا لأموالهم.

* ذكر من قال ذلك:

٨٥٨٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن مبارك، عن الحسن قال: رشدًا في الدين، وصلاحًا، وحفظًا للمال.

٨٥٨٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فإن آنستم منهم رشدًا"، في حالهم، والإصلاحَ في أموالهم.

* * *

وقال آخرون: بل ذلك العقلُ، خاصة.

* ذكر من قال ذلك:

٨٥٨٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: لا ندفع إلى اليتيم ماله وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخًا، حتى يؤنس منه رشده، العقل.

٨٥٨٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد:"آنستم منهم رشدًا"، قال: العقل.

٨٥٨٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو شبرمة، عن الشعبي قال: سمعته يقول: إن الرجل ليأخُذُ بلحيته وما بلغ رُشده.

* * *

وقال آخرون: بل هو الصلاح والعلم بما يصلحه.

* ذكر من قال ذلك:

٨٥٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"فإن آنستم منهم رشدًا"، قال: صلاحًا وعلمًا بما يصلحه.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بمعنى"الرشد" في هذا الموضع، العقل وإصلاح المال = لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك، لم يكن ممن يستحق الحجرَ عليه في ماله، وحَوْزَ ما في يده عنه، وإن كان فاجرًا في دينه. وإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال في يَدي وصيِّ أبيه، أو في يد حاكم قد وَلي ماله لطفولته= واجبٌ عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاقلا بالغًا، مصلحًا لماله= غير مفسد، لأن المعنى الذي به يستحق أن يولَّى على ماله الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحق أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد وليّ، فإنه لا فرق بين ذلك.

وفي إجماعهم على أنه غير جائز حيازة ما في يده في حال صحة عقله وإصلاح ما في يده، الدليلُ الواضح على أنه غير جائز منْع يده مما هو له في مثل ذلك الحال، وإن كان قبل ذلك في يد غيره، لا فرْق بينهما. ومن فرَّق بين ذلك، عُكِس عليه القول في ذلك، وسئل الفرق بينهما من أصل أو نظير، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

فإذ كان ما وصفنا من الجميع إجماعًا، فبيُّنٌ أن"الرشد" الذي به يستحق اليتيم، إذا بلغ فأونس منه، دَفْعَ ماله إليه، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله.

* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره ولاةَ أموال اليتامى. يقول الله لهم: فإذا بلغ أيتامكم الحلم، فآنستم منهم عقلا وإصلاحًا لأموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تحبسوها عنهم.

* * *

وأما قوله:"فلا تأكلوها إسرافًا"، يعني: بغير ما أباحه الله لك، كما:-

٨٥٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن:"ولا تأكلوها إسرافًا"، يقول: لا تسرف فيها.

٨٥٨٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولا تأكلوها إسرافًا"، قال: يسرف في الأكل.

وأصل"الإسراف": تجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ. وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير. غير أنه إذا كان في الإفراط، فاللغة المستعملة فيه أن يقال:"أسْرف يُسرف إسرافًا"= وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلام منه:"سَرِف يَسْرَفُ سَرَفًا"، يقال:"مررت بكم فسَرَفْتكم"، يراد منه: فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال الشاعر:

أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ ... مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلا سَرَفُ

يعني بقوله:"ولا سرف"، لا خطأ فيه، يراد به: أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وبدارًا"، ومبادرة. وهو مصدر من قول القائل:"بادرت هذا الأمر مبادرة وبِدارًا".

* * *

وإنما يعني بذلك جل ثناؤه ولاةَ أموال اليتامى. يقول لهم: لا تأكلوا أموالهم إسرافًا -يعني ما أباح الله لكم أكله- ولا مبادرة منكم بلوغَهم وإيناسَ الرشد منهم، حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم، كما:-

٨٥٩٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"إسرافًا وبدارًا"، يعني: أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله.

٨٥٩١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن:"ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا"، يقول: لا تسرف فيها ولا تبادره.

٨٥٩٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وبدارًا"، تبادرًا أن يكبروا فيأخذوا أموالهم.

٨٥٩٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إسرافًا وبدارًا"، قال: هذه لولي اليتيم يأكله، جعلوا له أن يأكل معه، إذا لم يجد شيئًا يضع يده معه، فيذهب يؤخره، يقول:"لا أدفع إليه ماله"، وجعلتَ تأكله تشتهي أكله، لأنك إذا لم تدفعه إليه لك فيه نصيب، وإذا دفعته إليه فليس لك فيه نصيب.

* * *

وموضع"أن" في قوله:"أن يكبروا" نصبٌ بـ"المبادرة"، لأن معنى الكلام: لا تأكلوها مبادرة كِبرهم.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ومن كان غنيًّا"، من ولاة أموال اليتامى على أموالهم، فليستعفف بماله عن أكلها -بغير الإسراف والبدار أن يكبروا- بما أباح الله له أكلها به، كما:-

٨٥٩٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش =وابن أبي ليلى، عن الحكم= عن مقسم، عن ابن عباس في قوله:"ومن كان غنيًّا فليستعفف"، قال: بغناه من ماله، حتى يستغنى عن مال اليتيم.

٨٥٩٥ - وبه قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله:"ومن كان غنيًّا فليستعفف" بغناه.

٨٥٩٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله: "ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: من مال نفسه، ومن كان فقيرًا منهم، إليها محتاجًا، فليأكل بالمعروف.

* * *

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في"المعروف" الذي أذن الله جل ثناؤه لولاة أموالهم أكلها به، إذا كانوا أهل فقر وحاجة إليها.

فقال بعضهم: ذلك هو القرضُ يستقرضه من ماله ثم يقضيه.

* ذكر من قال ذلك:

٨٥٩٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنّي أنزلت مالَ الله تعالى مني بمنزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت.

٨٥٩٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية، عن زهير، عن العلاء بن المسيب، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: وهو القرض.

٨٥٩٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت يونس، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، أنه قال في هذه الآية:"ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: الذي ينفق من مال اليتيم، يكون عليه قرضًا.

٨٦٠٠ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال، سألت عبيدة عن قوله:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: إنما هو قرض، ألا ترى أنه قال:"فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم"؟ قال: فظننت أنه قالها برأيه.

٨٦٠١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشام، عن محمد، عن عبيدة في قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، وهو عليه قرض.

٨٦٠٢ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: المعروف القرض، ألا ترى إلى قوله:"فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم"؟

٨٦٠٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة= مثل حديث هشام.

٨٦٠٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، يعني القرض.

٨٦٠٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، يقول: إن كان غنيًّا، فلا يحل له من مال اليتيم أن يأكل منه شيئًا، وإن كان فقيرًا فليستقرض منه، فإذا وجد مَيْسرة فليعطه ما استقرض منه، فذلك أكله بالمعروف.

٨٦٠٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي يذكر، عن حماد، عن سعيد بن جبير قال: يأكل قرضًا بالمعروف.

٨٦٠٧ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن سعيد بن جبير قال: هو القرض، ما أصاب منه من شيء قضاه إذا أيسر= يعني قوله:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف".

٨٦٠٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا حماد قال، سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: إن أخذ من ماله قدر قوته قرضًا، فإن أيسر بعدُ قضاه، وإن حضره الموت ولم يوسر، تحلَّله من اليتيم. وإن كان صغيرًا تحلله من وليه.

٨٦٠٩ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير: فليأكل قرضًا.

٨٦١٠ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: هو القرض.

٨٦١١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة، فإن أكل منه شيئًا قضاه.

٨٦١٢ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"فليأكل بالمعروف"، قال: قرضًا.

٨٦١٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٨٦١٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فليأكل بالمعروف"، قال: سَلفًا من مال يتيمه.

٨٦١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد= وعن حماد، عن سعيد بن جبير="فليأكل بالمعروف"، قالا هو القرض= قال الثوري: وقاله الحكم أيضًا، ألا ترى أنه قال:"فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم"؟

٨٦١٦ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حجاج، عن مجاهد قال: هو القرض، ما أصاب منه من شيء قضاه إذا أيسر= يعني:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف".

٨٦١٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"فليأكل بالمعروف"، قال: القرض، ألا ترى إلى قوله:"فإذا دفعتم إليهم أموالهم"؟

٨٦١٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل قال: قرضًا.

٨٦١٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير قال: إذا احتاج الوليُّ أو افتقر فلم يجد شيئًا، أكل من مال اليتيم وكَتَبه، فإن أيسر قضاه، وإن لم يوسر حتى تحضره الوفاة، دعا اليتيمَ فاستحلَّ منه ما أكل.

٨٦٢٠ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، من مال اليتيم، بغير إسراف ولا قضاءَ عليه فيما أكل منه.

* * *

واختلف قائلو هذا القول في معنى:"أكل ذلك بالمعروف". فقال بعضهم: أن يأكل من طعامه بأطراف الأصابع، ولا يلبس منه.

* ذكر من قال ذلك:

٨٦٢١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن السدي قال، أخبرني من سمع ابن عباس يقول:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: بأطراف أصابعه.

٨٦٢٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان، عن السدي، عمن سمع ابن عباس يقول، فذكر مثله.

٨٦٢٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، يقول:"فمن كان غنيًا" مَنْ وَلِيَ مال اليتيم، فليستعفف عن أكله ="ومن كان فقيرًا"، مَنْ وَلِيَ مال اليتيم، فليأكل معه بأصابعه، لا يسرف في الأكل، ولا يلبس.

٨٦٢٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا حرمي بن عمارة قال، حدثنا شعبة، عن عمارة، عن عكرمة في مال اليتيم: يدُك مع أيديهم، ولا تتخذ منه قَلَنْسُوة.

٨٦٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وعكرمة قالا تضع يدك مع يده.

* * *

وقال آخرون: بل"المعروف" في ذلك: أن يأكل ما يسدُّ جوعه، ويلبس ما وارَى العورة.

* ذكر من قال ذلك:

٨٦٢٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: إن المعروف ليس بِلبس الكتَّان ولا الحُلَل، ولكن ما سدَّ الجوع ووارى العورة.

٨٦٢٧ - حدثنا بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كان يقال: ليس المعروف بلبس الكتان والحلل، ولكن المعروفَ ما سد الجوع ووارى العورة.

٨٦٢٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم نحوه.

٨٦٢٩ - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو معبد قال: سئل مكحول عن وَالي اليتيم، ما أكله بالمعروف إذا كان فقيرًا؟ قال: يده مع يده. قيل له: فالكسوة؟ قال: يلبس من ثيابه، فأما أن يتخذ من ماله مالا لنفسه فلا.

٨٦٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله:"فليأكل بالمعروف"، قال: ما سد الجوع ووارى العورة. أما إنه ليس لَبُوس الكتان والحلل.

* * *

وقال آخرون: بل ذلك"المعروف"، أكل تمْره، وشرب رِسْل ماشيته، بقيامه على ذلك، فأما الذهب والفضة، فليس له أخذ شيء منهما إلا على وجه القرض.

* ذكر من قال ذلك:

٨٦٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أموالَ أيتام؟ وهو يستأذنه أن يصيب منها، فقال ابن عباس: ألست تبغي ضالتها؟ قال: بلى! قال: ألست تهنأ جَرْباها؟ قال: بلى! قال: ألست تَلُطُّ حياضها؟ قال: بلى! قال: ألست تَفْرِط عليها يوم وِرْدها؟ قال: بلى! قال: فأصِبْ من رسلها= يعني: من لبنها.

٨٦٣٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتامًا، وإن لهم إبلا ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر، فماذا يحلّ لي من ألبانها؟ قال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقى عليها، فاشرب غير مُضرّ بنسل، ولا ناهكٍ في الحلب.

٨٦٣٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن أبي العالية في هذه الآية:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: من فَضل الرِّسل والتمرة.

٨٦٣٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي العالية في والي مال اليتيم قال: يأكل من رسل الماشية ومن التمرة لقيامه عليه، ولا يأكل من المال. وقال: ألا ترى أنه قال:"فإذا دفعتم إليهم أموالهم"؟

٨٦٣٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال سمعت داود، عن رُفيع أبي العالية قال: رُخّص لولي اليتيم أن يصيب من الرِّسل ويأكل من التمرة، وأما الذهب والفضة فلا بد أن تردّ. ثم قرأ:"فإذا دفعتم إليهم أموالهم"، ألا ترى أنه قال:"لا بد من أن يدفع"؟

٨٦٣٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف، عن الحسن أنه قال: إنما كانت أموالهم إذْ ذاك النخل والماشية، فرخّص لهم إذا كان أحدهم محتاجًا أن يصيب من الرِّسْل.

٨٦٣٧ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي في قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: إذا كان فقيرًا أكل من التمر، وشرب من اللبن، وأصاب من الرسل.

٨٦٣٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، ذكر لنا أن عَمَّ ثابت بن رفاعة =وثابت يومئذ يتيمٌ في حجره= من الأنصار، أتى نبيّ الله ﷺ فقال: يا نبي الله، إن ابن أخي يتيمٌ في حجري، فما يحلُّ لي من ماله؟ قال: أن تأكل بالمعروف، من غير أن تقي مالك بماله، ولا تتخذ من ماله وَفْرًا. وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل، فيقوم وليه على صلاحه وَسقيه، فيصيب من تمرته، أو تكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها، أو يلي علاجها ومؤونتها، فيصيب من جُزَازها وَعوارضها ورِسْلها. فأما رقاب المال وأصول المال، فليس له أن يستهلكه.

٨٦٣٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد ابن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، يعني ركوب الدابة وخدمة الخادم. فإن أخذ من ماله قرضًا في غنى، فعليه أن يؤديه، وليس له أن يأكل من ماله شيئا.

* * *

وقال آخرون منهم: له أن يأكل من جميع المال، إذا كان يلي ذلك، وإن أتى على المال، ولا قضاء عليه.

* ذكر من قال ذلك:

٨٦٤٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسماعيل بن صبيح، عن أبي أوَيس، عن يحيى بن سعيد وربيعة جميعًا، عن القاسم بن محمد قال: سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عما يصلُح لوليّ اليتيم قال: إن كان غنيًّا فليستعفف، وإن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف.

٨٦٤١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان يقول: يحل لوليِّ الأمر ما يحلّ لولي اليتيم:" من كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف".

٨٦٤٢ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا الفضل بن عطية، عن عطاء بن أبي رباح في قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: إذا احتاج فليأكل بالمعروف، فإن أيسر بعد ذلك فلا قضاء عليه.

٨٦٤٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا ذكر الله تبارك وتعالى مال اليتامى فقال:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، ومعروفُ ذلك: أن يتقي الله في يتيمه.

٨٦٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم: أنه كان لا يرى قضاءً على وليّ اليتيم إذا أكل وهو محتاجٌ.

٨٦٤٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم:"فليأكل بالمعروف"، في الوصي، قال: لا قضاء عليه.

٨٦٤٦ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: إذا عمل فيه وليُّ اليتيم أكل بالمعروف.

٨٦٤٧ - حدثنا بشر بن محمد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إذا احتاج أكل بالمعروف من المال طُعْمَةً من الله له.

٨٦٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن البصري قال: قال رجل للنبي ﷺ: إن في حجري يتيمًا، أفأضربه؟ قال: فيما كنت ضاربًا منه ولدك؟ قال: أفأصيب من ماله؟ قال: بالمعروف، غير متأثِّل مالا ولا واقٍ مالك بماله.

٨٦٤٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن الزبير بن موسى، عن الحسن البصري، مثله.

٨٦٥٠ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء أنه قال: يضع يده مع أيديهم فيأكل معهم، كقَدْر خدمته وقَدْرِ عمله.

٨٦٥١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: والي اليتيم، إذا كان محتاجًا، يأكل بالمعروف لقيامه بماله.

٨٦٥٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، وسألته عن قول الله تبارك وتعالى:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، قال: إن استغنى كفَّ، وإن كان فقيرًا أكل بالمعروف. قال: أكل بيده معهم، لِقيامه على أموالهم، وحفظه إياها، يأكل مما يأكلون منه. وإن استغنى كفَّ عنه ولم يأكل منه شيئًا.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال:"المعروف" الذي عناه الله تبارك وتعالى في قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه= فأما على غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله.

وذلك أن الجميع مجمعون على أن والي اليتيم لا يملك من مال يتيمه إلا القيام بمصلحته. فلما كان إجماعًا منهم أنه غير مالكه، وكان غيرَ جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره، يتيمًا كان ربُّ المال أو مدركًا رشيدًا= وكان عليه إن تعدَّى فاستهلكه بأكل أو غيره، ضمانه لمن استهلكه عليه، بإجماع من الجميع= وكان والي اليتيم سبيلُه سبيل غيره في أنه لا يملك مال يتيمه = كان كذلك حكمه فيما يلزمه من قضائه إذا أكل منه، سبيلُه سبيلُ غيره، وإن فارقه في أنّ له الاستقراضَ منه عند الحاجة إليه، كما له الاستقراض عليه عند حاجته إلى ما يستقرض عليه، إذا كان قيِّمًا بما فيه مصلحته.

* * *

ولا معنى لقول من قال:"إنما عنى بالمعروف في هذا الموضع، أكل والي اليتيم من مال اليتيم، لقيامه عليه على وجه الاعتياض على عَمله وسعيه". لأنّ لوالي اليتيم أن يؤاجر نفسه منه للقيام بأموره، إذا كان اليتيم محتاجًا إلى ذلك بأجرة معلومة، كما يستأجر له غيره من الأجَراء، وكما يشتري له مَن يعينه، غنيًّا كان الوالي أو فقيرًا.

وإذ كان ذلك كذلك= وكان الله تعالى ذكره قد دل بقوله:"ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، على أن أكل مال اليتيم إنما أذن لمن أذن له من وُلاته في حال الفقر والحاجة= وكانت الحالُ التي للولاة أن يُؤجروا أنفسهم من الأيتام مع حاجة الأيتام إلى الأجراء، غير مخصوص بها حال غِنًى ولا حال فقر = كان معلومًا أن المعنى الذي أبيح لهم من أموال أيتامهم في كل أحوالهم، غير المعنى الذي أبيح لهم ذلك فيه في حال دون حال.

ومن أبى ما قلنا، ممن زعم أن لولي اليتيم أكل مال يتيمه عند حاجته إليه على غير وجه القرض، استدلالا بهذه الآية= قيل له: أمجمَعٌ على أن الذي قلت تأويل قوله:"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"؟

فإن قال: لا!

قيل له: فما برهانك على أن ذلك تأويله، وقد علمت أنه غيرُ مالك مالَ يتيمه؟

فإن قال: لأن الله أذن له بأكله!

قيل له: أذن له بأكله مطلقًا أم بشرط؟

فإن قال: بشرطٍ، وهو أن يأكله بالمعروف.

قيل له: وما ذلك"المعروف"؟ وقد علمت القائلين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين أن ذلك هو أكله قرضًا وسلَفًا؟

ويقال لهم أيضًا مع ذلك: أرأيت المولَّى عليهم في أموالهم من المجانين والمعاتيه، ألولاة أموالهم أن يأكلوا من أموالهم عند حاجتهم إليه على غير وجه القرض لا الاعتياض من قيامهم بها، كما قلتم ذلك في أموال اليتامى فأبحتموها لهم؟ فإن قالوا: ذلك لهم= خرجوا من قول جميع الحجة.

وإن قالوا: ليس ذلك لهم.

قيل لهم: فما الفرق بين أموالهم وأموال اليتامى، وحكمُ ولاتهم واحدٌ: في أنهم ولاة أموال غيرهم؟ فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله.

ويُسألون كذلك عن المحجور عليه: هل لمن يلي ماله أن يأكل ماله عند حاجته إليه؟ نحو سؤالِنَاهُمْ عن أموال المجانين والمعاتيه.

* * *

القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا دفعتم، يا معشرَ ولاة أموال اليتامى، إلى اليتامى أموالهم="فأشهدوا عليهم"، يقول: فأشهدوا على الأيتام باستيفائهم ذلك منكم، ودفعكموه إليهم، كما:-

٨٦٥٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم"، يقول: إذا دفع إلى اليتيم ماله، فليدفعه إليه بالشهود، كما أمره الله تعالى.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكفى بالله كافيًا من الشهود الذين يشهدهم والي اليتيم على دفعه مال يتيمه إليه، كما:-

٨٦٥٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وكفى بالله حسيبًا"، يقول: شهيدًا.

* * *

يقال منه:"قد أحسبني الذي عندي"، يراد به: كفاني. وسمع من العرب:"لأحْسِبَنَّكم من الأسودين"= يعني به: من الماء والتمر ="والمُحْسِب" من الرجال: المرتفع الحسب،"والمُحْسَب"، المكفِيُّ.

حواشي المحقق

انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف ٢: ٤٩ / ٣: ٧، ٢٢٠ / ٥: ٣٣٩ / ٧: ٢٩٧، ٣٢٥، ٤٥٤.

في المطبوعة: "آنست من فلان خيرًا وقرئ بمد الألف"، لم يحسن قراءة"وبرًا" في المخطوطة، فأفسد الكلام إفسادًا.

في معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٧: "فإن أحستم" بسين واحدة ساكنة، وفي بعض نسخه كما في تفسير الطبري، أما في المخطوطة فقد كتب في الموضعين: "أحسستم" بسينين، وهو خطأ، والصواب ما في المطبوعة، وما في معاني القرآن للفراء.

انظر تفسير"الرشد" فيما سلف ٣: ٤٨٢ / ٥: ٤١٦.

قوله: "أخذ بلحيته" يعني: الشيب أخذ بلحيته، وانظر الأثر التالي: ٨٥٨٦.

الأثر: ٨٥٨٦-"أبو شبرمة" كنية"ابن شبرمة"، وهو القاضي الفقيه المفتي"عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي". وكان عفيفًا حازمًا عاقلا فقيها، يشبه النساك، ثقة في الحديث، شاعرًا، حسن الخلق، جوادا.. هكذا وصفوه رحمه الله.

انظر التعليق السالف ص: ٥٧٦، تعليق: ١، في مراجع تفسير"الرشد".

في المخطوطة والمطبوعة: "في يد ولي"، والصواب حذف هذه الهاء، فإنه مفسدة للكلام ولو قرئت: "في يد وليه" لكانت جيدة.

في المطبوعة: "فإن كان ما وصفنا"، والصواب من المخطوطة.

في المطبوعة: "أباحه الله لكم" بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة. وانظر تفسير "أكل المال" فيما سلف ٣: ٥٤٨- ٥٥١ / ٧: ٥٢٨.

الأثر: ٨٥٨٩-"محمد بن الحسين بن موسى بن أبي حنين الكوفي"، مضت ترجمته برقم: ٧١٢٠، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "محمد بن الحسن"، وهو خطأ، فهذا إسناد دائر في التفسير.

هو جرير.

ديوانه: ٣٨٩، وطبقات فحول الشعراء: ٣٥٩، والاشتقاق: ٢٤١، واللسان (هند) (سرف) ، وغيرها، وسيأتي في التفسير ٨: ٤٦ / ٣٠: ١٥٩ (بولاق) ، من قصيدته التي مدح بها يزيد بن عبد الملك، وهجا آل المهلب، يقول ليزيد، قبله: أرْجُو الفَوَاضِلَ إِنَّ الله فَضَّلَكُمْ ... يَا قَبْل نَفْسِكَ لاقَى نَفْسِيَ التَّلَفُ

مَا مَنْ جَفَانَا إذَا حَاجَاتُنَا نَزَلَتْ ... كَمنْ لَنَا عِنْدَه التكْرِيمُ واللَّطَفُ

كَمْ قَد نَزَلْتُ بِكُمْ ضَيْفًا، فَتُلْحِفُنِي ... فَضْلَ اللِّحَافِ، وَنِعْمَ الفَضْلُ يُلْتَحَفُ

وقوله: "هنيدة" اسم لكل مئة من الإبل، لا تصرف، ولا تدخلها الألف واللام، ولا تجمع، ولا واحد لها من جنسها. و"هند" مثلها في المعنى، وبه سميت المرأة فيما أرجح، تساق في مهرها مئة من الإبل، من كرامتها وعزها ورغبة الأزواج فيها لشرفها. وقوله: "ثمانية" أي ثمانية من العبيد يقومون بأمرها.

في المطبوعة: "ولا تبادر" بغير هاء في آخره، وأثبت ما في المخطوطة.

كانت هذه الجملة في المخطوطة هكذا فاسدة الكتابة غير منقوطة: "هذه لولى اليتيم يأكله جعلوا له أن يأكل معه إذا لم يجد سببا يضع معه يده، فذهب دوحره يقول لا أدفع إليه ماله وجعلت تأكله لسهى أكله، لأنك لم تدفعه إليه ... "، وهي فاسدة. أما المطبوعة فقد صححها وكتب: "هذه لولي اليتيم خاصة وجعل له"، وأساء فيما قرأ وفيما كتب. ثم كتب"فيذهب بوجهه" مكان"يؤخره"، وقد أساء. ثم زاد"إن" في قوله: "لأنك لم تدفعه إليه"فجعلها""لأنك إن لم تدفعه إليه"، وقد أصاب، ولكني آثرت"إذا".

انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٧.

في المطبوعة والمخطوطة: "لغناه عن ماله"، والصواب بالباء.

انظر تفسير"المعروف" فيما سلف ص: ٥٧٣ تعليق: ٢، والمراجع هناك.

الأثر: ٨٥٩٧-"حارثة بن مضرب الكوفي"، روى عن عمر، وعلي، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١ / ٨٧، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢٥٥. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "حارثة بن مصرف"، وهو خطأ وتصحيف.

الأثر: ٨٦٠٢-"سلمة بن علقمة التميمي"، روى عن محمد بن سيرين. ثقة. مترجم في التهذيب. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "سلمة عن علقمة"، وهو خطأ، وانظر الإسناد السالف رقم: ٨٦٠٠، جاء على الصواب.

يعني رقم: ٨٦٠١.

الأثر: ٨٦٠٦-"ابن إدريس" هو"عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي" شيخ أبي كريب، مضى مرارًا. وكان في المطبوعة والمخطوطة"أبو إدريس"، وهو خطأ. و"أبوه" هو"إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي"، روى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وسماك بن حرب وغيرهم. مترجم في التهذيب. وكان في المخطوطة"سمعت أبي بكر"، والصواب ما في المطبوعة.

في المخطوطة: "حلله من وليه"، ولعلها"حلله منه وليه"، والذي في المطبوعة موافق للسياق.

في المخطوطة: "فلا يأكل قرضًا"، وهو خطأ، والصواب ما في المطبوعة.

الأثر: ٨٦٢٢-"عبيد الله الأشجعي" هو"عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي". قال ابن معين: "ما كان بالكوفة أعلم بسيفان الثوري من الأشجعي". وهو ثقة مأمون. مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة: "عبد الله الأشجعي"، وهو خطأ.

في المطبوعة: "فليستعفف عن ماله"، وأثبت الصواب من المخطوطة.

الأثر: ٨٦٣٠-"الأشجعي"، هو"عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي"، مضى قريبًا في التعليق على الأثر رقم: ٨٦٢٢.

"الرسل" (بكسر الراء وسكون السين) : اللبن.

"بغى الضالة بغاء وبغية وبغاية" (كلها بضم الباء) : نشدها وطلبها.

هنأ البعير الأجرب يهنؤه، إذا طلاه بالهناء (بكسر الهاء) ، وهو القطران، يعالج به من الجرب.

"لط الحوض يلطه لطًا": ألصقه بالطين حتى يسد خلله، قال ابن الأثير: "كذا جاء في الموطأ" انظر الموطأ: ٩٣٤، ويشير به إلى الرواية الأخرى"تلوط"، كما ستأتي في الأثر التالي. وكان في المطبوعة هنا"تليط".، وهي صواب أيضًا، جاء في رواية حديث أشراط الساعة: "ولتقومن وهو يليط حوضه، " أي يطينه أيضًا. ولكنها لم تجيء في المخطوطة ولا في مكان غيره أعرفه.

"فرط يفرط فرطًا": إذ سبق الواردة الإبل إلى الماء، فهيأ لها الأرسان والدلاء، وملأ الحياض واستقى لهم. و"يوم الورد" بكسر الراء، وهو يومها الذي ترد فيه الماء. وكان في المطبوعة: "يوم ورودها"، وهي صحيحة المعنى، والذي في المخطوطة هو محض الصواب.

"منح الشاة والناقة يمنحها منحًا": أعارها من لا ناقة له، يأخذ من لبنها ويرعى عليها. ثم يردها عليه. و"أفقرت فلانًا بعيرًا" إذا أعرته بعيرًا يركب ظهره في سفره ثم يرده إليك، وهو من"فقار" الظهر، أي ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب.

"لاطه الحوض يلوطه لوطًا": طلاه بالطين وملسه. انظر التعليق السالف ص: ٥٨٨، رقم: ٥.

في المخطوطة: "وتسعى عليها" وهو خطأ، ورواية الموطأ: "وتسقيها يوم وردها".

"نهكت الناقة حلبًا أنهكها"، إذا بالغت في حلبها ونقصها، فلم يبق في ضرعها لبن. و"الحلب" (بفتح الحاء واللام) و"الحلب" (بسكون اللام) و"الحلاب" مصدر"حلب الشاء والإبل والبقر يحلبها": إذا استخرج ما في ضرعها من اللبن.

الأثران: ٨٦٣١، ٨٦٣٢- رواه مالك في الموطأ من طريق"يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد" كرواية الأثر الثاني هنا، مع اختلاف في بعض اللفظ، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٩٣، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٢٢، إلى مالك، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه.

في المطبوعة: "والثمرة" بالثاء المثلثة، وأثبت ما في المخطوطة هنا، وستأتي بالمثلثة في المخطوطة في الآثار التالية، ولكن صوابها"بالتاء"، وانظر حجتنا في ذلك في الأثر رقم: ٨٦٣٦.

الأثر -٨٦٣٥-"رفيع بن مهران الرياحي"، "أبو العالية" مضى برقم: ٤٤، ١٨٤ ومواضع غيرها، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا"رفيع عن أبي العالية" بزيادة"عن" وهو خطأ محض.

في المطبوعة: "أدخال النخل والماشية"، وفي المخطوطة: "ادحال"، ولم أجد لشيء من ذلك معنى، مع تقليبها على أكثر وجوه التصحيف، ثم هديت إلى أن أرجح أن يكون صوابها ما أثبت، وكأن الناسخ رأي"ذال": "ذاك" متصلة بألفها فظنها"حاء"، فكتب"الكاف" المتطرفة "لامًا" والذي أثبته هو حاق السياق إن شاء الله.

في المطبوعة: "من الثمر" بالثاء المثلثة، وأثبت ما في المخطوطة، وانظر التعليق السالف ص: ٥٨٩، رقم: ٦.

"وفر ماله وفرًا": حاطه حتى يكثر ويصير وافرًا، يعني: أن يتأثل مالا لنفسه ويجمعه من مال يتيمه.

"الحائط" البستان من النخل، إذا كان عليه حائط، وهو الجدار، فإذا لم يحيط فهو"ضاحية".

في المطبوعة: "ثمرته"، والصواب من المخطوطة، وانظر ص٥٨٩ تعليق: ٦ والتعليق السالف: ٣.

الجزاز والجزازة (بضم الجيم) والجزز (بفتحتين) والجزة (بكسر الجيم وتشديد الزاي) ، وجمعها جزز (بكسر ففتح) : هو ما يجزه من صوف الشاة وغيرها. ورواية اللسان والفائق للزمخشري"جززها" جمع"جزة"."والعوارض" جمع عارضة، وهي الشاة أو البعير تصيبه آفة أو كسر أو داء فيذبحونها، ومن هجائهم: "بنو فلان لا يأكلون إلا العوارض"، أي: لا ينحرون الإبل إلا من داء يصيبها."والرسل" اللبن.

"رقاب المال" يعني من الأنعام، و"أصول المال" يعني من النخيل.

الأثر: ٨٦٣٨- ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، في ترجمة"ثابت بن رفاعة"، ولم ينسبه لابن جرير، ونسبه لابن مندة، وابن فتحون، من طريق عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، وقال: "هذا مرسل، رجاله ثقات".

الأثر: ٨٦٤٠-"إسماعيل بن صبيح اليشكري" مضى برقم: ٢٩٩٦. و"أبو أويس" هو: "عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي"، ابن عم مالك وصهره على أخته، قال ابن معين: "صدوق، وليس بحجة". وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه، ولا يحتج به، وليس بالقوي". مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة: "عن أبي إدريس"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.

"طعمة" (بضم فسكون) : رزق ومأكلة، يقال: "جعل السلطان ناحية كذا طعمة لفلان" أي: مأكلة يأكل منها كما يأكل من كسبه.

"تأثل مالا": اتخذ أصل مال يجمعه ويثبته ويخزنه.

الأثر: ٨٦٤٩-"الزبير بن موسى بن ميناء المكي"، روى عن جابر، وسعيد بن جبير، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. روى عنه ابن جريج، والثوري، وابن أبي نجيح. مترجم في التهذيب. وأخشى أن يكون: "أخبرنا الثوري وابن أبي نجيح".

في المخطوطة"له أكلها"، وهو من سهو الناسخ.

في المخطوطة: "إجماعًا منه"، وهو أيضًا من سهو الناسخ.

السياق: "فلما كان إجماعًا منهم ... كان كذلك حكمه ... " وما بينهما عطف وفصل.

في المطبوعة: "وكما يشتري له من نصيبه"، ولا معنى لذلك، وهي في المخطوطة غير بينة، واجتهدت قراءتها كما أثبتها، أي يشتري له رقيقًا يعينه.

السياق: "وإذ كان ذلك كذلك ... كان معلومًا ... "، وما بينهما عطف وفصل.

في المخطوطة: " أذن له بأكله مطلقًا بشرط بشرط"، وهو سهو ناسخ، والصواب ما في المطبوعة.

في المطبوعة والمخطوطة: "فلن يقولوا في أحدهم"، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.

قيل في شرح هذه الكلمة: "أي: لأوسعن عليكم"، وهو بمعنى الكفاية.

وانظر تفسير"حسبه" فيما سلف ٤: ٢٤٤ / ٧: ٤٠٥.

معاني الكلمات

من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com

وَابْتَلُوا: اخْتَبِرُوا.

آنَسْتُم: عَلِمْتُمْ.

رُشْدًا: حُسْنَ تَصَرُّفٍ فِي الأَمْوَالِ.

وَبِدَارًا: مُبَادَرَةً.

حَسِيبًا: مُحَاسِبًا، وَشَاهِدًا.

النفحات المكية

محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com

ثم أمَرَ جل وعلا الأولياء باختبار من تحت أيديهم من اليتامى، وذلك بتدريبهم على إدارة أعمالهم شيئًا فشيئًا حتى يُعرَفَ أنهم لن يفرِّطوا فيها، فإذا وصلوا سن النكاح، وعلمتم منهم -أيها الأولياء- حُسْنَ التصرف والتدبير في أموالهم، فسلِّموها إليهم، ولا يحق لكم أن تأكلوا أموالهم على وجه الإسراف والسرعة قبل أن يَكْبَرُوا حتى لا يطلبوها إذا كَبِرُوا، ومن كان غنيًّا، فليتعفَّف عن أموالهم، ولا يأخُذْ منها شيئًا، ومن كان فقيرًا، فليأخُذْ بقدر الحاجة، فإذا سلَّمتم إليهم أموالهم- بعد التأكد من أنهم قادرون على حفظها- فأشهدوا عليهم حتى لا يأتي أحدهم فينكر أنه استلم شيئًا من ماله، واعلموا أن الله شاهدٌ ورقيبٌ عليكم، ومحاسبٌ لكم على جميع أعمالكم.

EnglishBahasa Indonesia

نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.