الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة الحجرات ‹ الآية ١١
تفسير الآية ١١ من سورة الحجرات
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١
اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزولاسأل على واتساب
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com
يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، لا يستهزئ قوم منكم بقوم، عسى أن يكون المستهزَأ بهم خيرًا عند الله، والعبرة بما عند الله، ولا يستهزئ نساء من نساء عسى أن يكون المستهزَأ بهن خيرًا عند الله، ولا تعيبوا إخوتكم فهم بمنزلة أنفسكم، ولا يُعَيِّرْ بعضكم بعضًا بلقب يكرهه، كما كان حال بعض الأنصار قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن فعل ذلك منكم فهو فاسق، بئست الصفة صفة الفسق بعد الإيمان، ومن لم يتب من هذه المعاصي فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب ما فعلوه من المعاصي.
التفسير الميسر
نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشريعته لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين؛ عسى أن يكون المهزوء به منهم خيرًا من الهازئين، ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات; عسى أن يكون المهزوء به منهنَّ خيرًا من الهازئات، ولا يَعِبْ بعضكم بعضًا، ولا يَدْعُ بعضكم بعضًا بما يكره من الألقاب، بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه، ومن لم يتب من هذه السخرية واللمز والتنابز والفسوق فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب هذه المناهي.
أسباب النزول
أسباب نزول القرآن — أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت 468هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ في أُذُنَيْهِ وقْرٌ، فَكانَ إذا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْسَعُوا لَهُ حَتّى يَجْلِسَ إلى جَنْبِهِ فَيَسْمَعَ ما يَقُولُ، فَجاءَ يَوْمًا وقَدْ أخَذَ النّاسُ مَجالِسَهم، فَجَعَلَ يَتَخَطّى رِقابَ النّاسِ ويَقُولُ: تَفَسَّحُوا تَفَسَّحُوا. فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: قَدْ أصَبْتَ مَجْلِسًا فاجْلِسْ. فَجَلَسَ ثابِتٌ مُغْضَبًا، فَغَمَزَ الرَّجُلَ فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقالَ: أنا فُلانٌ. فَقالَ ثابِتٌ: ابْنُ فُلانَةَ ؟ وذَكَرَ أُمًّا كانَتْ لَهُ يُعَيَّرُ بِها في الجاهِلِيَّةِ، فَنَكَسَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ اسْتِحْياءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا نِساءٌ مِّن نِّساءٍ عَسى أن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ نَزَلَتْ في امْرَأتَيْنِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ سَخِرَتا مِن أُمِّ سَلَمَةَ، وذَلِكَ أنَّها رَبَطَتْ حِقْوَيْها بِسَبَنِيَّةٍ - وهو خَيْطٌ أبْيَضُ - وسَدَلَتْ طَرَفَها خَلْفَها، فَكانَتْ تَجُرُّهُ، فَقالَتْ عائِشَةُ لِحَفْصَةَ: انْظُرِي إلى ما تَجُرُّ خَلْفَها كَأنَّهُ لِسانُ كَلْبٍ. فَهَذا كانَ سُخْرِيَّتَها.
اقرأ بقية أسباب النزول
وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ، عَيَّرْنَ أُمَّ سَلَمَةَ بِالَقِصَرِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ النِّساءَ يُعَيِّرْنَنِي ويَقُلْنَ: يا يَهُودِيَّةَ بِنْتَ يَهُودِيَّيْنِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”هَلّا قُلْتِ: إنَّ أبِي هارُونُ، وإنَّ عَمِّي مُوسى، وإنَّ زَوْجِي مُحَمَّدٌ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ المِهْرِجانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُطَّةَ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ المَرْوَزِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أبِي جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحّاكِ، عَنْ أبِيهِ وعُمُومَتِهِ قالُوا: قَدِمَ عَلَيْنا النَّبِيُّ ﷺ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَدْعُو لِلرَّجُلِ يَنْبِزُهُ، فَيُقالُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ يَكْرَهُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ .
تفسير السعدي
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com
{11} وهذا أيضاً من حقوق المؤمنين بعضهم على بعض؛ أن: {لا يَسْخَرْ قومٌ من قومٍ}: بكلِّ كلامٍ وقولٍ وفعلٍ دالٍّ على تحقير الأخ المسلم؛ فإنَّ ذلك حرامٌ لا يجوز، وهو دالٌّ على إعجاب الساخر بنفسه، وعسى أن يكون المسخورُ به خيراً من الساخر، وهو الغالبُ والواقعُ؛ فإنَّ السخرية لا تقع إلاَّ من قلب ممتلئٍ من مساوئ الأخلاق، متحلٍّ بكل خلقٍ ذميمٍ، متخلٍّ من كلِّ خلقٍ كريم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلمَ».
ثم قال: {ولا تَلْمِزوا أنفُسَكُم}؛ أي: لا يعب بعضكم على بعض، واللَّمزُ بالقول، والهمز بالفعل، وكلاهما منهيٌّ عنه حرامٌ متوعَّدٌ عليه بالنار؛ كما قال تعالى: {ويلٌ لكلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ... } الآية، وسمَّى الأخ المسلم نفساً لأخيهِ؛ لأن المؤمنين ينبغي أن يكون هكذا حالُهم؛ كالجسد الواحد، ولأنَّه إذا همزَ غيرَه؛ أوجبَ للغير أن يهمزه، فيكون هو المتسبِّب لذلك، {ولا تنابَزوا بِالألقابِ}؛ أي: لا يعيِّر أحدُكم أخاه ويلقِّبه بلقبٍ يكره أن يقالَ فيه، وهذا هو التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة؛ فلا تدخل في هذا. {بئسَ الاسمُ الفُسوقُ بعدَ الإيمانِ}؛ أي: بئسما تبدَّلتم عن الإيمان والعمل بشرائعِهِ وما يقتضيه بالإعراضِ عن أوامرِهِ ونواهيه باسم الفسوق والعصيان الذي هو التنابُزُ بالألقاب، {ومَن لم يَتُبْ فأولئك هم الظَّالمونَ}: وهذا هو الواجب على العبد: أن يتوبَ إلى الله تعالى، ويخرجَ من حقِّ أخيه المسلم باستحلالِهِ والاستغفار والمدح له مقابلةً على ذمِّه. {ومَن لمْ يَتُبْ فأولئكَ هم الظالمونَ}؛ فالناس قسمان: ظالمٌ لنفسه غيرُ تائبٍ، وتائبٌ مفلحٌ، ولا ثَمَّ غيرهما.
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
يَنْهَى تَعَالَى عَنِ السُّخْرِيَةِ بِالنَّاسِ، وَهُوَ احْتِقَارُهُمْ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الكِبْر بَطَرُ الْحَقِّ وغَمْص النَّاسِ" وَيُرْوَى: "وَغَمْطُ النَّاسِ" وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ: احْتِقَارُهُمْ وَاسْتِصْغَارُهُمْ، وَهَذَا حَرَامٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمُحْتَقَرُ أَعْظَمَ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ السَّاخِرِ مِنْهُ الْمُحْتَقِرِ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ ، فَنَصَّ عَلَى نَهْيِ الرِّجَالِ وَعَطَفَ بِنَهْيِ النِّسَاءِ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: لَا تَلْمِزُوا النَّاسَ. والهمَّاز اللَّماز مِنَ الرِّجَالِ مَذْمُومٌ مَلْعُونٌ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الْهُمَزَةِ: ١] ، فَالْهَمْزُ بِالْفِعْلِ وَاللَّمْزُ بِالْقَوْلِ، كَمَا قَالَ: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [الْقَلَمِ: ١١] أَيْ: يَحْتَقِرُ النَّاسَ وَيَهْمِزُهُمْ طَاعِنًا عَلَيْهِمْ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَهِيَ: اللَّمْزُ بِالْمَقَالِ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] أَيْ: لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .
اقرأ بقية تفسير ابن كثير
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ أَيْ: لَا تَتَدَاعَوْا بِالْأَلْقَابِ، وَهِيَ الَّتِي يَسُوءُ الشَّخْصَ سَمَاعُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَبِيرة بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلِمَةَ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِينَا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ إِذَا دُعِىَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِاسْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا. فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْب، عَنْ دَاوُدَ، بِهِ .
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ أَيْ: بِئْسَ الصِّفَةُ وَالِاسْمُ الْفُسُوقُ وَهُوَ: التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَنَاعَتُونَ، بَعْدَمَا دَخَلْتُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَعَقَلْتُمُوهُ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾
أَيْ: مِنْ هَذَا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
حواشي المحقق
صحيح مسلم برقم (٩١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
زيادة من ت.
في م: "أي: لا يطعن بعذكم على بعض".
في ت: "وروى".
في ت: "عن أبي جبيرة".
المسند (٤/٢٦٠) وسنن أبي داود برقم (٤٩٦٢) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٢٦٨) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حديث حسن صحيح".
في ت: "دخلوا".
تفسير الجلالين
جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net
﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَر﴾ الْآيَة نَزَلَتْ فِي وَفْد تَمِيم حِين سَخِرُوا مِنْ فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ كَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ وَالسُّخْرِيَّة الِازْدِرَاء وَالِاحْتِقَار ﴿قَوْم﴾ أَيْ رِجَال مِنْكُمْ ﴿مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ عِنْد اللَّه ﴿وَلَا نِسَاء﴾ مِنْكُمْ ﴿مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسكُمْ﴾ لَا تَعِيبُوا فَتُعَابُوا أَيْ لَا يَعِبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ لَا يَدْعُو بَعْضكُمْ بَعْضًا بِلَقَبٍ يَكْرَههُ وَمِنْهُ يَا فَاسِق يَا كَافِر ﴿بِئْسَ الِاسْم﴾ أَيْ الْمَذْكُور مِنْ السُّخْرِيَّة وَاللَّمْز وَالتَّنَابُز ﴿الْفُسُوق بَعْد الْإِيمَان﴾ بَدَل مِنْ الِاسْم أَنَّهُ فِسْق لِتَكَرُّرِهِ عَادَة ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ مِنْ ذلك ﴿فأولئك هم الظالمون﴾
١ -
تفسير البغوي
معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي أُذُنِهِ وَقْرٌ، فَكَانَ إِذَا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَبَقُوهُ بِالْمَجْلِسِ أَوْسَعُوا لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَى جَنْبِهِ، فَيَسْمَعَ مَا يَقُولُ، فَأَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ فَاتَتْهُ [رَكْعَةٌ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ] ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّلَاةِ أَخَذَ أَصْحَابُهُ مَجَالِسَهُمْ، فَضَنَّ كُلُّ رَجُلٍ بِمَجْلِسِهِ فَلَا يَكَادُ يُوَسِّعُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَلَمْ يَجِدْ مَجْلِسًا يَجْلِسُ فِيهِ قَامَ قَائِمًا كَمَا هُوَ، فَلَمَّا فَرَغَ ثَابِتٌ مِنَ الصَّلَاةِ أَقْبَلَ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَيَقُولُ: تَفَسَّحُوا تَفَسَّحُوا، فَجَعَلُوا يَتَفَسَّحُونَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: تَفَسَّحْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ أَصَبْتَ مَجْلِسًا فَاجْلِسْ، فَجَلَسَ ثَابِتٌ خَلْفَهُ مُغْضَبًا، فَلَمَّا انْجَلْتِ الظُّلْمَةُ غَمَزَ ثَابِتٌ الرَّجُلَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا فُلَانٌ، فَقَالَ ثَابِتٌ: ابْنُ فلانة، وذكر ١٣٦/أأُمًّا لَهُ كَانَ يُعَيَّرُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَكَّسَ الرَّجُلُ رَأَسَهُ وَاسْتَحْيَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ .
اقرأ بقية تفسير البغوي
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ الَّذِينَ ذكرناهم، كانوا يستهزؤون بِفُقَرَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلِ عَمَّارٍ وَخَبَّابٍ وَبِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَسَلْمَانَ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، لَمَّا رَأَوْا مِنْ رَثَاثَةِ حَالِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرُ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ أَيْ رِجَالٌ مِنْ رِجَالٍ. وَ"الْقَوْمُ": اسْمٌ يَجْمَعُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَقَدْ يَخْتَصُّ بِجَمْعِ الرِّجَالِ، ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ .
رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ عَيَّرْنَ أُمَّ سَلَمَةَ بِالْقِصَرِ .
وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، قَالَ لَهَا النِّسَاءُ: يَهُودِيَّةٌ بِنْتُ يَهُودِيَّيْنِ .
﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ لَا يَعِبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ التَّنَابُزُ: التَّفَاعُلُ مِنَ النَّبْزِ، وَهُوَ اللَّقَبُ، وَهُوَ أَنْ يُدْعَى الْإِنْسَانُ بِغَيْرِ مَا سُمِّيَ بِهِ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: يَا فَاسِقُ يَا مُنَافِقُ يَا كَافِرُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ يُسْلِمُ، فَيُقَالُ لَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ يَا يَهُودِيُّ يَا نَصْرَانِيُّ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ .
قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَنْ تَقُولَ لِأَخِيكَ: يَا كَلْبُ يَا حِمَارُ يَا خِنْزِيرُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ": أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَمِلَ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابَ عَنْهَا فَنُهِيَ أَنْ يُعَيَّرَ بما سلف عن عَمَلِهِ.
﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ، بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ . أَيْ بِئْسَ الِاسْمُ أَنْ يَقُولَ: يَا يَهُودِيُّ أَوْ يَا فَاسِقُ بَعْدَ مَا آمَنَ وَتَابَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إِنَّ مَنْ فَعَلَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَاللَّمْزِ وَالنَّبْزِ فَهُوَ فَاسِقٌ، وَبِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَلَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ فَتَسْتَحِقُّوا اسْمَ الْفُسُوقِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ مِنْ ذَلِكَ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ، الظَّالِمُونَ﴾
حواشي المحقق
في "ب" (ركعتا الفجر) .
ذكره الواحدي في أسباب النزول صفحة: (٤٥٣) .
أورده السيوطي في الدر: ٧ / ٥٦٣ عن مقاتل وعزاه لابن أبي حاتم.
ذكره الواحدي في أسباب النزول صفحة: (٤٥٤) .
ذكره الواحدي في أسباب النزول صفحة: (٤٥٤) ، القرطبي: ١٦ / ٣٢٦.
أخرج الطبري هذين القولين لعكرمة والحسن: ٢٦ / ١٣٢-١٣٣ ثم قال: "والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب، والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها، وإذا كان ذلك كذلك صحت الأقوال التي قالها أهل التأويل في ذلك التي ذكرناها كلها، ولم يكن بعض ذلك أولى بالصواب من بعض، لأن كل ذلك مما ينهى الله المسلمين أن ينبز بعضهم بعضا".
أخرجه الطبري: ٢٦ / ١٣٣. وانظر: الدر المنثور: ٧ / ٥٦٤.
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ فيه أربع مسائل: الاولى-: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ" قِيلَ عِنْدَ اللَّهِ. وَقِيلَ "خَيْراً مِنْهُمْ" أَيْ مُعْتَقَدًا وَأَسْلَمَ بَاطِنًا. وَالسُّخْرِيَةُ الِاسْتِهْزَاءُ. سَخِرْتُ مِنْهُ أَسْخَرُ سَخَرًا (بِالتَّحْرِيكِ) وَمَسْخَرًا وَسُخْرًا (بِالضَّمِّ). وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ سَخِرْتُ بِهِ، وَهُوَ أَرْدَأُ اللُّغَتَيْنِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: سَخِرْتُ مِنْهُ وَسَخِرْتُ بِهِ، وَضَحِكْتُ مِنْهُ وَضَحِكْتُ بِهِ، وَهَزِئْتُ مِنْهُ وَهَزِئْتُ بِهِ، كل يقال. والاسم السخرية والسخري، وقرى بِهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفُلَانٌ سُخْرَةٌ، يُتَسَخَّرُ فِي الْعَمَلِ. يُقَالُ: خَادِمُ سُخْرَةٍ. وَرَجُلُ سُخْرَةٍ أَيْضًا يُسْخَرُ مِنْهُ. وَسُخَرَةٌ (بِفَتْحِ الْخَاءِ) يَسْخَرُ مِنَ النَّاسِ. الثَّانِيَةُ- وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كَانَ فِي أُذُنِهِ وَقْرٌ، فَإِذَا سَبَقُوهُ إِلَى مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْسَعُوا لَهُ إِذَا أَتَى حَتَّى يَجْلِسَ إِلَى جَنْبِهِ لِيَسْمَعَ مَا يَقُولُ، فَأَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ فَاتَتْهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ رَكْعَةٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَ أَصْحَابُهُ مجالسهم منه، فَرَبَضَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِمَجْلِسِهِ، وَعَضُّوا فِيهِ فَلَا يَكَادُ يُوَسِّعُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَجِدُ مَجْلِسًا فَيَظَلُّ قَائِمًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ ثَابِتٌ مِنَ الصَّلَاةِ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيَقُولُ: تَفَسَّحُوا تَفَسَّحُوا، فَفَسَحُوا لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: تَفَسَّحْ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: قَدْ وَجَدْتَ مَجْلِسًا فَاجْلِسْ! فَجَلَسَ ثَابِتٌ مِنْ خَلْفِهِ مُغْضَبًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا فُلَانٌ، فَقَالَ ثَابِتٌ: ابْنُ فُلَانَةٍ! يُعَيِّرُهُ بِهَا، يَعْنِي أُمًّا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ، فَنَزَلَتْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي أَوَّلِ "السُّورَةِ" اسْتَهْزَءُوا بِفُقَرَاءِ الصَّحَابَةِ، مِثْلِ عَمَّارٍ وَخَبَّابٍ وَابْنِ فُهَيْرَةَ وَبِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَسَلْمَانَ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمْ، لَمَّا رَأَوْا مِنْ رَثَاثَةِ حَالِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِي الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ سُخْرِيَةُ الْغَنِيِّ مِنَ الْفَقِيرِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا يَسْخَرُ مَنْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ مِمَّنْ كَشَفَهُ اللَّهُ، فَلَعَلَّ إِظْهَارَ ذُنُوبِهِ فِي الدُّنْيَا خَيْرٌ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عِكْرِمَةِ بْنِ أَبِي جَهْلٌ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُسْلِمًا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا رَأَوْهُ قَالُوا ابْنَ فِرْعَوْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وَبِالْجُمْلَةِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَجْتَرِئَ أَحَدٌ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ بِمَنْ يَقْتَحِمُهُ بِعَيْنِهِ إِذَا رَآهُ رَثَّ الْحَالِ أَوْ ذَا عَاهَةٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ غَيْرِ لَبِيقٍ فِي مُحَادَثَتِهِ، فَلَعَلَّهُ أَخْلَصُ ضَمِيرًا وَأَنْقَى قَلْبًا مِمَّنْ هُوَ عَلَى ضِدِّ صِفَتِهِ، فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللَّهُ، وَالِاسْتِهْزَاءِ بِمَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ. وَلَقَدْ بَلَغَ بِالسَّلَفِ إِفْرَاطُ تَوَقِّيهِمْ وَتَصَوُّنِهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ قَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلٍ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا يُرْضِعُ عنزا فضحكت منه لخشيت أَصْنَعَ مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: الْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ، لَوْ سَخِرْتُ من كلب لخشيت أن أحول كلبا. و "قَوْمٌ" فِي اللُّغَةِ لِلْمُذَكَّرِينَ خَاصَّةً. قَالَ زُهَيْرٌ:
اقرأ بقية تفسير القرطبي
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
وَسُمُّوا قَوْمًا لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَعَ دَاعِيهِمْ فِي الشَّدَائِدِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ جَمْعٌ قَائِمٌ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا قَائِمِينَ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْقَوْمِ النِّسَاءُ مجازا، وقد مضى في "البقرة"»
بيانه.
الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ أَفْرَدَ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ السُّخْرِيَةَ مِنْهُنَّ أَكْثَرُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] فَشَمِلَ الْجَمِيعَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ سَخِرَتَا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا رَبَطَتْ خَصْرَيْهَا بِسَبِيبَةٍ- وَهُوَ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، وَمِثْلُهَا السِّبُّ- وَسَدَلَتْ طَرَفَيْهَا خَلْفَهَا فَكَانَتْ تَجُرُّهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةٌ لِحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: انْظُرِي! مَا تَجُرُّ خَلْفَهَا كَأَنَّهُ لِسَانُ كَلْبٍ، فَهَذِهِ كَانَتْ سُخْرِيَتُهُمَا. وَقَالَ أَنَسٌ وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، عَيَّرْنَ أُمَّ سَلَمَةَ بِالْقِصَرِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ، أَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهَا لَقَصِيرَةٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النِّسَاءَ يُعَيِّرْنَنِي، وَيَقُلْنَ لِي يَا يَهُودِيَّةُ بِنْتَ يَهُودِيَّيْنِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:] هَلَّا قُلْتِ إِنَّ أَبِي هَارُونُ وَإِنَّ عَمِّي مُوسَى وَإِنَّ زَوْجِي مُحَمَّدٌ [. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. الرَّابِعَةُ- فِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا، فَقَالَ:] مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا [. قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ- وَقَالَتْ بِيَدِهَا - هَكَذَا، يَعْنِي أَنَّهَا قَصِيرَةٌ. فَقَالَ:] لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ لَمُزِجَ [. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْفُسِ. وَقَالَ:] لِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا [. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:] إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ [. وَهَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَلَّا يُقْطَعَ بِعَيْبِ أَحَدٍ لِمَا يُرَى عَلَيْهِ مِنْ صُوَرِ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ، فَلَعَلَّ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ وَصْفًا مَذْمُومًا لا تصح مَعَهُ تِلْكَ الْأَعْمَالُ. وَلَعَلَّ مَنْ رَأَيْنَا عَلَيْهِ تَفْرِيطًا أَوْ مَعْصِيَةً يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ وَصْفًا مَحْمُودًا يَغْفِرُ لَهُ بِسَبَبِهِ. فَالْأَعْمَالُ أَمَارَاتٌ ظَنِّيَّةٌ لَا أَدِلَّةً قَطْعِيَّةً. وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عَدَمُ الْغُلُوِّ فِي تَعْظِيمِ مَنْ رَأَيْنَا عَلَيْهِ أَفْعَالًا صَالِحَةً، وَعَدَمُ الِاحْتِقَارِ لِمُسْلِمٍ رَأَيْنَا عَلَيْهِ أَفْعَالًا سَيِّئَةً. بَلْ تُحْتَقَرُ وَتُذَمُّ تِلْكَ الْحَالَةُ السَّيِّئَةُ، لَا تِلْكَ الذَّاتُ الْمُسِيئَةُ. فَتَدَبَّرْ هَذَا، فَإِنَّهُ نَظَرٌ دَقِيقٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فيه ثلاث مسائل: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ اللَّمْزُ: الْعَيْبُ، وَقَدْ مَضَى فِي "بَرَاءَةٌ" عِنْدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ اللَّمْزُ بِالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْإِشَارَةِ. وَالْهَمْزُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللِّسَانِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أَيْ لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فَكَأَنَّهُ بِقَتْلِ أَخِيهِ قَاتَلَ نَفْسَهُ. وكقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] يَعْنِي يُسَلِّمُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَالْمَعْنَى: لَا يَعِبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَلْعَنْ بَعْضُكُمْ بعضا. وقرى: "وَلَا تَلْمُزُوا" بِالضَّمِّ. وَفِي قَوْلِهِ "أَنْفُسَكُمْ" تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَعِيبُ نَفْسَهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ كَنَفْسِهِ، قَالَ ﷺ:] الْمُؤْمِنُونَ كَجَسَدٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عُضْوٌ مِنْهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى [. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْظُرَ الْعُيُوبَ جَمَّةً فَتَأَمَّلْ عَيَّابًا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَعِيبُ النَّاسَ بِفَضْلِ مَا فِيهِ مِنَ الْعَيْبِ. وَقَالَ ﷺ:] يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَيَدَعُ الْجِذْعَ فِي عَيْنِهِ [وَقِيلَ: مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
الْمَرْءُ إِنْ كَانَ عَاقِلًا وَرِعًا ... أَشْغَلَهُ عَنْ عُيُوبِهِ وَرَعُهُ
كَمَا السَّقِيمُ الْمَرِيضُ يَشْغَلُهُ ... عَنْ وَجَعِ النَّاسِ كلهم وجعه
وَقَالَ آخَرُ:
لَا تَكْشِفَنَّ مَسَاوِي النَّاسَ مَا سَتَرُوا ... فَيَهْتِكُ اللَّهُ سِتْرًا عَنْ مَسَاوِيكَا
وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فِيهِمْ إِذَا ذُكِرُوا ... وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَا
الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ النَّبَزُ (بِالتَّحْرِيكِ) اللَّقَبُ، وَالْجَمْعُ الْأَنْبَازُ. وَالنَّبْزُ (بِالتَّسْكِينِ) الْمَصْدَرُ، تَقُولُ: نَبَزَهُ يَنْبِزُهُ نَبْزًا، أَيْ لَقَّبَهُ. وَفُلَانٌ يُنَبِّزُ بِالصِّبْيَانِ أَيْ يُلَقِّبُهُمْ، شَدَّدَ لِلْكَثْرَةِ. وَيُقَالُ النَّبَزُ وَالنَّزَبُ لَقَبُ السُّوءِ. وَتَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ: أَيْ لَقَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ قال: كان الرجل منا يكون له الاسمين وَالثَّلَاثَةُ فَيُدْعَى بِبَعْضِهَا فَعَسَى أَنْ يَكْرَهَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَأَبُو جُبَيْرَةَ هَذَا هُوَ أَخُو ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ الْأَنْصَارِيِّ. وَأَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ صَاحِبُ الْهَرَوِيِّ ثِقَةً. وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فِي بَنِي سَلَمَةَ "وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ" قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ مِنَّا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَا فُلَانُ فَيَقُولُونَ مَهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا الِاسْمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ". فَهَذَا قَوْلٌ. وَقَوْلٌ ثَانٍ- قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَيَّرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ بِكُفْرِهِ يَا يَهُودِيُّ يَا نَصْرَانِيُّ، فَنَزَلَتْ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ يَا فَاسِقُ يَا مُنَافِقُ. وَقَالَهُ مجاهد والحسن أيضا. "بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ" أي بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه وتوبته، قاله ابن زيد. وقيل: المعنى أن من لقب أخاه أو سخر منه فهو فاسق. وفي الصحيح] من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه [. فمن فعل ما نهى الله عنه من السخرية والهمز والنبز فذلك فسوق، وذلك لا يجوز. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فنازعه رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:] مَا ترى ها هنا أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ مَا أَنْتَ بِأَفْضَلَ مِنْهُ [يَعْنِي بِالتَّقْوَى، وَنَزَلَتْ "وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَدْ عَمِلَ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابَ، فَنَهَى اللَّهُ أَنْ يُعَيَّرَ بِمَا سَلَفَ. يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:] مَنْ عَيَّرَ مُؤْمِنًا بِذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِهِ وَيَفْضَحَهُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [. الثَّالِثَةُ- وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ كَالْأَعْرَجِ وَالْأَحْدَبِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ كَسْبٌ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ، فَجَوَّزَتْهُ الْأُمَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَى قَوْلِهِ أَهْلُ الْمِلَّةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ وَرَدَ لَعَمْرُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فِي كتبهم ما لا أرضاه في صالح جزرة، لِأَنَّهُ صَحَّفَ "خَرَزَةً" فَلُقِّبَ بِهَا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيِّ: مُطَيَّنٌ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي طِينٍ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا غَلَبَ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَا أَرَاهُ سَائِغًا فِي الدِّينِ. وَقَدْ كَانَ مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ الْمِصْرِيُّ يَقُولُ: لَا أَجْعَلُ أَحَدًا صَغَّرَ اسْمَ أَبِي] فِي حِلٍّ [، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى اسْمِهِ التَّصْغِيرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ. وَالَّذِي يَضْبِطُ هَذَا كُلَّهُ، أن كل ما يكرهه الْإِنْسَانُ إِذَا نُودِيَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ لِأَجْلِ الاذاية. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ- وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (كِتَابِ الْأَدَبِ) مِنَ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ. فِي (بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ) قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:] مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْمَنْعَ مِنْ تَلْقِيبِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَكْرَهُ، وَيَجُوزُ تَلْقِيبُهُ بِمَا يُحِبُّ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقَّبَ عُمَرَ بِالْفَارُوقِ، وَأَبَا بَكْرٍ بِالصِّدِّيقِ، وَعُثْمَانَ بِذِي النُّورَيْنِ، وَخُزَيْمَةَ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ بِذِي الشِّمَالَيْنِ وَبِذِي الْيَدَيْنِ، فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ.
الزَّمَخْشَرِيُّ:" رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ] مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُسَمِّيَهُ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ [. وَلِهَذَا كَانَتِ التَّكْنِيَةُ مِنَ السُّنَّةِ وَالْأَدَبِ الْحَسَنِ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَشِيعُوا الْكُنَى فَإِنَّهَا مُنَبِّهَةٌ. وَلَقَدْ لُقِّبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْعَتِيقِ وَالصِّدِّيقِ، وَعُمَرُ بِالْفَارُوقِ، وَحَمْزَةُ بِأَسَدِ اللَّهِ، وَخَالِدٌ بِسَيْفِ اللَّهِ. وَقَلَّ مِنَ الْمَشَاهِيرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ مَنْ لَيْسَ لَهُ لَقَبٌ. وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْأَلْقَابُ الْحَسَنَةُ فِي الْأُمَمِ كُلِّهَا- مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ- تَجْرِي فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُكَاتَبَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَأَمَّا مُسْتَحِبُّ الْأَلْقَابِ وَمُسْتَحْسِنُهَا فَلَا يُكْرَهُ. وَقَدْ وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بِأَوْصَافٍ صَارَتْ لَهُمْ مِنْ أَجَلِّ الْأَلْقَابِ. قُلْتُ- فَأَمَّا مَا يَكُونُ ظَاهِرُهَا الْكَرَاهَةُ إِذَا أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ لَا الْعَيْبُ فَذَلِكَ كَثِيرٌ. وَقَدْ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ: حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، وَحُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ، وَمَرْوَانُ الْأَصْغَرُ، فَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ صِفَتَهُ وَلَمْ تُرِدْ عَيْبَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ الْأَصْلَعَ- يَعْنِي عُمَرَ- يُقَبِّلُ الْحَجَرَ. فِي رِوَايَةٍ الْأُصَيْلِعَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أَيْ عَنْ هَذِهِ الْأَلْقَابِ الَّتِي يَتَأَذَّى بِهَا السَّامِعُونَ. "فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي.
حواشي المحقق
آية ٣٢ سورة الزخرف. راجع ص ٨٣ من هذا الجزء. وج ١٢ ص ١٥٤ وج ١٥ ص ٢٢٥
عض فلان الشيء: لزمه واستمسك به.
راجع ص ٣٠٠ وص ٣٠٤.
رجل لبق ولبيق: حاذق رفيق بكل عمل.
في أب ز: وأتقى بالتاء بدل النون.
أول سورة نوح.
حكيت فلانا وحاكيته: فعلت مثل فعله.
العرب تجعل القول عبارة عن جميع الافعال وتطلقه على غير الكلام واللسان، على المجاز والاتساع.
راجع ج ٨ ص (١٦٦)
آية ٢٩ سورة النساء.
آية ٦١ سورة النور.
القذاة: هو ما يقع في العين والماء والتراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.
في أدب الدنيا والدين: "لا تلمس من مساوي".
أبو زيد من رجال سند هذا الحديث.
هو صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب أبو علي البغدادي الحافظ. روى الخطيب البغدادي بسنده ... سمعت صالحا- يعني جزرة- يقول: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فقرأت أنا عليه: حدثكم جرير بن عثمان قال: كان لابي أمامة خرزة يرقى بها المريض، فصحفت "الخرزة" فقلت: كان لابي أمامة "جزرة" وإنما هي "خرزة". راجع تاريخ بغداد في المجلد التاسع ص ٣٢٢ في ترجمة صالح هذا.
تفسير الطبري
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)
معاني الكلمات
من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com
لَا يَسْخَرْ: لَا يَهْزَا، وَيَنْتَقِصْ.
قَومٌ: رِجَالٌ.
وَلَا تَلْمِزُوا: لَا يَعِبْ، وَلَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ: لَا يَدْعُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَا يَكْرَهُ مِنَ الأَلْقَابِ.
بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ: قَبُحَ الاِسْمُ وَالصِّفَةُ الفُسُوقُ؛ وَهُوَ: السُّخْرِيَةُ، وَاللَّمْزُ، وَالتَّنَابُزُ.
بَعْدَ الْإِيمَانِ: بَعْدَمَا دَخَلْتُمْ فِي الإِسْلَامِ.
النفحات المكية
محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ، وعملوا بشريعته، اعلموا أن مِنْ حقوقِ المؤمنين بعضِهم على بعض: ألَّا يحتقِرَ الرجلُ منكم غيره من الرجال، وألَّا تحتقِرَ المرأةُ غيرها من النساء، وألَّا يَعِيبَ بعضكم على بعض بأي وجه مِن وجوه العيب؛ سواءٌ بحَضْرته أو غَيْبته، وألَّا يخاطِبَ أحدُكم أخاه بألفاظ يكرهها؛ كالسخريةِ، واللَّمْزِ، والتنابُزِ؛ كأنْ يقولَ له: يا أعرجُ، أو يا أعورُ، ونحو ذلك؛ فبئس التنابُزُ بالألقاب بعد أن هداكم الله، ودخَلْتم في الإسلام والإيمان، ومَنْ لم يتب من هذه الرذائل، وهذه الألفاظ المشينة، فأولئك هم الذين ظلموا أنفُسَهم بارتكابِ هذه المناهي التي أجمَعَ العلماءُ على تحريمها.
نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.