الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة الطور ‹ الآية ١

تفسير الآية ١ من سورة الطور

  • الآية ١ من ٤٩
  • الجزء ٢٧
  • مكية
  • 52:1

وَٱلطُّورِ ۝١

52:1

اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزول

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com

أقسم الله بالجبل الذي كلّم عليه موسى عليه السلام.

التفسير الميسر

نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com

أقسم الله بالطور، وهو الجبل الذي كلَّم الله سبحانه وتعالى موسى عليه، وبكتاب مكتوب، وهو القرآن في صحف منشورة، وبالبيت المعمور في السماء بالملائكة الكرام الذين يطوفون به دائمًا، وبالسقف المرفوع وهو السماء الدنيا، وبالبحر المسجور المملوء بالمياه.

تفسير السعدي

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com

{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُّورِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ

قَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَير بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا -أَوْ قِرَاءَةً-مِنْهُ.

أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَل، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: "طُوفي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ"، فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ .

اقرأ بقية تفسير ابن كثير

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* * *

يُقْسِمُ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ: أَنَّ عَذَابَهُ وَاقِعٌ بِأَعْدَائِهِ، وَأَنَّهُ لَا دَافِعَ لَهُ عَنْهُمْ. فَالطُّورُ هُوَ: الْجَبَلُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَشْجَارٌ، مِثْلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى، وَأُرْسِلَ مِنْهُ عِيسَى، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَجَرٌ لَا يُسَمَّى طُورًا، إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: جَبَلٌ.

﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ قِيلَ: هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. وَقِيلَ: الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ الْمَكْتُوبَةُ الَّتِي تُقْرَأُ عَلَى النَّاسِ جِهَارًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ . ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ -بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ-: "ثُمَّ رُفِعَ بِي إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" يَعْنِي: يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ ويطوفون، كما يَطُوفُ أَهْلُ الْأَرْضِ بِكَعْبَتِهِمْ كَذَلِكَ ذَاكَ الْبَيْتُ، هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ؛ وَلِهَذَا وَجَدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ؛ لِأَنَّهُ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ، وَفِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ أَهْلُهَا، وَيُصَلُّونَ إِلَيْهِ، وَالَّذِي فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا يُقَالُ لَهُ: بَيْتُ الْعِزَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ: "الْمَعْمُورُ"؛ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ، وَفِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَهْرٌ يُقَالُ لَهُ: "الْحَيَوَانُ" يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلَّ يَوْمٍ، فَيَنْغَمِسُ فِيهِ انْغِمَاسَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةً يَخِرُّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكَا يُؤْمَرُونَ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، فَيُصَلُّوا فِيهِ فَيَفْعَلُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَيُوَلِّي عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ، يُؤْمَرُ أَنْ يَقِفَ بِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَوْقِفًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ".

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، تَفَرَّدَ بِهِ رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ هَذَا، وَهُوَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سَعْدٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمُ: الْجَوْزَجَانِيُّ، وَالْعُقَيْلِيُّ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.

قَالَ الْحَاكِمُ: لَا أَصِلَ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا سَعِيدٍ، وَلَا الزُّهْرِيِّ

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السُّريّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْعُرَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَعَلِيٍّ: مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ؟ قَالَ: بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ: "الضُّراح" وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ فَوْقِهَا، حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي الْأَرْضِ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا

وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سِمَاك وَعِنْدَهُمَا أَنَّ ابْنَ الْكُوَّاءِ هُوَ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيب، عَنْ طَلْق بْنِ غَنَّامٍ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكُوَّاءِ عَلِيًّا عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، قَالَ: مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ: "الضُّراح"، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا. وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْل، عَنْ عَلِيٍّ بِمِثْلِهِ.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ بَيْتٌ حِذَاءَ الْعَرْشِ، تُعَمِّرُهُ الْمَلَائِكَةُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سبعون أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَخَرَّ عَلَيْهَا، يُصَلَّى فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ".

وَزَعَمَ الضَّحَّاكُ أَنَّهُ يُعَمِّرُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمْ: الحِن ، مِنْ قَبِيلَةِ إِبْلِيسَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* * *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ : قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَة، عَنْ عَلِيٍّ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ يَعْنِي: السَّمَاءَ، قَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ تَلَا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٢] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْج، وَابْنُ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُوَ الْعَرْشُ يَعْنِي: أَنَّهُ سَقْفٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ، وَهُوَ يُراد مَعَ غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ.

* * *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ : قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُوَ الْمَاءُ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، الَّذِي يُنْزِلُ [اللَّهُ] مِنْهُ الْمَطَرَ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الْأَجْسَادَ فِي قُبُورِهَا يَوْمَ مَعَادِهَا. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ هَذَا الْبَحْرُ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الْمَسْجُورِ﴾ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يُوقَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٦] أَيْ: أُضْرِمَتْ فَتَصِيرُ نَارًا تَتَأَجَّجُ، مُحِيطَةً بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ’ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ورُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمير وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ بَدْرٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَحْرَ الْمَسْجُورَ لِأَنَّهُ لَا يُشرب مِنْهُ مَاءٌ، وَلَا يُسْقَى بِهِ زَرْعٌ، وَكَذَلِكَ الْبِحَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يَعْنِي: الْمُرْسَلَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ [وَالْبَحْرِ] الْمَسْجُورِ﴾ الْمَمْلُوءُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُوقَدًا الْيَوْمَ فَهُوَ مَمْلُوءٌ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْفَارِغُ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ ذِي الرُّمَّةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قَالَ: الْفَارِغُ؛ خَرَجَتْ أُمَّةٌ تَسْتَسْقِي فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: "إِنَّ الْحَوْضَ مَسْجُورٌ"، تَعْنِي: فَارِغًا. رَوَاهُ ابْنُ مردويه في مسانيد الشعراء.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ: الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ؛ لِئَلَّا يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا. قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ:

حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ-عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مُرَابِطٌ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً لِحَرَسِي لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْحَرَسِ غَيْرِي، فَأَتَيْتُ الْمِينَاءَ فَصَعِدْتُ، فَجَعَلَ يُخَيَّلُ إليَّ أَنَّ الْبَحْرَ يُشْرِفُ يُحَاذِي رُءُوسَ الْجِبَالِ، فُعِلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَأَنَا مُسْتَيْقِظٌ، فَلَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ". فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ .

* * *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ : هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ، أَيِ: الْوَاقِعُ بِالْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ.

قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنْ صَالِحٌ الْمُرْيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ يَعِسّ الْمَدِينَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَمَرَّ بِدَارِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَوَافَقَهُ قَائِمًا يُصَلِّي، فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ فَقَرَأَ: ﴿وَالطُّورِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ قَالَ: قَسَمٌ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ-حَقٌّ. فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَاسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ، فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنْزِلِهِ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ مَا مَرَضُهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ": حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ ، فَرَبَا لَهَا رَبْوَةً عِيدَ مِنْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا .

* * *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقَتَادَةُ: تَتَحَرَّكُ تَحْرِيكًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ تَشَقُّقُهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَدُورُ دَوْرًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: اسْتِدَارَتُهَا وتحريكها لأمر الله، وموج بعضها في بَعْضٍ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ التَّحَرُّكُ فِي اسْتِدَارَةٍ. قَالَ: وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى بَيْتَ الْأَعْشَى:

كَأَنَّ مشْيَتَها مِنْ بيتِ جَارتها ... مَورُ السَّحَابَةِ لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ

﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ أَيْ: تَذْهَبُ فَتَصِيرُ هَبَاءً مُنْبَثًّا، وَتُنْسَفُ نَسْفًا.

﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: وَيْلٌ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَنَكَالِهِ بِهِمْ، وَعِقَابِهِ لَهُمْ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أَيْ: هُمْ فِي الدُّنْيَا يَخُوضُونَ فِي الْبَاطِلِ، وَيَتَّخِذُونَ دِينَهُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا.

﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أَيْ: يُدْفَعُونَ وَيُسَاقُونَ، ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: يُدْفَعُونَ فِيهَا دَفْعًا.

﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا.

﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا﴾ أَيِ: ادْخُلُوهَا دُخُولَ مَنْ تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: سَوَاءٌ صَبَرْتُمْ عَلَى عَذَابِهَا وَنَكَالِهَا أَمْ لَمْ تَصْبِرُوا، لَا مَحِيدَ لَكُمْ عَنْهَا وَلَا خَلَاصَ لَكُمْ مِنْهَا ، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ أَحَدًا، بَلْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ.

حواشي المحقق

صحيح البخاري برقم (٤٨٤٥) وصحيح مسلم برقم (٤٦٣) .

صحيح البخاري برقم (٤٨٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٧٦) .

في م: "لي".

في م: "فيصلون".

ورواه ابن عدي في الكامل (٣/١٤٤) من طريق هشام بن عمار به، وقال: "سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: روح بن جناح ذكر عنالزهري حديثا معضلا في البيت المعمور" ثم ساقه بإسناده وتعقبه بقوله: "ولا يعرف هذا الحديث إلا بروح بن جناح عن الزهري".

في م: "عن".

في م: "ثم لا".

تفسير الطبري (٢٧/١٠)

في م، أ: "الجن".

تفسير الطبري (٢٧/١١) .

زيادة من م، أ.

في م: "فصيرت".

في م: "وعبيد الله بن عمير".

زيادة من م.

في م: "لا".

في م: "وقال".

في م: "بن".

في م: "ينفضح".

المسند (١/٤٣) ورواه من طريق ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٥٢) وقال: "العوام ضعيف، والشيخ مجهول".

في م: "لمحرثي".

وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦٠٨) من رواية الإسماعيلي، وقال: "فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بحاله".

في م: "واقع".

في أ: "عن".

وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦٠٨) من رواية ابن أبي الدنيا وفي إسناده صالح المري، ووقع في مسند عمر "المدني" فإن كان المري فهو ضعيف.

زيادة من م.

فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٦٤) .

في م، أ: "المتحرك".

البيت في تفسير الطبري (٢٧/١٣) .

في أ: "فيها".

تفسير الجلالين

جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net

﴿وَالطُّور﴾ أَيْ الْجَبَل الَّذِي كَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ موسى

تفسير البغوي

معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ ﷽

* * *

﴿وَالطُّورِ﴾ أَرَادَ بِهِ الْجَبَلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.

﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٍ.

﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ "وَالرَّقُّ": مَا يُكْتَبُ فِيهِ، وَهُوَ أَدِيمُ الصُّحُفِ، وَ"الْمَنْشُورُ": الْمَبْسُوطُ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ مَا كَتَبَ اللَّهُ بِيَدِهِ لِمُوسَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُوسَى يَسْمَعُ صَرِيرَ الْقَلَمِ.

وَقِيلَ: هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. وَقِيلَ: دَوَاوِينُ الْحَفَظَةِ تَخْرُجُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْشُورَةً، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا"، [الإسراء: ١٣] .

﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ بِكَثْرَةِ الْغَاشِيَةِ وَالْأَهْلِ، وَهُوَ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ حِذَاءَ الْعَرْشِ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ لَهُ: الضُّرَاحُ، حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْكَعْبَةِ فِي الْأَرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ وَيُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا .

﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ يَعْنِي: السَّمَاءَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا". [الأنبياء: ٣٢]

حواشي المحقق

أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الطور بمكة. انظر: الدر المنثور: ٧ / ٦٢٦.

انظر: الطبري: ٢٧ / ١٦، وقال الهيثمي في "المجمع" (٧ / ١١٤) : "رواه الطبراني -عن ابن عباس مرفوعًا- وفيه بشر أبو حذيفة وهو متروك".

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

سُورَةُ (وَالطَّوْرِ) مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَهِيَ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ آيَةً رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)

وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨)

قوله تعالى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالطُّورِ﴾ الطُّورِ اسْمُ الْجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا وَتَذْكِيرًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ، وَهُوَ أَحَدُ جِبَالِ الْجَنَّةِ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ ابن إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَرْبَعَةُ أَجْبُلٍ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ وَأَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ وَأَرْبَعَةُ مَلَاحِمَ من ملاحم الجنة) قيل: فما الا جبل؟ قَالَ: (جَبَلُ أُحُدٍ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ والطُّورِ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ وَلُبْنَانُ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ [وَالْجُودِيُّ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ] (وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ). قَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورِ هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ الْجَبَلُ وَالْمُرَادُ بِهِ طور سينا. وَقَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُمَا طُورَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا طُورُ سِينَا وَالْآخَرُ طُورُ زَيْتَا، لِأَنَّهُمَا يُنْبِتَانِ التِّينَ وَالزَّيْتُونَ. وَقِيلَ: هُوَ جَبَلٌ بِمَدْيَنَ وَاسْمُهُ زُبَيْرٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالزُّبَيْرُ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

اقرأ بقية تفسير القرطبي

قُلْتُ: وَمَدْيَنُ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَهِيَ قَرْيَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: إِنَّ الطُّورَ كُلُّ جَبَلٍ أَنْبَتَ، وَمَا لَا يُنْبِتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أَيْ مَكْتُوبٌ، يَعْنِي القرآن يقرؤه المؤمنون من المصاحف، ويقرءوه الْمَلَائِكَةُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ). وَقِيلَ: يَعْنِي سَائِرَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ كُلُّ كِتَابٍ فِي رَقٍّ يَنْشُرُهُ أَهْلُهُ لِقِرَاءَتِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِمُوسَى بِيَدِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُوسَى يَسْمَعُ صَرِيرَ الْقَلَمِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ، فَمِنْ آخِذٍ كِتَابَهِ بِيَمِينِهِ، وَمِنْ آخِذٍ كِتَابَهِ بِشِمَالِهِ، نَظِيرُهُ: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ). وَقِيلَ: إِنَّهُ الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ فِي السَّمَاءِ يَقْرَءُونَ فِيهِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا كَتَبَ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَيَانُهُ: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ). قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْقَوْلِ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْقُلُوبِ عَنِ الرَّقِّ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: الرَّقُّ مَا رُقِّقَ مِنَ الْجِلْدِ لِيُكْتَبَ فِيهِ، وَالْمَنْشُورُ الْمَبْسُوطُ. وَكَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ، قَالَ: وَالرَّقُّ بِالْفَتْحِ مَا يُكْتَبُ فِيهِ وَهُوَ جِلْدٌ رَقِيقٌ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ وَالرَّقُّ أَيْضًا الْعَظِيمُ مِنَ السَّلَاحِفِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَجَمْعُهُ رُقُوقٌ. وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكُلُّ صَحِيفَةٍ فَهِيَ رَقٌّ لِرِقَّةِ حَوَاشِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَلَمِّسِ:

فَكَأَنَّمَا هِيَ مِنْ تَقَادُمِ عَهْدِهَا ... رَقٌّ أُتِيحَ كِتَابُهَا مَسْطُورُ

وَأَمَّا الرِّقُّ بِالْكَسْرِ فَهُوَ الْمِلْكُ، يُقَالُ: عَبْدٌ مَرْقُوقٌ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الرَّقَّ بِالْفَتْحِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا: هُوَ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ حِيَالَ الْكَعْبَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ يخرجون منه فلا يعودون إليه. قال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. وَقِيلَ: فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، رَوَى أنس ابن مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أُوتِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَرُفِعَ لَنَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَإِذَا هُوَ حِيَالُ الْكَعْبَةِ لَوْ خَرَّ خَرَّ عَلَيْهَا يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ) ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: فَمَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ؟ قَالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ تَحْتَ الْعَرْشِ يُقَالُ لَهُ الضُّرَاحُ. وَكَذَا فِي (الصِّحَاحِ): وَالضُّرَاحُ بِالضَّمِّ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ عَنِ ابْنِ عباس. وعمر أنه كَثْرَةُ غَاشِيَتِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ عَنْهُ: حِذَاءَ الْعَرْشِ. وَالَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: (ثُمَّ رُفِعَ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا قَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يوم سبعون ألف ملك إذ اخرجوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أُتِيَتُ بِالْبُرَاقِ) الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: (ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّابِعَةِ) (فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ- ﷺ- قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ (. وَعَنِ ابْنِ عباس أيضا قال: لله في السموات والأرضين خمسة عشر بيتا، سبعة في السموات وَسَبْعَةٌ فِي الْأَرَضِينَ وَالْكَعْبَةُ، وَكُلُّهَا مُقَابِلَةٌ لِلْكَعْبَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ هُوَ الْكَعْبَةُ، الْبَيْتُ الْحَرَامُ الَّذِي هُوَ مَعْمُورٌ مِنَ النَّاسِ، يَعْمُرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، فَإِنْ عَجَزَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ أَتَمَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وَضَعَهُ اللَّهُ لِلْعِبَادَةِ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: إِنَّ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ كان فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ الْكَعْبَةِ فِي زَمَانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحُجُّوا فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَعَصَوْهُ، فَلَمَّا طَغَى الْمَاءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذَائِهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَعْمُرُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يُنْفَخَ في الصور، قال: فبوأ الله عز وجل لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) يَعْنِي السَّمَاءَ سَمَّاهَا سَقْفًا، لِأَنَّهَا لِلْأَرْضِ كَالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ، بَيَانُهُ: (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً). وَقَالَ، ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْعَرْشُ وَهُوَ سَقْفُ الْجَنَّةِ.

(وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُوقَدُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ: (إِنَّ الْبَحْرَ يُسْجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَكُونُ نَارًا). وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمَمْلُوءُ. وَأَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ لِلنَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:

إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورَةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسَّاسَمَا

يُرِيدُ وَعْلًا يُطَالِعُ عَيْنًا مَسْجُورَةً مَمْلُوءَةً. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوءُ نَارًا فَيَكُونُ كَالْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْأَخْفَشُ بِأَنَّهُ الْمَوْقِدُ الْمَحْمِيُّ بِمَنْزِلَةِ التَّنُّورِ الْمَسْجُورِ. وَمِنْهُ قِيلَ: لِلْمِسْعَرِ مِسْجَرٌ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) أَيْ أُوقِدَتْ، سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَسْجُرُهُ سجرا أي أحميته. وقال سعيد ابن الْمُسَيَّبِ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ: أَيْنَ جَهَنَّمُ؟ قَالَ: الْبَحْرُ. قَالَ مَا أَرَاكَ إِلَّا صَادِقًا، وَتَلَا: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ).

(وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) مُخَفَّفَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن عَمْرٍو: لَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ لِأَنَّهُ طَبَقُ جَهَنَّمَ. [وَقَالَ كَعْبٌ: يُسْجَرُ الْبَحْرُ غَدًا فَيُزَادُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَهَذَا قَوْلٌ»

] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَسْجُورُ الَّذِي ذَهَبَ مَاؤُهُ. وَقَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ. وَرَوَى عَطِيَّةُ وَذُو الرُّمَّةِ الشَّاعِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَتْ أَمَةٌ لِتَسْتَقِيَ فَقَالَتْ: إِنَّ الْحَوْضَ مَسْجُورٌ أَيْ فَارِغٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: لَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إِلَّا هَذَا. وَقِيلَ: الْمَسْجُورُ أَيِ الْمَفْجُورُ، دَلِيلُهُ: (وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) أَيْ تُنَشِّفُهَا الْأَرْضُ فَلَا يَبْقَى فيها ماء.

وَقَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعِكْرِمَةُ. قَالَ أَبُو مَكِينٍ: سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عَنِ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فَقَالَ: هُوَ بَحْرٌ دُونَ الْعَرْشِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: تَحْتَ الْعَرْشِ فِيهِ مَاءٌ غَلِيظٌ. وَيُقَالُ لَهُ بَحْرُ الْحَيَوَانِ يُمْطَرُ الْعِبَادُ مِنْهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَيَنْبُتُونَ فِي قُبُورِهِمْ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمَسْجُورُ الْمُخْتَلِطُ العذب بالملح. قلت: وإليه يَرْجِعُ مَعْنَى (فُجِّرَتْ) فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، أَيْ فُجِّرَ عَذْبُهَا فِي مَالِحِهَا: وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي. وروى علي ابن أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَسْجُورُ الْمَحْبُوسُ.

(إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ) هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ، أَيْ وَاقِعٌ بِالْمُشْرِكِينَ. قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ لِأَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، فَوَافَيْتُهُ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (وَالطُّورِ) إِلَى قَوْلِهِ: (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ. مَا لَهُ مِنْ دافِعٍ) فَكَأَنَّمَا صَدَعَ قَلْبِي، فَأَسْلَمْتُ خَوْفًا مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَقُومَ مِنْ مَقَامِي حَتَّى يَقَعَ بِيَ الْعَذَابُ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ إِلَى الْحَسَنِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يَقْرَأُ (وَالطُّورِ) حَتَّى بَلَغَ (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ. مَا لَهُ مِنْ دافِعٍ) فَبَكَى الْحَسَنُ وَبَكَى أَصْحَابُهُ، فَجَعَلَ مَالِكٌ يَضْطَرِبُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ. وَلَمَّا وُلِّيَ بَكَّارٌ الْقَضَاءَ جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فَتَوَجَّهَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا الْيَمِينُ، فَرَغِبَ إِلَى الصُّلْحِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ يُعْطِي خَصْمَهُ مِنْ عِنْدِهِ عِوَضًا مِنْ يَمِينِهِ فَأَبَى إِلَّا الْيَمِينَ، فَأَحْلَفَهُ بِأَوَّلِ (وَالطُّورِ) إلى أن قاله لَهُ قُلْ: (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ) إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَقَالَهَا فَخَرَجَ فَكُسِرَ مِنْ حِينِهِ.

حواشي المحقق

الملاحم: غزوة بدر واحد والخندق وخيبر.

الزيادة من ن.

راجع ج ١ ص ٤٣٦.

راجع ص ٢٢٤ وص ٣٠٨ من هذا الجزء.

راجع ج ١٠ ص ٢٢٩.

راجع ج ١٩ ص ٢٣٢.

راجع ص ٢٢٤ وص ٣٠٨ من هذا الجزء.

لم تعثر على هذا البيت في ديوان المتلمس.

.

(آخر) برفع الراء ونصبها، فالنصب على الظرف والرفع على تقدير ذلك آخر ما عليهم، والرفع أوجه.

(هامش مسلم).

في ح، ز، ل، ن: (إلى السماء السابعة).

راجع ج ١٣ ص (٣٦)

راجع ج ١١ ص (٢٨٥)

الساسم غير مهموز: شجر يتخذ منه القصي والسهام، والنبع مثله.

راجع ج ١٩ ص ٢٢٨ وص (٢٤٢)

ما بين المربعين ساقط من هـ.

في ن (ان عذاب الله بى لواقع إلخ).

تفسير الطبري

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿والطور﴾ : والجبل الذي يُدعى الطور.

وقد بيَّنت معنى الطور بشواهده، وذكرنا اختلاف المختلفين فيه فيما مضى بما أغْنى عن إعادته في هذا الموضع

⁕ وقد حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿والطور﴾ قال الجبل بالسُّريانية.

* * *

وقوله: ﴿وكتاب مسطور﴾

يقول: وكتاب مكتوب؛ ومنه قول رُؤْبة:

إني وآياتٍ سُطِرْنَ سَطْرًا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

اقرأ بقية تفسير الطبري

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ قال: صحف.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ والمسطور: المكتوب.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَسْطُورٍ﴾ قال: مكتوب.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَسْطُور﴾ قال: مكتوب.

* * *

وقوله: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾

يقول: في ورق منشور.

وقوله: "في" من صلة مسطور، ومعنى الكلام: وكتاب سطر، وكُتب في ورق منشور.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ وهو الكتاب.

⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ﴿فِي رَقٍّ﴾ قال: الرقّ: الصحيفة.

* * *

وقوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾

يقول: والبيت الذي يعمر بكثرة غاشيته وهو بيت فيما ذُكر في السماء بحيال الكعبة من الأرض، يدخله كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، رجل من قومه قال: قال نبيُّ الله ﷺ: "رفِعَ إليَّ البَيْتُ المَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يا جبريلُ ما هَذَا؟ قال: البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إذَا خَرَجوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا آخِرَ ما عَلَيْهِمْ".

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا شعبة، عن قتاده، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، عن النبي ﷺ بنحوه.

⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب، عن خالد بن عُرعُرة، أن رجلا قال لعليّ رضي الله عنه: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة، من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة، ولا يعودون فيه أبدا.

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت خالد بن عرعرة، قال: سمعت عليا رضي الله عنه، وخرج إلى الرحبة، فقال له ابن الكوّاء أو غيره: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء السادسة يقال له الضراح، يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون فيه أبدا.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن عليّ بن ربيعة، قال: سأل ابن الكوّاء عليا، رضي الله عنه عن البيت المعمور، قال: مسجد في السماء يقال له الضراح، يدخله كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة، لا يرجعون فيه أبدا.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عبيد المكتب، عن أبي الطفيل، قال: سأل ابن الكوّاء عليًا عن البيت المعمور، قال: بيت بحيال البيت العتيق في السماء يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلك على رسم راياتهم، يقال له الضراح، يدخله كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يرجعون فيه أبدا.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا بهرام، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن عليّ رضي الله عنه، قال: سأله رجل عن البيت المعمور، قال: بيت في السماء يقال له الضريح قصد البيت، يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلَك، ثم لا يعودون فيه.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ قال: هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه.

⁕ حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبُّويه، قال: ثنا عليّ بن الحسن، قال: ثنا حسين، قال: سُئل عكرمة وأنا جالس عنده عن البيت المعمور، قال: بيت في السماء بحيال الكعبة.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ قال: بيت في السماء يقال له الضراح.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿والبيت المعمور﴾ ذكر لما أن نبيّ الله ﷺ قال يوما لأصحابه: "هَلْ تَدْرُونَ مَا البَيْتُ المَعْمُورُ" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنَّهُ مَسْجِدٌ في السَّماء تَحْتَهُ الكَعْبَة لَوْ خَرّ لَخَرّ عَلَيها، أَوْ عَلَيْه، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك إذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا آخرَ مَا عَلَيهِمْ".

حدُثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ يزعمون أنه يروح إليه كلّ يوم سبعون ألف مَلك من قبيلة إبليس، يقال لهم الجنّ.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ قال: بيت الله الذي في السماء. وقال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ بَيْتَ الله في السماء لَيَدخلُهُ كُلَّ يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُه سَبْعُونَ ألْفَ مَلَك، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبَدًا بَعْدَ ذَلِك".

⁕ حدثنا محمد بن مرزوق، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: "البَيْتُ المَعْمُورُ في السَّماءِ السَّابِعَة يَدخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك، ثُمَّ لا يَعُودُون إِلَيهِ حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ".

⁕ حدثنا محمد بن سِنان القَزّاز، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا سليمان عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "لمّا عَرَجَ بِي المَلَكُ إلَى السَّماء السَّابِعَة انْتَهَيْتُ إلَى بِنَاء فَقُلْتُ للْمَلَك: ما هَذَا؟ قال: هذا بِنَاء بَنَاه اللهُ للمَلائكَةِ يَدخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك، يُقَدِّسُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ، لا يَعُودُونَ فِيه".

* * *

وقوله: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾

يعني بالسقف في هذا الموضع: السماء، وجعلها سقفا، لأنها سماء للأرض، كسماء البيت الذي هو سقفه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، أن رجلا قال لعليّ رضي الله عنه: ما السقف المرفوع؟ قال: السماء.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سماك، عن خالد بن عُرْعرة، عن عليّ، قال: السقف المرفوع: السماء.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عُرْعرة، عن عليّ رضي الله عنه قال: سأله رجل عن السقف المرفوع، فقال: السماء.

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت خالد بن عُرْعرة، قال: سمعت عليًّا يقول: والسقف المرفوع: هو السماء، قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿السقف المرفوع﴾ : قال: السماء.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿والسقف المرفوع﴾ سقف السماء.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ : سقف السماء.

* * *

وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾

اختلف أهل التأويل في معنى البحر المسجور، فقال بعضهم: الموقد. وتأويل ذلك: والبحر الموقد المحميّ.

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عليّ رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقا، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ مخففة.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص بن حُميد، عن شمر بن عطية، في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: بمنزلة التنُّور المسجور.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث. قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: الموقد.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: الموقد، وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال: أوقدت.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا البحار مُلئت، وقال: المسجور: المملوء.

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممتلئ.

وقال آخرون: بل المسجور: الذي قد ذهب ماؤه.

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: سجره حين يذهب ماؤه ويفجر.

وقال آخرون: المسجور: المحبوس.

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يقول: المحبوس.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: والبحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، وذلك أن الأغلب من معاني السجر: الإيقاد، كما يقال: سجرت التنور، بمعنى: أوقدت، أو الامتلاء على ما وصفت، كما قال لبيد:

فتوسطا عُرْضَ السَّريِّ وصدعا ... مسجورةً متجاورًا قُلامُها

وكما قال النمر بن تولب العكلي:

إذَا شاءَ طالَعَ مَسْجورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والسَّاسمّا سَقَتْها رَوَاعِدُ مِنْ صَيّفٍ ... وَإنْ مِنْ خَريفٍ فَلَنْ يَعدمَا

فإذا كان ذلك الأغلب من معاني السَّجْر، وكان البحر غير مُوقَد اليوم، وكان الله تعالى ذكره قد وصفه بأنه مسجور، فبطل عنه إحدى الصفتين، وهو الإيقاد صحّت الصفة الأخرى التي هي له اليوم، وهو الامتلاء، لأنه كلّ وقت ممتلئ.

وقيل: إن هذا البحر المسجور الذي أقسم به ربنا تبارك وتعالى بحر في السماء تحت العرش.

* ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عن عليّ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: بحر في السماء تحت العرش.٠ قال: ثنا مهران، قال: وسمعته أنا من إسماعيل، قال: ثنا مهران عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: بحر تحت العرش.

⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: بحر تحت العرش.

* * *

وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ يا محمد، لكائن حالّ بالكافرين به يوم القيامة.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ وقع القسم ها هنا ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ وذلك يوم القيامة.

* * *

وقوله: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾

يقول: ما لذلك العذاب الواقع بالكافرين من دافع يدفعه عنهم، فينقذهم منه إذا وقع.

حواشي المحقق

البيت من مشطور الرجز، وبعده بيت يكمله (اللسان: سطر) وهو قوله: * لقائل يا نصر نصر نصرا *

ولم ينسبهما في اللسان. وقال العيني في فرائد القلائد، (شرح مختصر الشواهد) في شواهد عطف البيان: " عزاه سيبويه " إلى رؤبة. وقال الصاغاني: " وليس له " أ. هـ. قلت ومحل الشاهد قوله: " سطرن سطرا " أي خططن وكتبن. أقسم بالسطور التي خطت وكتبت. ولعله يريد سطور القرآن.

البيت للبيد من معلقته المشهورة. وقد مر الاستشهاد به عند قوله تعالى في سورة مريم " قد جعل ربك تحتك سريا " (١٦: ٧١) فراجعه ثمة.

البيتان للنمر بن تولب العكلي، كما في خزانة الأدب الكبرى للبغدادي (٤: ٤٣٤ - ٤٢) وهما من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢٢٨ ب) عند قوله تعالى " والبحر المسجور ". والشاعر يصف وعلا. وقوله مسجورة: يريد عينا كثيرة الماء، أي مملوءة. والنبع: شجر يتخذ منه القسي. والساسم: قيل هو الآبنوس. وقيل شجر يشبهه، ومنابتهما أعالي الجبال. سقتها: أي العين. والرواعد: جمع راعدة، وهي السحابة الماطرة، وفيها صوت الرعد غالبا. والصيف بتشديد الياء المكسورة: المطر الذي يجيء في الصيف، والخريف الفصل بين الصيف والشتاء، يريد مطر الخريف. يريد الشاعر أن هذا الوعل يشرب من هذه العين المسجورة المملوءة إما من مطر الصيف وإما من مطر الخريف، فهو لن يعدم الماء على كل حال. والشاهد في قوله مسجورة: أي مملوءة.

معاني الكلمات

من كتاب «السراج في بيان غريب القرآن» · QuranEnc.com

وَالطُّورِ: قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللهُ عَلَيْهِ مُوسَى - عليه السلام -.

النفحات المكية

محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com

أقسَمَ جل وعلا بعَدَدٍ من مخلوقاته، فأقسَمَ بالطُّور، وهو الجبَلُ المبارَكُ الذي تمَّت عنده مكالمة موسى عليه السلام لربه.

EnglishBahasa Indonesia

نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.