الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة النساء ‹ الآية ٩٤
تفسير الآية ٩٤ من سورة النساء
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ٩٤
اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزولاسأل على واتساب
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com
يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا خرجتم للجهاد في سبيل الله فتثبتوا في أمر من تقاتلون، ولا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه: لست مؤمنًا، وإنما حملك على إظهار الإسلام الخوف على دمك ومالك، فتقتلوه تطلبون بقتله متاع الدنيا الزهيد كالغنيمة منه، فعند الله مغانم كثيرة، وهي خير وأعظم من هذا، كذلك كنتم من قبل مثل هذا الذي يخفي إيمانه من قومه، فمنَّ الله عليكم بالإسلام فعصم دماءكم فتثبتوا، إن الله لا يخفى عليه شيء من عملكم وإن دقَّ، وسيجازيكم به.
التفسير الميسر
نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون، ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم; لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه، طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا، والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به، كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة، فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم. إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها.
أسباب النزول
أسباب نزول القرآن — أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت 468هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَحِقَ المُسْلِمُونَ رَجُلًا في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم. فَقَتَلُوهُ وأخَذُوا غُنَيْمَتَهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . أيْ تِلْكَ الغُنَيْمَةَ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، كِلاهُما عَنْ سُفْيانَ.
وأخْبَرَنا إسْماعِيلُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الخَلِيلِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو كُرَيْبٍ، قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ سِماكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِن سُلَيْمٍ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ غَنَمٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْكم إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنكم. فَقامُوا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وأخَذُوا غَنَمَهُ، فَأتَوْا بِها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
اقرأ بقية أسباب النزول
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: خَرَجَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ في سَرِيَّةٍ، فَمَرُّوا بِرَجُلٍ في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَأرادُوا قَتْلَهُ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقَتَلَهُ المِقْدادُ، فَقِيلَ لَهُ: أقَتَلْتَهُ وقَدْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟ ووَلَّوْا بِأهْلِهِ ومالِهِ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجُوا يَطُوفُونَ فَلَقُوا المُشْرِكِينَ فَهَزَمُوهم، فَشَذَّ مِنهم رَجُلٌ، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وأرادَ مَتاعَهُ، فَلَمّا غَشِيَهُ بِالسِّنانِ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، إنِّي مُسْلِمٌ. فَكَذَّبَهُ ثُمَّ أوْجَرَهُ السِّنانَ فَقَتَلَهُ، وأخَذَ مَتاعَهُ، وكانَ قَلِيلًا، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ”قَتَلْتَهُ بَعْدَما زَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ ؟“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا. قالَ: ”فَهَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ لِتَنْظُرَ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ ؟“ . قالَ: وكُنْتُ أعْلَمُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”ويْكَ، إنَّكَ لَمْ تَكُنْ لِتَعْلَمَ ذَلِكَ، إنَّما كانَ يُنْبِئُ عَنْهُ لِسانُهُ“ . قالَ: فَما لَبِثَ القاتِلُ أنْ ماتَ فَدُفِنَ، فَأصْبَحَ وقَدْ وُضِعَ إلى جَنْبِ قَبْرِهِ. قالَ: ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا لَهُ وأمْكَنُوا ودَفَنُوهُ، فَأصْبَحَ وقَدْ وُضِعَ إلى جَنْبِ قَبْرِهِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الأرْضَ لا تَقْبَلُهُ ألْقَوْهُ في بَعْضِ تِلْكَ الشِّعابِ. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَن هو أشَرُّ مِنهُ، ولَكِنْ وُعِظَ القَوْمُ ألّا يَعُودُوا.
أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَطَّةَ: قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيى الأُمَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنِ القَعْقاعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ إلى إضَمٍ قَبْلَ مَخْرَجِهِ إلى مَكَّةَ، قالَ: فَمَرَّ بِنا عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ، فَحَيّانا تَحِيَّةَ الإسْلامِ. قالَ: فَنَزَعْنا عَنْهُ، وحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ لِشَرٍّ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ في الجاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُ، واسْتَلَبَ بَعِيرًا لَهُ ووِطاءً ومُتَيِّعًا كانَ لَهُ. قالَ: فَأنْهَيْنا شَأْنَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرْناهُ بِخَبَرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلى سَرِيَّةٍ، فَلَقِيَ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ الضَّمْرِيَّ فَقَتَلَهُ، وكانَ مِن أهْلِ فَدَكٍ، ولَمْ يُسْلِمْ مِن أهْلِهِ غَيْرُهُ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. ويُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ. قالَ أُسامَةُ: فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أخْبَرْتُهُ، فَقالَ: ”قَتَلْتَ رَجُلًا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما تَعَوَّذَ مِنَ القَتْلِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيْفَ أنْتَ إذا خاصَمَكَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . قالَ: فَما زالَ يُرَدِّدُها عَلَيَّ: ”أقَتَلْتَ رَجُلًا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . حَتّى تَمَنَّيْتُ لَوْ أنَّ إسْلامِي كانَ يَوْمَئِذٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ . ونَحْوَ هَذا قالَ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ.
يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أخْبَرَناهُ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى بْنِ عَمْرُويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمٌ، قالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، قالَ: أخْبَرَنا حُصَيْنٌ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو ظَبْيانَ، قالَ: سَمِعْتُ أُسامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ يُحَدِّثُ، قالَ: بَعَثَنا النَّبِيُّ ﷺ إلى الحُرَقَةِ مِن جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنا القَوْمَ فَهَزَمْناهم. قالَ: فَلَحِقْتُ أنا ورَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ رَجُلًا مِنهم، فَلَمّا غَشِيناهُ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ: فَكَفَّ عَنْهُ الأنْصارِيُّ وطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَقَتَلْتُهُ، فَلَمّا قَدِمْنا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: ”يا أُسامَةُ، أقَتَلْتَهُ بَعْدَما قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كانَ مُتَعَوِّذًا. قالَ: فَقالَ: ”أقَتَلْتَهُ بَعْدَما قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . قالَ: فَما زالَ يُكَرِّرُها عَلَيَّ حَتّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
تفسير السعدي
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com
{94} يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهاداً في سبيله وابتغاء مرضاتِهِ أن يتبيَّنوا ويتثبَّتوا في جميع أمورهم المشتبهة؛ فإنَّ الأمور قسمان: واضحةٌ وغير واضحةٍ؛ فالواضحة البيِّنة لا تحتاج إلى تثبُّت وتبيُّن؛ لأنَّ ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المُشكلة غير الواضحة؛ فإنَّ الإنسان يحتاج إلى التثبُّت فيها والتبيُّن؛ لِيَعْرِفَ هل يُقْدِمُ عليها أم لا؛ فإنَّ التثبُّت في هذه الأمور يحصُل فيه من الفوائد الكثيرة والكفِّ لشرورٍ عظيمةٍ؛ ما به يُعْرَفُ دينُ العبد وعقلُه ورزانتُه؛ بخلاف المستعجِل للأمور في بداوتها قبل أن يتبيَّن له حكمها؛ فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى ما لا ينبغي؛ كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمّا لم يتثبَّتوا وقتلوا مَن سَلَّم عليهم وكان معه غُنيمةٌ له أو مالُ غيره؛ ظنًّا أنه يستكفي بذلك قتلهم، وكان هذا خطأً في نفس الأمر؛ فلهذا عاتبهم بقوله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغونَ عَرَض الحياة الدُّنيا فعندَ الله مغانم كثيرة}؛ أي: فلا يحملنَّكم العَرَض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي، فيفوتكُم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي؛ فما عند الله خيرٌ وأبقى. وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلةً إلى حالةٍ له فيها هوى وهي مضرَّةٌ له؛ أن يذكِّرها ما أعدَّ الله لِمَن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسِهِ؛ فإنَّ في ذلك ترغيباً للنفس في امتثال أمر الله، وإن شقَّ ذلك عليها.
اقرأ بقية تفسير السعدي
ثم قال تعالى مذكِّراً لهم بحالهم الأولى قبل هدايتهم إلى الإسلام: {كذلك كنتُم من قبلُ فَمَنَّ اللهُ عليكم}؛ أي: فكما هداكم بعد ضلالِكم؛ فكذلك يهدي غيركم، وكما أنَّ الهداية حصلتْ لكم شيئاً فشيئاً؛ فكذلك غيركم؛ فنظرُ الكامل لحالِهِ الأولى الناقصة ومعاملته لمن كان على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى ودعائه له بالحكمة والموعظة الحسنة من أكبر الأسباب لنفعِهِ وانتفاعِهِ، ولهذا أعاد الأمر بالتبيين، فقال: {فتبيَّنوا}! فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله ومجاهدة أعداء الله واستعدَّ بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم مأموراً بالتبيين لمن ألقى إليه السلام، وكانتِ القرينةُ قويةً في أنه إنما سَلَّم تعوذاً من القتل وخوفاً على نفسه؛ فإن ذلك يدلُّ على الأمر بالتبيُّن والتثبُّت في كل الأحوال التي يقع فيها نوعُ اشتباه، فيتثبَّت فيها العبدُ، حتى يتَّضح له الأمرُ، ويبين الرشدُ والصوابُ.
{إنَّ الله كان بما تعملونَ خبيراً}: فيجازي كلاًّ ما عَمِلَهُ ونواه بحسب ما عَلِمهُ من أحوال عبادِهِ ونيَّاتِهِم.
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر، وَحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَخَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنَّا. فَعَمَدُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا] ﴾ إِلَى آخِرِهَا.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَة، عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
اقرأ بقية تفسير ابن كثير
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ وَقَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ غَيْرِ التَّفْسِيرِ -وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَطْ-: وَهَذَا خبر عندنا صَحِيحٌ سَنَدُهُ، وَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ الْآخَرِينَ سَقِيمًا، لِعِلَلٍ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَخْرَجٌ عَنْ سِمَاك إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْهَا: أَنَّ عِكْرِمَةَ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَهُمْ نَظَرٌ، وَمِنْهَا: أَنَّ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ الْآيَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُنْزِلَتْ فِي مُحَلِّم بْنِ جَثَّامَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا كَلَامٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مَرْدُودٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ سِمَاك، حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْكِبَارِ. الثَّانِي: أَنَّ عِكْرِمَةَ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الصَّحِيحِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَرْوِيٌّ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا﴾ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَة لَهُ، فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيمته [فَأَنْزِلُ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ. قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (السَّلَامَ) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَحِقَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا فِي غُنَيْمَة فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَته] فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا﴾
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ
وَأَمَّا قِصَّةُ مُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامة فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَثَنِي يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسيط، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إضَم، فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فِيهِمْ: أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعي، وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامة بْنِ قَيْسٍ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إذا كنا ببطن إضَم مَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ، عَلَى قَعُود لَهُ، مَعَهُ مُتَيَّع ووَطْب مِنْ لَبَنٍ، فَلَمَّا مَرَّ بِنَا سَلَّمَ عَلَيْنَا، فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ فَقَتَلَهُ، بِشَيْءٍ كان بينه وبينه، وأخذ بعيره مُتَيَّعه، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، نَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ] خَبِيرًا.﴾
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَلِّم بْنَ جَثَّامة مَبْعَثًا، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ، فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الإسلام وكانت بينهم حسنة فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَرَمَاهُ مُحَلِّمٌ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سُنَّ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا وَاللَّهِ، حَتَّى تَذُوقَ نِسَاؤُهُ مِنَ الثُّكل مَا ذَاقَ نِسَائِي. فَجَاءَ مُحَلِّمٌ فِي بُرْدَيْنِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ". فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَمَا مَضَتْ لَهُ سَابِعَةٌ حَتَّى مَاتَ، وَدَفَنُوهُ، فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ الْأَرْضَ تَقَبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَنْ صَاحَبِكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ مِنْ جرمتكم" ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَنَزَلْتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيَن آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَةَ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمِقْدَادِ: "إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فقتلتَه، فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ".
هَكَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَلَّقًا مُخْتَصَرًا وَقَدْ رُوِيَ مُطَوَّلًا مَوْصُولًا فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ:
حدثنا حماد بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّم، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً، فِيهَا الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَلَمَّا أَتَوُا الْقَوْمَ وَجَدُوهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا، وَبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَهْوَى إِلَيْهِ الْمِقْدَادُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَقَتَلْتَ رَجُلًا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ وَاللَّهِ لأذكرَن ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ رَجُلًا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ الْمِقْدَادُ. فَقَالَ: "ادْعُوَا لِي الْمِقْدَادَ. يَا مِقْدَادُ، أَقَتَلْتَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَيْفَ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَدًا؟ ". قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمِقْدَادِ: "كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ، فقتلْتَه، وَكَذَلِكَ كُنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ قُبَلُ" .
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أَيْ: خَيْرٌ مِمَّا رَغِبْتُمْ فِيهِ مِنْ عَرَضِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى قَتْلِ مِثْلِ هَذَا الَّذِي أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ، وَأَظْهَرَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ، فَتَغَافَلْتُمْ عَنْهُ، وَاتَّهَمْتُمُوهُ بِالْمُصَانَعَةِ وَالتَّقِيَّةِ؛ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمَغَانِمِ الْحَلَّالِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ مَالِ هَذَا.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْحَالِ كَهَذَا الذي يُسرّ إِيمَانَهُ وَيُخْفِيهِ مِنْ قَوْمِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ آنِفًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ [تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ] ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْفَالِ: ٢٦] ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كَمَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تُخْفُونَ إِيمَانَكُمْ فِي الْمُشْرِكِينَ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تَسْتَخْفُونَ بِإِيمَانِكُمْ، كَمَا اسْتَخْفَى هَذَا الرَّاعِي بِإِيمَانِهِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وذُكر عَنْ قَيْسٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [تَوَرَّعُونَ عَنْ مَثَلِ هَذَا، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ ] لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [فَتَبَيَّنُوا﴾ وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ] أَيْ: تَابَ عَلَيْكُمْ، فَحَلَفَ أُسَامَةُ لَا يَقْتُلُ رَجُلًا يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" بَعْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَمَا لَقِيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ.
حواشي المحقق
زيادة من ر، أ.
المسند (١/٢٢٩) من طريق يحيى بن بكير، و (١/٢٧٢) من طريق حسين بن محمد وخلف بن الوليد، وسنن الترمذي برقم (٣٠٣٠) والمستدرك (٢/٢٣٥) وتفسير الطبري (٩/٧٦) .
في أ: "عبد الرحيم".
في ر، أ: "محكم".
زيادة من أ.
صحيح البخاري برقم (٤٥٩١) وتفسير الطبري (٩/٧٥) .
في ر: "محكم".
في ر: "محكم".
في ر: "محكم".
زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله تعالى".
المسند (٦/١١) .
في ر: "محكم".
في ر: "محكم".
في ر: "محكم".
في أ: "ونفضته".
في ر، أ: "ثم طرحوه في جبل".
تفسير الطبري (٩/٧٢) .
في د، أ: "النبي".
صحيح البخاري برقم (٦٨٦٦) .
في ر، أ: "حمدان".
في أ: "عامر".
في د: "فأهوى".
مسند البزار برقم (٢٢٠٢) "كشف الأستار" وقال الْبَزَّارُ: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ولا له عنه إلا هذا الطريق" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨) : "إسناده جيد".
في ر: "لكم".
في أ: "هذا".
في ر: "لهذا".
زيادة من ر، أ.
في أ: "يستخفى"
زيادة من أ.
زيادة من أ.
في ر: "لا يقاتل".
في ر: "تأكيدا".
تفسير الجلالين
جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net
وَنَزَلَ لَمَّا مَرَّ نَفَر مِنْ الصَّحَابَة بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْم وَهُوَ يَسُوق غَنَمًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إلَّا تَقِيَّة فقتلوه واستاقوا غنمه ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ﴾ سَافَرْتُمْ لِلْجِهَادِ ﴿فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا﴾ وَفِي قِرَاءَة فَتَثَبَّتُوا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَام﴾ بِأَلِفٍ أَوْ دُونهَا أَيْ التَّحِيَّة أَوْ الِانْقِيَاد بِكَلِمَةِ الشَّهَادَة الَّتِي هِيَ أَمَارَة عَلَى الْإِسْلَام ﴿لست مؤمنا﴾ وإنما قلت هذا تقية لنفسك ومالك فقتلوه ﴿تَبْتَغُونَ﴾ تَطْلُبُونَ لِذَلِكَ ﴿عَرَض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ مَتَاعهَا مِنْ الْغَنِيمَة ﴿فَعِنْد اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة﴾ تُغْنِيكُمْ عَنْ قَتْل مِثْله لِمَالِهِ ﴿كَذَلِك كُنْتُمْ مِنْ قَبْل﴾ تُعْصَم دِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالكُمْ بِمُجَرَّدِ قَوْلكُمْ الشَّهَادَة ﴿فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ﴾ بِالِاشْتِهَارِ بِالْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَة ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أَنْ تَقْتُلُوا مُؤْمِنًا وَافْعَلُوا بِالدَّاخِلِ فِي الْإِسْلَام كَمَا فُعِلَ بِكُمْ ﴿إنَّ اللَّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَيُجَازِيكُمْ بِهِ
٩ -
تفسير البغوي
معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ فَدَكَ وَكَانَ مُسْلِمًا لَمْ يُسْلِمْ مِنْ قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَسَمِعُوا بِسَرِيَّةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُرِيدُهُمْ، وَكَانَ عَلَى السَّرِيَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ غَالِبُ بْنُ فُضَالَةَ اللَّيْثِيُّ، فَهَرَبُوا وَأَقَامَ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْخَيْلَ خَافَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَلْجَأَ غَنَمَهُ إِلَى عَاقُولٍ مِنَ الْجَبَلِ، وَصَعَدَ هُوَ إِلَى الْجَبَلِ فَلَمَّا تَلَاحَقَتِ الْخَيْلُ سَمِعَهُمْ يُكَبِّرُونَ، فَلَمَّا سَمِعَ التَّكْبِيرَ عَرَفَ أَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَبَرٍّ وَنَزَلَ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَتَغَشَّاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَتَلَهُ وَاسْتَاقَ غَنَمَهُ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، وَكَانَ قَدْ سَبَقَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ الْخَبَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "قَتَلْتُمُوهُ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ"؟ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ فَكَيْفَ بَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعِيدُهَا حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمئِذٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لِي بَعْدَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: "اعْتِقْ رَقَبَةً" .
اقرأ بقية تفسير البغوي
وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَ خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: "أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا خَوْفًا أَمْ لَا" ؟
وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، قَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ فَقَامُوا فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمَهُ فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي إِذَا سَافَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْجِهَادَ.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ هَاهُنَا فِي مَوْضِعَيْنِ وَفِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ بِالتَّاءِ وَالثَّاءِ مِنَ التَّثْبِيتِ، أَيْ: قِفُوا حَتَّى تَعْرِفُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ مِنَ التَّبَيُّنِ، يُقَالُ: تَبَيَّنْتُ الْأَمْرَ إِذَا تَأَمَّلْتُهُ، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ هَكَذَا قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَابْنِ عَامِرٍ وَحَمْزَةَ، أَيْ: الْمُقَادَةَ، وَهُوَ قَوْلُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ السَّلَامَ، وَهُوَ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ، أَيْ: لَا تَقُولُوا لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكُمْ لَسْتَ مُؤْمِنًا، ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: تَطْلُبُونَ الْغُنْمَ وَالْغَنِيمَةَ، و"عَرْضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" مَنَافِعَهَا وَمَتَاعَهَا، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ﴾ أَيْ غَنَائِمُ، ﴿كَثِيرَةٌ﴾ وَقِيلَ: ثَوَابٌ كَثِيرٌ لِمَنِ اتَّقَى قَتْلَ الْمُؤْمِنِ، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ إِيمَانَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كُنْتُمْ ضُلَّالًا مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِدَايَةِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تَأْمَنُونَ فِي قَوْمِكُمْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَلَا تُخِيفُوا مَنْ قَالَهَا فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِالْهِجْرَةِ، فَتَبَيَّنُوا أَنْ تَقْتُلُوا مُؤْمِنًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قُلْتُ: إِذَا رَأَى الْغُزَاةُ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ شِعَارَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقٍ، عَنِ ابْنِ عِصَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أَوْ سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا" .
حواشي المحقق
عزاه ابن حجر للثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انظر: الكافي الشاف ص (٤٨) ، وأخرجه الطبري من رواية أسباط عن السدي بتغيير بسيط تفسير الطبري: ٩ / ٧٨ - ٧٩. وانظر الدر المنثور: ٢ / ٦٣٢ - ٦٣٣، فتح الباري ٨ / ٢٥٨.
أخرجه البخاري في الديات، باب ومن أحياها: ١٢ / ١٩١، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان- باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم (٩٦) ١ / ٩٦. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٢٤١ - ٢٤٢.
أخرجه الترمذي في تفسير سورة النساء: ٨ / ٢٨٦ وقال: هذا حديث حسن، وأبو داود في الحروف: ٦ / ٤، وصححه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٢٣٥، ووافقه الذهبي، وابن جرير في التفسير: ٩ / ٧٦، وابن أبي عاصم في الديات ص (٣٦) ، والإمام أحمد في المسند: ١ / ٢٢٩، وانظر البخاري مع الفتح ٨ / ٢٥٨، وابن كثير: ١ / ٥٣٩.
أخرجه أبو داود في الجهاد، باب دعاء المشركين: ٣ / ٤٣٢، وعزاه المنذري للنسائي، والترمذي في السير، باب حدثنا محمد بن يحيى: ٥ / ١٥٥، وقال: هذا حديث حسن غريب، والشافعي: ٢ / ١١٦ (من ترتيب المسند) ، وأخرجه الطبراني في الكبير مطولا. . . انظر: الإصابة لابن حجر: ٤ / ٥٠٠ - ٥٠١، وسعيد بن منصور في السنن: ٢ / ١٤٩ - ١٥٠، والمصنف في شرح السنة: ١١ / ٦٠.
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ هَذَا مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ الْقَتْلِ وَالْجِهَادِ. وَالضَّرْبُ: السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ إِذَا سِرْتُ لِتِجَارَةٍ أَوْ غَزْوٍ أَوْ غَيْرِهِ، مُقْتَرِنَةً بِفِي. وَتَقُولُ: ضَرَبْتُ الْأَرْضَ، دُونَ (فِي) إِذَا قَصَدْتَ قَضَاءَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: (لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ يَتَحَدَّثَانِ كَاشِفَيْنِ عَنْ فَرْجَيْهِمَا فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ). وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَرُّوا فِي سَفَرِهِمْ بِرَجُلٍ مَعَهُ جَمَلٌ وَغُنَيْمَةٌ يَبِيعُهَا فَسَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَقَّ عَلَيْهِ وَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: (عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ. قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (السَّلَامَ). فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ: وَحَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَتَهُ إِلَى أَهْلِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ غُنَيْمَاتِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَهُوَ فِي سِيَرِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَمُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ وَالِاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْقَاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، وَالْمَقْتُولُ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ فَدَعَا عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مُحَلِّمٍ فَمَا عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَبْعًا ثُمَّ دُفِنَ فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ ثُمَّ دُفِنَ فَلَمْ تَقْبَلْهُ ثُمَّ دُفِنَ ثَالِثَةً فَلَمْ تَقْبَلْهُ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ أَلْقَوْهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرُّ مِنْهُ). قَالَ الْحَسَنُ: أَمَا إِنَّهَا تَحْبِسُ مَنْ هُوَ شَرُّ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ وَعَظَ الْقَوْمَ أَلَّا يَعُودُوا. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [جَيْشًا] مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَمَنَحُوهُمْ أَكْتَافَهُمْ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ لُحْمَتِي عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِالرُّمْحِ فَلَمَّا غَشِيَهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنِّي مُسْلِمٌ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ! قَالَ: (وَمَا الَّذِي صَنَعْتَ)؟ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ مَا فِي قَلْبِهِ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ شَقَقْتُ بَطْنَهُ أَكُنْتُ أَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ؟ قَالَ: (لَا فَلَا أَنْتَ قَبِلْتَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَلَا أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ). فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ فَدَفَنَّاهُ، فَأَصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. فَقُلْنَا: لَعَلَّ عَدُوًّا نَبَشَهُ، فَدَفَنَّاهُ ثُمَّ أَمَرْنَا غِلْمَانَنَا يَحْرُسُونَهُ فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ. فَقُلْنَا: لَعَلَّ الْغِلْمَانَ نَعَسُوا، فَدَفَنَّاهُ ثُمَّ حَرَسْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْقَاتِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَالْمَقْتُولُ مرداس ابن نَهِيكٍ الْغَطَفَانِيُّ ثُمَّ الْفَزَارِيُّ مِنْ بَنِي مُرَّةَ من أهل فدك. وقاله ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَقِيلَ: كَانَ مِرْدَاسُ هَذَا قَدْ أَسْلَمَ مِنَ اللَّيْلَةِ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَهْلَهُ، وَلَمَّا عَظَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَمْرَ عَلَى أُسَامَةَ حَلَفَ عِنْدَ ذَلِكَ أَلَّا يُقَاتِلَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ. وَقِيلَ: الْقَاتِلُ أَبُو قَتَادَةَ. وَقِيلَ: أَبُو الدَّرْدَاءِ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الَّذِي لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ حِينَ مَاتَ هُوَ مُحَلِّمٌ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَلَعَلَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ جَرَتْ فِي زَمَانٍ مُتَقَارِبٍ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْجَمِيعِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى أَهْلِ الْمُسْلِمِ الْغَنَمَ وَالْجَمَلَ وَحَمَلَ دِيَتَهُ عَلَى طَرِيقِ الِائْتِلَافِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَّ أَمِيرَ تِلْكَ السَّرِيَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ: لَهُ غَالِبُ بْنُ فَضَالَةَ اللَّيْثِيُّ. وَقِيلَ: الْمِقْدَادُ. حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ. الثَّانِيةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي تأملوا. و (فَتَبَيَّنُوا) قِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَا: مَنْ أُمِرَ بِالتَّبَيُّنِ فَقَدْ أُمِرَ بالتثبت، يُقَالُ: تَبَيَّنْتُ الْأَمْرَ وَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٍ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ (فَتَثَبَّتُوا) مِنَ التَّثَبُّتِ بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة.
اقرأ بقية تفسير القرطبي
وفَتَبَيَّنُوا) فِي هَذَا أَوْكَدُ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَثَبَّتُ ولا يتبين. وَفِي (إِذا) مَعْنَى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ (فَتَبَيَّنُوا). وَقَدْ يُجَازَى بِهَا كَمَا قَالَ:
وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
وَالْجَيِّدُ أَلَّا يُجَازَى بِهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا ... وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
وَالتَّبَيُّنُ التَّثَبُّتُ فِي الْقَتْلِ وَاجِبٌ حَضَرًا وَسَفَرًا وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا خُصَّ السَّفَرُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ الَّتِي فِيهَا نَزَلَتِ الْآيَةُ وَقَعَتْ فِي السَّفَرِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ السَّلَمُ والسلم، والسلام واحد، قاله البخاري. وقرى بِهَا كُلُّهَا. وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ (السَّلَامَ). وَخَالَفَهُ أَهْلُ النَّظَرِ فَقَالُوا: (السَّلَمَ) هَاهُنَا أَشْبَهُ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) فَالسَّلَمُ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ أَيْ لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى بِيَدِهِ وَاسْتَسْلَمَ لَكُمْ وأظهر دعوتكم لست مؤمنا. وقيل: السلام قوله السَّلَامِ عَلَيْكُمْ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ سَلَامَهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ مُؤْذِنٌ بِطَاعَتِهِ وَانْقِيَادِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الِانْحِيَازُ وَالتَّرْكُ. قَالَ الْأَخْفَشُ: يُقَالُ [فُلَانٌ [سَلَامٌ إِذَا كَانَ لَا يُخَالِطُ أَحَدًا. وَالسِّلْمُ (بِشَدِّ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ اللَّامِ) الصُّلْحُ. الرَّابِعَةُ- وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَرَأَ (لَسْتَ مُؤْمَنًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيةِ، مِنْ آمَنْتَهُ إِذَا أَجَرْتَهُ فَهُوَ مُؤْمَنٌ. الْخَامِسَةُ- وَالْمُسْلِمُ إِذَا لَقِيَ الْكَافِرَ وَلَا عَهْدَ لَهُ جَازَ لَهُ قَتْلُهُ، فَإِنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَصَمَ بِعِصَامِ الْإِسْلَامِ الْمَانِعِ مِنْ دَمِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ: فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ بِهِ. وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْ هَؤُلَاءِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَتَأَوَّلُوا أَنَّهُ قَالَهَا مُتَعَوِّذًا وَخَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، وَأَنَّ الْعَاصِمَ قَوْلُهَا مُطْمَئِنًّا، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ عاصم كَيْفَمَا قَالَهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ لِأُسَامَةَ: (أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْ تَنْظُرُ أَصَادِقٌ هُوَ فِي قَوْلِهِ أَمْ كَاذِبٌ؟ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُبِينَ عَنْهُ لِسَانُهُ. وَفِي هَذَا مِنَ الْفِقْهِ بَابٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَحْكَامَ تُنَاطُ بِالْمَظَانِّ وَالظَّوَاهِرِ لَا عَلَى الْقَطْعِ وَاطِّلَاعِ السَّرَائِرِ. السَّادِسَةُ- فَإِنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ أَيْضًا حَتَّى يُعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إِشْكَالٍ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَافِرِ يُوجَدُ فَيَقُولُ: جِئْتُ مُسْتَأْمِنًا أَطْلُبُ الْأَمَانَ: هَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ، وَأَرَى أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَأْمَنِهِ وَلَا يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ أَنَا مُسْلِمٌ وَلَا أَنَا مُؤْمِنٌ وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ الْعَاصِمَةِ الَّتِي عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ الْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). السَّابِعَةُ- فَإِنْ صَلَّى أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا، فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: نَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، أَمَّا أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: مَا وَرَاءُ هَذِهِ الصَّلَاةِ؟ فَإِنْ قَالَ: صَلَاةُ مُسْلِمٍ، قِيلَ لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ قَالَهَا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ، وَإِنْ أَبَى عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ تَلَاعُبٌ، وَكَانَتْ عِنْدَ مَنْ يَرَى إِسْلَامَهُ رِدَّةً، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كُفْرٌ أَصْلِيٌّ لَيْسَ بِرِدَّةٍ. وَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، يُكَلَّفُ الْكَلِمَةَ، فَإِنْ قَالَهَا تَحَقَّقَ رَشَادُهُ، وَإِنْ أَبَى تَبَيَّنَ عِنَادُهُ وَقُتِلَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (فَتَبَيَّنُوا) أَيِ الْأَمْرَ الْمُشْكِلَ، أَوْ (تَثَبَّتُوا) وَلَا تَعْجَلُوا الْمَعْنَيَانِ سَوَاءٌ. فَإِنْ قَتَلَهُ أَحَدٌ فَقَدْ أَتَى مَنْهِيًّا عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَتَغْلِيظُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مُحَلِّمٍ، وَنَبْذُهُ مِنْ قَبْرِهِ كَيْفَ مَخْرَجُهُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ نِيَّتِهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِإِسْلَامِهِ فَقَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِأَجْلِ الْحِنَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تعالى: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أَيْ تَبْتَغُونَ أَخْذَ مَالِهِ: وَيُسَمَّى مَتَاعُ الدُّنْيَا عَرَضًا لِأَنَّهُ عَارِضٌ زَائِلٌ غَيْرُ ثَابِتٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ جَمِيعُ مَتَاعِ] الْحَيَاةِ [الدُّنْيَا عَرَضٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَمِنْهُ: (الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يأكل منها البر والفاجر).
وَالْعَرْضُ (بِسُكُونِ الرَّاءِ) مَا سِوَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، فَكُلُّ عَرْضٍ عَرَضٌ، وَلَيْسَ كُلُّ عَرَضٍ عَرْضًا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ). وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْمَعْنَى فَنَظَمَهُ:
تَقَنَّعْ بِمَا يَكْفِيكَ وَاسْتَعْمِلِ الرِّضَا ... فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصْبِحُ أَمْ تُمْسِي
فَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْمَالِ إِنَّمَا ... يَكُونُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ
وَهَذَا يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ: فَإِنَّ الْمَالَ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُتَمَوَّلُ. وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِ: الْعَرَضُ مَا نِيلَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا) وَجَمْعُهُ عُرُوضٌ. وَفِي الْمُجْمَلِ لابن فارس: والعرض من يَعْتَرِضُ الْإِنْسَانَ مِنْ مَرَضٍ [أَوْ نَحْوِهِ] وَعَرَضُ الدُّنْيَا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَالٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَالْعَرَضُ مِنَ الْأَثَاثِ مَا كَانَ غَيْرَ نَقْدٍ. وَأَعْرَضَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ وَأَمْكَنَ. وَالْعَرْضُ خِلَافُ الطُّولِ. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يَأْتِي بِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَمِنْ حِلِّهِ دُونَ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ، أَيْ فَلَا تَتَهَافَتُوا.
(كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) أَيْ كَذَلِكَ كُنْتُمْ تُخْفُونَ إِيمَانَكُمْ عَنْ قَوْمِكُمْ خَوْفًا مِنْكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ حَتَّى مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِإِعْزَازِ الدِّينِ وَغَلَبَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَهُمُ الْآنَ كَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي قَوْمِهِ مُتَرَبِّصٌ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكُمْ، فَلَا يَصْلُحُ إِذْ وَصَلَ إِلَيْكُمْ أَنْ تَقْتُلُوهُ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا أَمْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمَعْنَى كَذَلِكَ كُنْتُمْ كَفَرَةً (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بِأَنْ أَسْلَمْتُمْ فَلَا تُنْكِرُوا أَنْ يَكُونَ هُوَ كَذَلِكَ ثُمَّ يُسْلِمُ لِحِينِهِ حِينَ لَقِيَكُمْ فَيَجِبُ أَنْ تَتَثَبَّتُوا فِي أَمْرِهِ. الْعَاشِرَةُ- اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْقَوْلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً). قَالُوا: وَلَمَّا مَنَعَ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَسْتَ مُؤْمِنًا مَنَعَ مِنْ قَتْلِهِمْ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ. وَلَوْلَا الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ هَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَعِبْ قَوْلَهُمْ. قُلْنَا: إِنَّمَا شَكَّ الْقَوْمُ فِي حَالَةِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ تَعَوُّذًا فَقَتَلُوهُ، وَاللَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِعِبَادِهِ غَيْرَ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِقْرَارُ فَقَطْ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ وَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي (الْبَقَرَةِ) وَقَدْ كَشَفَ الْبَيَانَ فِي هَذَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ)؟ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِقْرَارُ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ طَرِيقٌ إِلَيْهِ إِلَّا مَا سُمِعَ مِنْهُ فَقَطْ. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا أَيْضًا مَنْ قَالَ: إِنَّ الزِّنْدِيقَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِذَا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وَغَيْرِهِ مَتَى أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ مَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْخَلْقِ بِأَنْ خَصَّهُمْ بِالتَّوْفِيقِ، وَالْقَدَرِيَّةُ تَقُولُ: خَلَقَهُمْ كُلُّهُمْ لِلْإِيمَانِ. وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَمَا كَانَ لِاخْتِصَاصِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمِنَّةِ مِنْ بَيْنِ الْخَلْقِ مَعْنًى. الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أَعَادَ الْأَمْرَ بِالتَّبْيِينِ لِلتَّأْكِيدِ.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) تَحْذِيرٌ عَنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ، أَيِ احْفَظُوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبق لكم.
حواشي المحقق
من ج، ط، ز.
من ج وط وز.
هذا عجز بيت وصدره:
واستغن ما أغناك ربك بالغنى
في ط وز وى: فتحمل بالمهملة وهي رواية.
من ى.
راجع ج ١٠ ص ٩٩.
في اوج دعوته.
من ابن عطية.
من ابن عطية وج وط وز وى. وفى اوح: الصفح. فهو تصحيف.
في ج وط وى: انتظر.
في ابن العربي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
في اوح: تكلف. تكلف الشيء: تجشمه على مشقة وعلى خلاف عادته.
من ج.
أي الحديث.
راجع ج ٨ ص ٤٥.
من الأصول.
في ج: ولولا الايمان الذي ظهر لم يعب.
راجع ج ١ ص ١٩٣.
راجع ج ١ ص ١٩٨.
تفسير الطبري
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"، يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم="إذا ضربتم في سبيل الله"، يقول: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم ="فتبينوا"، يقول: فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حرْبًا لكم ولله ولرسوله="ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلَم"، يقول: ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودَعوتكم ="لست مؤمنًا"، فتقتلوه ابتغاء="عرض الحياة الدنيا"، يقول: طلبَ متاعِ الحياة الدنيا، فإن="عند الله مغانم كثيرة"، من رزقه وفواضل نِعَمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده="كذلك كنتم من قبل"، يقول، كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلم فقلتم له "لست مؤمنًا" فقتلتموه، كذلك كنتم أنتم من قبل، يعني: من قبل إعزاز الله دينه بتُبَّاعه وأنصاره، تستخفُون بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله، بدينه من قومه أن يُظهره لهم، حذرًا على نفسه منهم. وقد قيل إن معنى قوله:"كذلك كنتم من قبل" كنتم كفارًا مثلهم="فمنَّ الله عليكم"، يقول: فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تُبَّاعه. وقد قيل، فمنَّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلم ="فتبينوا"، يقول: فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتلَه ممن التبس عليكم أمرُ إسلامه، فلعلَّ الله أن يكون قد مَنَّ عليه من الإسلام بمثل الذي منَّ به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان. ="إن الله كان بما تعملون خبيرًا"، يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم="خبيرًا"، يعني: ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته.
اقرأ بقية تفسير الطبري
* * *
وذكر أن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله ﷺ بعد ما قال:"إنيّ مسلم" = أو بعد ما شهد شهادة الحق= أو بعد ما سلَّم عليهم= لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه.
ذكر الرواية والآثار في ذلك:
١٠٢١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال بعث النبي ﷺ محلِّم بن جثَّامة مَبْعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم حِنَةٌ في الجاهلية، فرماه محلم بسهم، فقتله. فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغيِّر غدًا! فقال عيينة: لا والله، حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي فجاء محلِّم في بُرْدين، فجلس بين يديْ رسول الله ليستغفر له، فقال له النبي ﷺ: لا غفر الله لك! فقام وهو يتلقى دموعه ببُرْديه، فما مضت به سابعة حتى مات، ودفنوه فلفظته الأرض. فجاؤوا إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شرٌّ من صاحبكم! ولكن الله جل وعز أراد أن يَعِظكم. ثم طرحوه بين صَدفَيْ جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"، الآية
١٠٢١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضَمٍ، فخرجت في نَفَرٍ من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبْعيّ، ومحلِّم بن جَثَّامة بن قيس الليثي. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعود له، معه مُتَيِّعٌ له، ووَطْبٌ من لبن. فلما مر بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلِّم بن جثَّامة الليثي لشيء كان بينه وبينه فقتله، وأخذ بعيره ومتَيِّعَه. فلما قدِمنا على رسول الله ﷺ، فأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضَرِبتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمنًا"، الآية
١٠٢١٣- حدثني هارون بن إدريس الأصم قال، حدثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه بنحوه.
١٠٢١٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق ناسٌ من المسلمين رجلا في غُنَيْمة له، فقال: السلام عليكم! فقتلوه وأخذوا تلك الغُنَيْمة، فنزلت هذه الآية:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا"، تلك الغُنَيْمة.
١٠٢١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه.
١٠٢١٦- حدثني سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا ثم ذكر مثله.
١٠٢١٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سُلَيم على نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ وهو في غنم له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلّم عليكم إلا ليتعوذَ منكم! فَعَمَدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ، فأنزل الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا" إلى آخر الآية.
١٠٢١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مثله.
١٠٢١٩- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الرجل يتكلم بالإسلام، ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سريَّة محمدٍ ﷺ أخبر بها حيّه= يعني قومه= ففرّوا، وأقام الرجل لا يخافُ المؤمنين من أجل أنه على دينهم، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام، فيقولُ المؤمنون:"لست مؤمنًا"، وقد ألقى السلام فيقتلونه، فقال الله تبارك وتعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"، إلى"تبتغون عرض الحياة الدنيا"، يعني: تقتلونه إرادةَ أن يحلَّ لكم ماله الذي وجدتم معه -وذلك عرضُ الحياة الدنيا- فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله. وهو رجل اسمه"مِرْداس"، جَلا قومه هاربين من خيلٍ بعثها رسول الله ﷺ، عليها رجل من بني لَيْث اسمه"قُليب"، ولم يجلُ معهم، وإذْ لقيهم مرداس فسلم عليهم قتلوه، فأمر رسول الله ﷺ لأهله بديته، ورد إليهم ماله، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.
١٠٢٢٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"، الآية، قال: وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس:"إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جل وعز في شأنه:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا"، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا.
١٠٢٢١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا"، بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر. فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة. فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال:"السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته. وكان النبي ﷺ إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي ﷺ ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل:"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، فشد عليه فقتله! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها!. فقال له رسول الله ﷺ: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! فأنزل الله عز وجل خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول:"تبتغون عرض الحياة الدنيا"، فلما بلغ:"فمنَّ الله عليكم"، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول:"لا إله إلا الله"، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه.
١٠٢٢٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا"، قال: بلغني أن رجلا من المسلمين أغار على رجل من المشركين فَحَمَل عليه، فقال له المشرك:"إنّي مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله"، فقتله المسلم بعد أن قالها. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال للذي قتله: أقتلته، وقد قال لا إله إلا الله؟ فقال، وهو يعتذر: يا نبي الله، إنما قالها متعوذًا، وليس كذلك! فقال النبي ﷺ: فهلا شققت عن قلبه؟ ثم ماتَ قاتلُ الرجل فقُبر، فلفظته الأرض. فذكر ذلك للنبي ﷺ، فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته الأرض، حتى فُعل به ذلك ثلاث مرات. فقال النبي ﷺ: إن الأرض أبتْ أن تقبَله، فألقوه في غارٍ من الغيران= قال معمر: وقال بعضهم: إن الأرض تَقْبَل من هو شرٌّ منه، ولكن الله جعله لكم عِبْرَة.
١٠٢٢٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: أن قومًا من المسلمين لقوا رجلا من المشركين في غُنَيْمة له، فقال:"السلام عليكم، إنِّي مؤمن"، فظنوا أنه يتعوّذ بذلك، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمته. قال: فأنزل الله جل وعز:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا"، تلك الغُنَيْمة="كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا".
١٠٢٢٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"، قال: خرج المقداد بن الأسود في سريّة، بعثه رسول الله ﷺ. قال: فمُّروا برجل في غُنَيْمة له، فقال:"إنّي مسلم"، فقتله المقداد. فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فنزلت هذه الآية:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا"، قال: الغنيمة.
١٠٢٢٥- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء=
= فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله:"وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ"، ثم قال في الخبر:
= ونزل الفرقان:"وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ"، فقرأ حتى بلغ:"لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا"، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا ="فعند الله مغانم كثيرة"، خير من تلك الغنم، إلى قوله:"إن الله كان بما تعملون خبيرًا".
١٠٢٢٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا"، قال: راعي غنم، لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه، وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه:"السلام عليكم، فإني مؤمن".
١٠٢٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا"، قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله:"لست مؤمنًا"، كما حرم عليهم الميْتَة، فهو آمن على ماله ودمه، لا تردّوا عليه قوله.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله:"فَتَبَيَّنُوا".
فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين وبعضُ الكوفيين والبصريين: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بالياء والنون، من"التبين" بمعنى، التأني والنظر والكشف عنه حتى يتَّضح.
وقرأ ذلك عُظْم قرأة الكوفيين: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، بمعنى التثبُّت، الذي هو خلاف العَجَلة.
قال أبو جعفر: والقولُ عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ. لأن"المتثبت" متبيّن، و"المتبيِّن" متثبِّت، فبأي القراءتين قرأ القارئ، فمصيبٌ صوابَ القراءة في ذلك.
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم".
فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين والكوفيين: ﴿السَّلَمَ﴾ بغير ألف، بمعنى الاستسلام.
* * *
وقرأ بعض الكوفيين والبصريين: ﴿السَّلامَ﴾ بألف، بمعنى التحية.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ ، بمعنى: من استسلم لكم، مذعنًا لله بالتوحيد، مقرًّا لكم بملَّتكم.
وإنما اخترنا ذلك، لاختلاف الرواية في ذلك: فمن راوٍ رَوى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال:"إنّي مسلم" = ومن راوٍ رَوى أنه قال:"السلام عليكم"، فحياهم تحية الإسلام= ومن راوٍ رَوى أنه كان مسلمًا بإسلامٍ قد تقدم منه قبل قتلهم إياه= وكل هذه المعاني يجمعه"السَّلَم"، لأن المسلم مستسلم، والمحيي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى"السَّلم" جامع جميع المعاني التي رُويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية وليس ذلك في"السلام"، لأن"السلام" لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية. فلذلك وصفنا"السلم"، بالصواب.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"كذلك كنتم من قبل".
فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم، مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرًا على أنفسكم منهم، فمنَّ الله عليكم.
* ذكر من قال ذلك:
١٠٢٢٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله:"كذلك كنتم من قبل"، تستخفون بإيمانكم، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.
١٠٢٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير:"كذلك كنتم من قبل"، تكتمون إيمانكم في المشركين.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه، بعد ما ألقى إليكم السلم، كافرًا، كنتم كفارًا، فهداه كما هداكم.
* ذكر من قال ذلك:
١٠٢٣٠- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم"، كفارًا مثله="فتبينوا".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الأول، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيمًا بين أظهر قومه من المشركين مستخفيًا بدينه منهم.
وإنما قلنا:"هذا التأويل أولى بالصواب"، لأن الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلم ولم يُقَدْ به قاتلوه، للبْس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنِّهم أنه ألقى السلم إلى المؤمنين تعوّذًا منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركًا فيقال:"كما كان كافرًا كنتم كفارًا"، بل لا وجه لذلك، لأن الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدًا من خلقه على قتل محارِبٍ لله ولرسوله من أهل الشرك، بعد إذنه له بقتلِه.
واختلف أيضًا أهل التأويل في تأويل قوله:"فمنّ الله عليكم".
فقال بعضهم: معنى ذلك: فمنّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتتمون به من أهل الشرك.
* ذكر من قال ذلك:
١٠٢٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير:"فمن الله عليكم"، فأظهر الإسلام.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن الله عليكم= أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلم طلبَ عرض الحياة الدنيا= بالتوبة من قتلكم إياه.
* ذكر من قال ذلك:
١٠٢٣٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فمن الله عليكم"، يقول: تاب الله عليكم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير، لما ذكرنا من الدِّلالة على أن معنى قوله:"كذلك كنتم من قبل"، ما وصفنا قبل. فالواجب أن يكون عَقِيب ذلك:"فمن الله عليكم"، فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم، بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته، حِذَارًا من أهل الشرك.
حواشي المحقق
انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف ص: ١٧، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
في المخطوطة: "فلما تعلموا"، وهو خطأ.
كان في المطبوعة هنا، "السلام"، كقراءتنا اليوم في مصحفنا، والسلام التحية، وهي إحدى القراءتين، ولكن تفسير أبي جعفر بعد، هو تفسير"السلم"، وهو الاستسلام والانقياد، وهي القراءة الأخرى التي اختارها. فكتابتها هنا"السلام" خطأ. لا يصح به المعنى من تفسيره.
انظر تفسير"السلم" فيما سلف ص: ٢٣، ٢٤، ٢٩ ومادة"سلم" من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.
انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ٨: ٣١٦ تعليق: ١، والمراجع هناك.
في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام"، وانظر التعليق السالف ص: ٧٠، رقم: ٤.
في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام"، وانظر التعليق السالف ص: ٧٠، رقم: ٤.
انظر تفسير"من" فيما سلف ٧: ٣٦٩.
انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.
في المطبوعة: "جزاء المحسن بإحسانه.."، وهو غير مستقيم، والصواب من المخطوطة.
في المطبوعة: "والآثار بذلك"، والصواب من المخطوطة.
في المطبوعة: "عن نافع أن ابن عمر"، وأثبت ما في المخطوطة.
في المطبوعة: "إحنة في الجاهلية"، وهو صواب، و"الإحنة": الحقد في الصدر. من"أحن" وأما "حنة" كما أثبتها من المخطوطة، فهي من"وحن"، وهي أيضًا الحقد. وقد سلف التعليق على هذه اللفظة، حيث وردت في الأثر رقم ٢١٩٥، في الجزء الثالث: ١٥٢، ١٥٣، تعليق: ٢. وقد ذكرت هناك إنكار الأصمعي"حنة"، وزعم الأزهري أنها ليست من كلام العرب. وهذا دليل آخر على صواب هذه الكلمة، وأن الذي قاله الأزهري ليس بشيء.
في ابن كثير ٢: ٥٤٦: "سر اليوم وغر غدا" وهو خطأ محض.
في المخطوطة: "حتى تذوق بكاؤه" وهو تحريف من الناسخ، والصواب من السياق ومن تفسير ابن كثير.
في المخطوطة: "في برد"، والصواب من ابن كثير، وكما صححه في المطبوعة من سياق الخبر.
"الصدف" (بفتحتين) : جانب الجبل الذي يقابلك منه. والصدف: كل شيء مرتفع عظيم كالحائط والجبل.
الأثر: ١٠٢١١ - في تفسير ابن كثير ٢: ٥٤٦، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٠٠ مختصرًا.
في المطبوعة: "عن يزيد عن عبد الله بن قسيط"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة وسائر المراجع.
"إضم": واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر، من عند المدينة، وهو واد لأشجع وجهينة.
"القعود": هو البكر من الإبل، حين يمكن ظهره من الركوب، وذلك منذ تكون له سنتان حتى يدخل في السادسة. و"متيع" تصغير"متاع": وهو السلعة، وأثاث البيت، وما يستمتع به الإنسان من حوائجه أو ماله. و"الوطب": سقاء اللبن.
في المطبوعة: "وأخبرناه" بالواو، وأثبت ما في المخطوطة.
الأثر: ١٠٢١٢ - هذا الأثر رواه ابن إسحاق في سيرته، سيرة ابن هشام ٤: ٢٧٥، ورواه أحمد في مسنده ٦: ١١، وابن سعد في الطبقات ٤ / ٢ / ٢٢ و٢ / ١ / ٩٦ (بغير إسناد) ، والطبري في تاريخه ٣: ١٠٦، وابن عبد البر في الاستيعاب: ٢٨٥، وابن الأثير في أسد الغابة ٣: ٧٧، وابن كثير في تفسيره ٢: ٥٤٥، والحافظ ابن حجر في ترجمة"عبد الله بن أبي حدرد"، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ١٩٩، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم والبيهقي، وكلاهما في الدلائل.
وفي إسناد هذا الأثر اضطراب شديد أرجو أن أبلغ في بيانه بعض ما أريد في هذا المكان.
١- وإسناد محمد بن إسحاق في سيرة ابن هشام: "حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
٢- وإسناد أحمد في مسنده: "حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق (وفي المطبوعة: عن إسحاق، خطأ صوابه من تفسير ابن كثير) ، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
٣- وإسناد الطبري في تاريخه: "حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد= وقال بعضهم: عن ابن القعقاع= عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حدرد".
٤- وإسناد ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه".
والأسانيد الثلاثة الأولى، وإسناد الطبري في التفسير، جميعها من طريق محمد بن إسحاق، وقد اتفق إسناد أحمد وإسناد ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.
وأما إسنادا الطبري فقد خالف ما اتفق عليه أحمد وابن هشام في السيرة، فجاء في التفسير هنا"عن أبي القعقاع" لا"عن القعقاع"، ثم زاد الطبري الأمر إشكالا في التاريخ فقال"عن أبي القعقاع.. عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حدرد"، فزاد"عن أبيه"، ولا ذكر لها في تفسيره، ولا في سائر الأسانيد، والظاهر أنه خطأ، وأن صوابه كما في التفسير"عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
وأما إسناد ابن سعد، فقد خالف هذا كله فجعل مكان"القعقاع"، أو "أبي القعقاع"، "عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد"، ولم أجد لعبد الرحمن هذا ذكرًا في كتب تراجم الرجال. وجاء ابن عبد البر في الاستيعاب ٢: ٤٥٢، بما هو أغرب من هذا، فسماه"عبد ربه بن أبي حدرد الأسلمي"، وليس له ذكر في كتاب. ولكني وجدت في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٢٨"عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي"، سمع أبا هريرة. روى عنه أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المديني. ولا أظنه هذا الذي في إسناد ابن سعد. (انظر أيضًا تهذيب التهذيب ٦: ١٦٠) .
وأما "القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" فقد ترجم البخاري في الكبير ٤ / ١ / ١٨٧، لصحابي هو"القعقاع بن أبي حدرد الأسلمي" وامرأته"بقيرة"، وهو كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة، أخو"عبد الله بن أبي حدرد" ثم عقب البخاري على هذه الترجمة بقوله: "ويقال: القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، ولا يصح"، يعني أنه هذا الأخير لا تصح له صحبة، وأنه غير الأول. وكذلك فعل ابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٣٦، كمثل ما في التاريخ الكبير.
أما الحافظ في تعجيل المنفعة: ٣٤٤، فقد ترجم للقعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ووهم في نقله عن البخاري، فظن البخاري قد ترجم له، فذكر في ترجمته ما قال البخاري في ترجمة"القعقاع بن أبي حدرد"، مع أنه صحح ذلك في ترجمة"القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" في القسم الثالث من الإصابة.
أما ما ذكره الطبري من أنه"أبو القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" أو "ابن القعقاع"، فلم أجده في مكان آخر، ولكني تركت ما كان في نص إسناده في التفسير"أبو القعقاع"، مع أنه لا ذكر له في الكتب ولا ترجمة، لأنه وافق ما في التاريخ، ولأن ما رواه من قوله: "ويقال: ابن القعقاع"، يستبعد معه كل تحريف أو زيادة من ناسخ أو غيره.
هذا، وقد جاء في إسناد آخر في التاريخ ٣: ١٢٥ عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق، عن ابن شهاب الزهري، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، "عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد". فلم يذكر اسمه، كما ذكر في الإسناد السالف، كما سيأتي في الإسناد التالي أيضًا: "عن ابن أبي حدرد، عن أبيه".
وهذا اضطراب غريب في إسناده، أردت أن أجمعه في هذا المكان، لأني لم أجد أحدًا استوفى ما فيه، وعسى أن يتوجه لباحث فيه رأي، وكتبه محمود محمد شاكر.
الأثر: ١٠٢١٣ - انظر التعليق على الأثر السالف."هارون بن إدريس الأصم" شيخ الطبري، مضى برقم: ١٤٥٥.
و"المحاربي""عبد الرحمن بن محمد بن زياد" مضى برقم: ٢٢١، ٨٧٥، ١٤٥٥.
"الغنيمة" تصغير"غنم"، وهو قطيع من الغنم. وإنما أدخلت التاء في"غنيمة"، لأنه أريد بها القطعة من الغنم. وانظر ما قاله أبو جعفر في دخول هذه التاء فيما سلف ٦: ٤١٢، ٤١٣.
الأثر: ١٠٢١٦ - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.
و"سعيد بن الربيع الرازي" مضى برقم: ٣٧٩١، ٥٣١٢.
الأثران: ١٠٢١٧، ١٠٢١٨ - رواه أحمد في مسنده من طريق يحيى بن أبي بكير، وحسين بن محمد، وخلف بن الوليد، ويحيى بن آدم، جميعًا عن إسرائيل. وأرقامه في المسند: ٢٠٢٣، ٢٤٦٢، ٢٩٨٨، وإسناده صحيح. وقال ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٤٤: "ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى، وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن إسرائيل به. وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط (هكذا في الأصل) . وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما، لعلل، منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا عن هذا الوجه= ومنها: أن عكرمة في روايته عندهم نظر= ومنها: أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه، فقال بعضهم: نزلت في محلم بن جثامة. وقال بعضهم: أسامة بن زيد. وقيل غير ذلك. قلت [القائل ابن كثير] : وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه، أحدها: أنه ثابت عن سماك، حدث به غير واحد من الأئمة الكبار. الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث: أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس.."
وهذا الذي نقله ابن كثير من بعض كتب أبي جعفر، أرجح، بل أقطع، أنه في كتابه تهذيب الآثار، وبيانه هذا الذي نقله ابن كثير، مطابق لنهجه في تهذيب الآثار، ونقلت هذا هنا للفائدة، ولأنه أول نقل رأيته في تفسير ابن كثير عن تهذيب الآثار فيما أرجح.
انظر الاختلاف في اسمه"قليب" بالقاف والباء، أو فليت" بالفاء والتاء، في الإصابة في موضعه.
في المطبوعة والمخطوطة: "ولم يجامعهم" وظاهر أنه تحريف من الناسخ، صوابه ما أثبت.
في المطبوعة: "إذا لقيهم مرداس فسلم عليهم فقتلوه" وأثبت ما في المخطوطة إلا أني جعلت"وإذا""وإذ"، لأن السياق يقتضيها.
"صبحتهم الخيل (بفتحتين) وصبحتهم (بتشديد الباء) ": أتتهم صباحًا، وكانت أكثر غاراتهم في الصباح. و"الغدوة" (بضم فسكون) : البكرة، ما بين صلاة الغداة (الفجر) وطلوع الشمس.
في المخطوطة: "فدعاه" وهو تحريف، صواب ما أثبت. وفي المطبوعة: "فتلقوه"، وهو رديء، خير منه ما في الدر المنثور: "فتلقاه".
الأثر: ١٠٢٢٠ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٢٠٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
كان في المطبوعة: " ... عرض الحياة الدنيا، الآية، قال: بعث ... "، وأثبت ما في المخطوطة، وإن كان الناسخ قد غفل فأسقط من الآية في كتابته: "كذلك كنتم من قبل".
"البضعة" (بفتح فسكون) : القطعة من اللحم.
في المخطوطة: "فقتله الأسود"، والصواب ما في المطبوعة، أو أن تكون: "فقتله ابن الأسود".
الأثر: ١٠٢٢٤-"حبيب بن أبي عمرة" القصاب، بياع القصب، ويقال"اللحام"، أبو عبد الله الحماني. روى عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأم الدرداء. روى عنه الثوري وجماعة. قال ابن سعد: "ثقة قليل الحديث". مترجم في التهذيب.
انظر ما سلف رقم: ١٠٢٢١.
في المخطوطة: "بعثه نفر من المؤمنين"، وهو خطأ، صوابه ما في المطبوعة.
انظر تفسير"التبين" فيما سلف ص: ٧٠.
في المطبوعة: " ... السلام" بالألف، والصواب إثباتها كرسم المصحف هنا، حتى يظهر سياق اختلاف القراءة.
في المطبوعة: "وليس كذلك في الإسلام"، والصواب الجيد من المخطوطة.
في المخطوطة: "مستخفون بإيمانكم"، وما في المطبوعة أجود.
قوله"كافرًا" ليس في المخطوطة، والسياق يقتضيها كما في المطبوعة، وانظر اعتراض أبي جعفر بعد، فهو يوجب إثبات هذه الكلمة في هذا الموضع.
في المطبوعة في هذا الموضع وما يليه"السلام" مكان"السلم"، ولكني أثبت ما في المخطوطة، لأن تفسير أبي جعفر جار على"السلم" لا على"السلام". وقوله: "لم يقد" بالبناء للمجهول من"القود" (بفتح القاف والواو) وهو القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، يقال منه"أقدته به أقيده إقادة".
في المطبوعة: "بعد ما كانوا يكتمونه"، والجيد ما في المخطوطة."يكتتمون به"، يستخفون به.
في المخطوطة: "أيها القاتلو الذي ألقي إليكم السلم"، وهو لا بأس به.
في المطبوعة: "حذرًا"، وأثبت ما في المخطوطة، وهما سواء.
معاني الكلمات
من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com
ضَرَبْتُمْ: خَرَجْتُمْ فِي الأَرْضِ.
عَرَضَ الْحَيَاةِ: مَتَاعَهَا الزَّائِلَ، وَالمَقْصُودُ: الغَنِيمَةُ.
النفحات المكية
محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، إذا خرجتم مسافرين للغزو والجهاد في سبيل الله، فتأكَّدوا ممن تَلْقَوْنَهم في طريقكم، هل هم مسلمون فتكفوا عنهم، أو كافرون فتقاتلوهم؟
ولا تقولوا لمن ألقى عليكم تحية الإسلام، أو نطق بالشهادتَيْنِ: (لَسْتَ مسلمًا)؛ لتنالوا منه سَلَبَهُ، والسَّلَبُ ما يؤخذ من المسلوبِ، مما يكون عليه ومعه، من ثيابٍ وسلاح ودابةٍ، ومَنْ أراد الغنيمة، فعند الله لكم مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبلُ تُخْفُونَ إيمانكم خوفًا من قومكم، فمَنَّ الله عليكم، وأظهر دينه ونصَرَكم؛ لذا يجب عليكم أن تتبيَّنوا قبل الإقدام على قتل أي أحد حتى تتأكَّدوا من كفرِهِ.
واعلموا أنَّ الله كان ولم يزل عليمًا بأعمالكم، وسوف يحاسبكم عليها، وهو على كل شيء قدير.
نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.