الرئيسية ‹ سور القرآن الكريم ‹ سورة الأعراف ‹ الآية ٤٣

تفسير الآية ٤٣ من سورة الأعراف

  • الآية ٤٣ من ٢٠٦
  • الجزء ٨
  • مكية
  • 7:43

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٤٣

7:43

اسأل عن تفسير الآيةاسأل عن سبب النزول

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مركز تفسير للدراسات القرآنية · QuranEnc.com

ومن تمام نعيمهم في الجنة أن نزع الله ما في قلوبهم من البغضاء والحقد، وأجرى الأنهار من تحتهم، وقالوا معترفين لله بإنعامه عليهم: الحمد لله الذي وفقنا لهذا العمل الصالح الذي أنالنا هذه المنزلة، وما كنا لنوفق إليه من تلقاء أنفسنا لولا أن الله وفقنا إليه، لقد جاءت رسل ربنا بالحق الذي لا مرية فيه والصدق في الوعد والوعيد، ونادى فيهم منادٍ: أن هذه هي الجنة التي أخبرَتْكم بها رسلي في الدنيا، أعقبكم الله إياها بما كنتم تعملون من الأعمال الصالحة، التي تريدون بها وجه الله.

التفسير الميسر

نخبة من العلماء — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف · QuranEnc.com

وأذهب الله تعالى ما في صدور أهل الجنة من حقد وضغائن، ومن كمال نعيمهم أن الأنهار تجري في الجنة من تحت غرفهم ومنازلهم. وقال أهل الجنة حينما دخلوها: الحمد لله الذي وفَّقنا للعمل الصالح الذي أكسبنا ما نحن فيه من النعيم، وما كنا لنوفَّق إلى سلوك الطريق المستقيم لولا أَنْ هدانا الله سبحانه لسلوك هذا الطريق، ووفَّقنا للثبات عليه، لقد جاءت رسل ربنا بالحق من الإخبار بوعد أهل طاعته ووعيد أهل معصيته، ونُودوا تهنئة لهم وإكرامًا: أن تلكم الجنة أورثكم الله إياها برحمته، وبما قدَّمتموه من الإيمان والعمل الصالح.

تفسير السعدي

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — الإصدار 1.0.0 · QuranEnc.com

{43} {ونزعنا ما في صُدورهم من غِلٍّ}: وهذا من كرمه وإحسانِهِ على أهل الجنة؛ أنَّ الغلَّ الذي كان موجوداً في قلوبهم والتنافس الذي بينهم أن الله يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخواناً متحابِّين وأخلاَّء متصافين؛ قال تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ إخواناً على سُرُرٍ متقابلينَ}، ويخلُقُ الله لهم من الكرامة ما به يحصُلُ لكلِّ واحد منهم الغِبْطَةَ والسرور، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيمٌ؛ فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض؛ لأنه قد فقدت أسبابه. [و] قوله: {تجري من تحتهم الأنهار}؛ أي: يفجِّرونها تفجيراً حيث شاؤوا وأين أرادوا، إن شاؤوا في خلال القصور أو في تلك الغرف العاليات أو في رياض الجنات من تحت تلك الحدائق الزاهرات، أنهار تجري في غير أخدود، وخيراتٌ ليس لها حدٌّ محدودٌ. {و} لهذا لما رأوا ما أنعم الله عليهم وأكرمهم به؛ {قالوا الحمدُ لله الذي هدانا لهذا}: بأن منَّ علينا وأوحى إلى قلوبنا فآمنت به وانقادتْ للأعمال الموصلةِ إلى هذه الدار، وحفظ الله علينا إيماننا وأعمالَنا حتى أوصَلَنا بها إلى هذه الدار، فنعم الربُّ الكريم الذي ابتدأنا بالنعم، وأسدى من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يحصيه المحصون ولا يعدُّه العادُّون. {وما كنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله}؛ أي: ليس في نفوسنا قابليةٌ للهدى، لولا أنَّه تعالى منَّ بهدايته واتِّباع رسله، {لقد جاءت رسُلُ ربِّنا بالحق}؛ أي: حين كانوا يتمتَّعون بالنعيم الذي أخبرت به الرسل وصار حقَّ يقينٍ لهم بعد أن كان علم يقينٍ لهم قالوا: لقد تحقَّقنا ورأينا ما وعدتنا به الرسلُ وأنَّ جميع ما جاؤوا به حقُّ اليقين لامِرْيَةَ فيه ولا إشكال. {ونودوا}: تهنئةً لهم وإكراماً وتحية واحتراماً {أن تِلْكُمُ الجنة أورثتموها}؛ أي: كنتم الوارثين لها، وصارت إقطاعاً لكم إذ كان إقطاع الكفار النار، أورثتموها {بما كنتم تعملونَ}: قال بعضُ السلف: أهل الجنة نَجَوْا من النار بعفو الله، وأدخلوا الجنة برحمة الله، واقتسموا المنازل، وورثوها بالأعمال الصالحة، وهي من رحمته، بل من أعلى أنواع رحمته.

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن العظيم — الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774هـ)

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ٤٢–٤٣ ←

تفسير الجلالين

جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي — الإصدار 2026-08-10 · Quranpedia.net

﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ حقد كَانَ بَيْنهمْ فِي الدُّنْيَا ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتهمْ﴾ تَحْت قُصُورهمْ ﴿الْأَنْهَار وَقَالُوا﴾ عِنْد الِاسْتِقْرَار فِي مَنَازِلهمْ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الْعَمَل الَّذِي هَذَا جَزَاؤُهُ ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه﴾ حَذَفَ جَوَاب لَوْلَا لِدَلَالَةِ مَا قَبْله عَلَيْهِ ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُل رَبّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ﴾ مُخَفَّفَة أَيْ أَنَّهُ أَوْ مفسرة في المواضع الخمسة ﴿تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾

٤ -

تفسير البغوي

معالم التنزيل — أبو محمد الحسين البغوي (ت 516هـ)

تفسير هذه الآية ضمن تفسير الآيات ٤١–٤٣ ←

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن — شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يُنْعِمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ نَزْعَ الْغِلِّ مِنْ صُدُورِهِمْ. وَالنَّزْعُ: الِاسْتِخْرَاجُ وَالْغِلُّ: الْحِقْدُ الْكَامِنُ فِي الصَّدْرِ. وَالْجَمْعُ غِلَالٌ أَيْ أَذْهَبْنَا فِي الْجَنَّةِ مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلِّ فِي الدُّنْيَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (الْغِلُّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ كَمَبَارِكِ الْإِبِلِ قَدْ نَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: "وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ". وَقِيلَ: نَزْعُ الْغِلِّ فِي الْجَنَّةِ أَلَّا يَحْسُدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي تَفَاضُلِ مَنَازِلِهِمْ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ:" وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً "أَيْ يُطَهِّرُ الْأَوْضَارَ مِنَ الصُّدُورِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" الْإِنْسَانِ "وَ" الزُّمَرِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

اقرأ بقية تفسير القرطبي

(وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) (أَيْ لِهَذَا) الثَّوَابِ، بِأَنْ أَرْشَدَنَا وَخَلَقَ لَنَا الْهِدَايَةَ. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ.

(وَما كُنَّا) قِرَاءَةُ ابْنُ عَامِرٍ بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ. وَالْبَاقُونَ بِإِثْبَاتِهَا.

(لِنَهْتَدِيَ) لام كي.

(لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(وَنُودُوا) أَصْلُهُ. نُودِيُوا (أَنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أَيْ بِأَنَّهُ (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ). وَقَدْ تَكُونُ تَفْسِيرًا لِمَا نُودُوا بِهِ، لِأَنَّ النِّدَاءَ قَوْلٌ، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ أَيْ قِيلَ لَهُمْ: "تِلْكُمُ الْجَنَّةُ" لِأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا، أَيْ قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِهَا، أَوْ يُقَالُ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ حِينَ عَايَنُوهَا مِنْ بُعْدٍ. وَقِيلَ: "تِلْكُمُ" بمعنى هذه. ومعنى (أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أَيْ وَرِثْتُمْ مَنَازِلَهَا بِعَمَلِكُمْ، وَدُخُولُكُمْ إِيَّاهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ. كَمَا قال:" ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ".

وَقَالَ:" فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ) قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْهُ وَفَضْلٍ). وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ: لَيْسَ مِنْ كَافِرٍ وَلَا مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَنْزِلٌ، فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ رُفِعَتِ الْجَنَّةُ لِأَهْلِ النَّارِ فَنَظَرُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ لَوْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ. ثُمَّ يُقَالُ: يأهل الْجَنَّةِ رِثُوهُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَتُقْسَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنَازِلُهُمْ. قُلْتُ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ فِي النَّارِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا). فَهَذَا أَيْضًا مِيرَاثٌ، نَعَّمَ بِفَضْلِهِ مَنْ شَاءَ وَعَذَّبَ بِعَدْلِهِ مَنْ شَاءَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْجَنَّةُ وَمَنَازِلُهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِرَحْمَتِهِ، فَإِذَا دَخَلُوهَا بِأَعْمَالِهِمْ فَقَدْ وَرِثُوهَا بِرَحْمَتِهِ، وَدَخَلُوهَا بِرَحْمَتِهِ، إِذْ أَعْمَالُهُمْ رَحْمَةٌ منه لهم وتفضل عليهم. وقرى "أُورِثْتُمُوهَا" مِنْ غَيْرِ إِدْغَامٍ. وَقُرِئَ بِإِدْغَامِ التَّاءِ في الثاء.

حواشي المحقق

راجع ج ١٩ ص ١٤١.

راجع ج ١٥ ص ٢٨٤.

من ع.

راجع ج ٥ ص ٢٧١.

راجع ج ٦ ص ٢٧.

في ك: فينظرون.

تفسير الطبري

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) · الباحث القرآني tafsir.app

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، حين أدخلوا الجنة، ورأوا ما أكرمهم الله به من كرامته، وما صرف عنهم من العذاب المهين الذي ابتلي به أهل النار بكفرهم بربهم، وتكذيبهم رُسله: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ ، يقول: الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنا = ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ ، يقول: وما كنا لنرشد لذلك، لولا أن أرشدنا الله له ووفقنا بمنّه وطَوْله، كما:-

١٤٦٦٥- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن [أبي سعيد] قال، قال رسول الله ﷺ: كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيقولون:"لو هدانا الله"، فتكون عليهم حسرة. وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقولون:"لولا أن هدانا الله"! فهذا شكرهم.

اقرأ بقية تفسير الطبري

١٤٦٦٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت أبا إسحاق يحدِّث عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال، ذكر عمر = لشيء لا أحفظه =، ثم ذكر الجنة فقال: يدخلون، فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان. قال: فيغتسلون من إحداهما، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعَث أشعارهم ولا تغبرُّ أبشارهم. ويشربون من الأخرى، فيخرج كل قذًى وقذر وبأس في بطونهم. قال، ثم يفتح لهم باب الجنة، فيقال لهم: ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ ، قال: فتستقبلهم الوِلدان، فيحفّون بهم كما تحفّ الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته. ثم يأتون فيبشرون أزواجهم، فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. فيقلن: أنت رأيته! قال: فيستخفهنَّ الفرَح، قال: فيجئن حتى يقفن على أُسْكُفَّة الباب. قال: فيجيئون فيدخلون، فإذا أسُّ بيوتهم بِجَندل اللؤلؤ، وإذا صُرُوح صفر وخضر وحمر ومن كل لون، وسُرُر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرِابيُّ مبثوثة. فلولا أن الله قدَّرها، لالْتُمِعَتْ أبصارهم مما يرون فيها. فيعانقون الأزواج، ويقعدون على السرر، ويقولون: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا إذ هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ ، الآية.

* * *

القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم يقولون عند دخولهم الجنة، ورؤيتهم كرامة الله التي أكرمهم بها، وهو أنّ أعداء الله في النار: والله لقد جاءتنا في الدنيا، وهؤلاء الذين في النار، رسل ربنا بالحق من الأخبار عن وعد الله أهلَ طاعته والإيمان به وبرسله، ووعيده أهلَ معاصيه والكفر به.

* * *

وأما قوله: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ ، فإن معناه: ونادى منادٍ هؤلاء الذين وصف الله صفتهم، وأخبر عما أعدّ لهم من كرامته: أنْ يا هؤلاء، هذه تلكم الجنة التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها، أورَثكموها الله عن الذين كذبوا رسله، لتصديقكم إياهم وطاعتكم ربكم. وذلك هو معنى قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ .

* * *

وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

١٤٦٦٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ ، قال: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل، فإذا دخل أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النارَ، ودخلوا منازلهم، رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل لهم:"هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله"، ثم يقال:"يا أهل الجنة، رِثُوهم بما كنتم تعملون"، فتُقْسم بين أهل الجنة منازلهم.

١٤٦٦٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن سعد أبو داود الحفري، [عن سعيد بن بكير] ، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأغرّ: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ ، قال: نودوا أنْ صِحُّوا فلا تسقموا، واخلُدوا فلا تموتوا، وانعموا فلا تَبْأسوا.

١٤٦٦٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي سعيد: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة﴾ ، الآية، قال: ينادي منادٍ: أن لكم أنْ تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا.

* * *

واختلف أهل العربية في"أنْ" التي مع"تلكم".

فقال بعض نحويي البصرة: هي"أنّ" الثقيلة، خففت وأضمر فيها، ولا يستقيم أن تجعلها الخفيفة، لأن بعدها اسمًا، والخفيفة لا تليها الأسماء، وقد قال الشاعر:

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد، قَدْ عَلِمُوا ... أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ

وقال آخر:

أُكَاشِرُهُ وَأَعْلَمُ أَنْ كِلانَا ... عَلَى مَا سَاءَ صَاحِبَهُ حَرِيصُ

قال: فمعناه: أنه كِلانا. قال: ويكون كقوله: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ ، في موضع"أي"؛ وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ ، [سورة الشورى: ١٣] ، ولا تكون"أن" التي تعمل في الأفعال، لأنك تقول:"غاظني أن قام"، و"أن ذهب"، فتقع على الأفعال، وإن كانت لا تعمل فيها. وفي كتاب الله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [سورة ص: ٦] ، أي: امشوا.

* * *

وأنكر ذلك من قوله هذا بعض أهل الكوفة، فقال: غير جائز أن يكون مع"أن" في هذا الموضع"هاء" مضمرة، لأن"أن" دخلت في الكلام لتَقِيَ ما بعدها. قال:"وأن" هذه التي مع"تلكم" هي الدائرة التي يقع فيها ما ضارع الحكاية، وليس بلفظ الحكاية، نحو:"ناديت أنك قائم،" و"أنْ زيد قائم" و"أنْ قمت"، فتلي كلَّ الكلام، وجعلت"أن" وقاية، لأن النداء يقع على ما بعده، وسلم ما بعد"أن" كما سلم ما بعد"القول". ألا ترى أنك تقول:"قلت: زيد قائم"، و"قلت: قام"، فتليها ما شئت من الكلام؟ فلما كان النداء بمعنى"الظن" وما أشبهه من"القول" سلم ما بعد"أن"، ودخلت"أن" وقاية. قال: وأما"أي"، فإنها لا تكون على"أن" لا يكون"أي" جواب الكلام، و"أن" تكفي من الاسم.

حواشي المحقق

الأثر: ١٤٦٦٥ - جاء هكذا في المخطوطة والمطبوعة: ((عن أبي سعيد)) ، يعني أبا سعيد الخدري.

وكأنه خطأ لا شك فيه، فإني لم أجد الخبر في حديث أبي سعيد، ولأن هذا الخبر معروف في حديث أبي هريرة، وبذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٨٥، فقال: ((أخرج النسائي، وابن أبي الدنيا، وابن جرير في ذكر الموت، وابن مردويه عن أبي هريرة)) ، وساق الخبر. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٧٧، فقال: ((روى النسائي وابن مردويه، واللفظ له، من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة)) ، وساق الخبر. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ٣٩٩ فقال: ((عن أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ)) ، وساق الخبر بنحوه من طريقين، ثم قال: ((رواه كله أحمد، ورجال الرواية الولى رجال الصحيح)) ، ولم أعرف مكانه من المسند.

فهذا كله يوشك أن يقطع بأن ما في المطبوعة والمخطوطة من قوله: ((عن أبي سعيد)) ، خطأ، صوابه: ((عن أبي هريرة)) ، ولذلك وضعته بين القوسين.

في المطبوعة: ((قذى وقذر أو شيء في بطونهم)) ، وفي المخطوطة: ((أوس)) ، غير منقوطة وفوقها حرف (ط) دلالة على الشك والخطأ. وأثبت الصواب من حادي الأرواح لابن القيم، والدر المنثور.

((الحميم)) ، ذو القرابة القريب الذي تحبه وتهتم لأمره.

((أسكفة الباب)) (بضم الهمزة، وسكون السين، وضم الكاف، بعدها فاء مشددة مفتوحة) : عتبة الباب التي يوطأ عليها.

((التمع الشيء)) اختلسه وذهب به. و ((التمع بصره)) باليناء بالمجهول، اختلس واختطف فلا يكاد يبصره. ويقال مثله ((التمع لونه)) ، ذهب وتغير.

الأثر: ١٤٦٦٦ - ((عاصم بن ضمرة السلولي)) ، وثقه ابن سعد وابن المديني، والعجلي، وقال النسائي: ((ليس به بأس)) . ولكن الجوزجاني وابن عدي ضعفاه، وقال ابن أبي حاتم: ((كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، على أنه أحسن حالا - يعني الأعور)) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٤٥، وميزان الاعتدال ٢: ٣.

وهذا الخبر، ذكره ابن القيم في حادي الأرواح (إعلام الموقعين) ١: ٢٣٣ مطولا، فقال: ((وقال عدي بن الجعد في الجعديات: أنبأنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال)) وليس فيه ذكر ((عمر)) .

ثم وجدت أبا جعفر قد رواه في تفسيره (٢٤: ٢٤، بولاق) ، من طريق مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، بنحوه.

ثم رواه بعد من طريق أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي، بنحوه.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٥: ٣٤٢، ونسبه إلى ابن المبارك في الزهد، وعبد الرازق، وابن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبيهقي في البعث، والضياء في المختارة، ولم ينسبه لابن جرير. وساقه مطولا.

وساقه ابن كثير في تفسيره ٧: ٢٧٣، من تفسير ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، بنحوه.

وليس في هذه جميعًا ذكر ((عمر)) ، فقوله: ((قال ذكر عمر، لشيء لا أحفظه)) غريب جدًا لم أعرف تأويله، ولا ما فيه من تحريف، إلا أن يكون: ((قال غندر، لشيء لا أحفظه)) و ((غندر)) هو ((محمد بن جعفر)) الراوي عن شعبة، فيكون قوله ((قال غندر)) من قول ((محمد بن المثنى)) ، والله أعلم.

الأثر: ١٤٦٦٨ - ((عمر بن سعد)) ، ((أبو داود الحفري)) ، ثقة. مضى رقم: ٨٦٣، وهو يروي عن ((سفيان الثوري)) ، ولكن جاء هنا ((سعيد بن بكير)) .

وأما ((سعيد بن بكير)) ، فهو في المطبوعة ((سعد بن بكر)) ، وأثبت ما في المخطوطة. ولست أدري من يكون؟ أو عن أي شيء هو محرف.

و ((الأغر)) هو ((الأغر)) ، أبو مسلم المدني، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد، وكانا اشتركا في عتقه. روى عنه أبو إسحاق السبيعي، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ١ /٢ / ٤٤، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٠٨.

وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه ١٧: ١٧٤، من طريق عبد الرازق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، عن النبي ﷺ، مطولا، بنحوه. وسيأتي مختصرًا في الذي يليه.

الأثر: ١٤٦٦٩ - هذا مختصر حديث مسلم (١٧: ١٧٤) الذي خرجته في التعليق السالف.

هو الأعشى.

ديوانه: ٤٥، سيبويه ١: ٢٨٢، ٤٤٠، ٤٨٠ /٢: ١٢٣، أمالي ابن الشجري ٢: ٢، الإنصاف: ٨٩، والخزانة ٣: ٥٤٧ / ٤: ٣٥٦، وشرح شواهد العيني (بهامش الخزانة) ٢: ٢٨٧، وغيرها.

وهذا البيت أنشده سيبويه، وتبعه النحاة في كتبهم، وهو بيت ملفق من بيتين، يقول الأعشى في قصيدته المشهورة: إمَّا تَرَيْنَا حُفَاةً لا نِعَالَ لَنَا ... إِنَّا كَذَلِكَ مَا تَحْفَى ونَنْتَعِلُ

فَقَدْ أُخَالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتُهُ ... وَقَدْ يُحَاذِرُ مِنِّي ثُمَّ مَا يَئِلُ

وَقَدْ أَقُودُ الصِّبَا يَوْمًا فَيَتْبَعُنِي ... وَقَدْ يُصَاحِبْنِي ذُو الشِّرَّةِ الغَزِلُ

وَقَدْ غَدَوْتُ إلَى الحَانُوتِ يَتْبَعُنِي ... شَاوٍ مِشَلٌ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد، قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ لَيْسَ يَدْفَعُ عَنْ ذِي الحِيلَة الحيَلُ

نازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتَّكِئًا ... وَقَهْوَةً مُزَّةً رَواوُوقُها خَضِلُ

لا يَسْتَفِيقُونَ مِنْهَا وَهْيَ رَاهِنَةٌ ... إِلا بِهَاتِ، وَإنْ عَلُّوا وإنْ نَهِلُوا

لم أعرف قائله.

سيبويه ١: ٤٤٠، الإنصاف لابن الأنباري: ٨٩، ١٨٣، وأمالي ابن الشجري ١: ١٨٨، وغيرها وقوله: ((أكاشره)) : أضاحكه.

النفحات المكية

محمد بن صالح الشاوي · QuranEnc.com

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أذهَبَ ما في صدور هؤلاء المؤمنين الذين دخلوا الجنة من كل حِقْدٍ وغِلّ، وجعل أنهار الجنة تجري من تحت قصورهم وأشجارهم، ثم أخبَرَ سبحانه أن أهل الجنة حينما دخلوها، قالوا: الحمدُ لله الذي وفَّقنا للإيمان والعمل الصالح، وما كنَّا لنوفَّق إلى هذا لولا أنْ هدانا الله سبحانه، وله الحمدُ حيثُ ثبَّتنا على هذا الإيمان، ثم قالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالدين الصحيح الحق؛ فكانوا سببًا في هدايتنا، ثم تنادي الملائكة هؤلاء المؤمنين وتُخْبِرهم أن هذه هي الجنة التي وعَدَكم الله، فقد أورثها الله لكم برحمته، وبسبب ما قدَّمتم من الأعمال الصالحة المقبولة.

EnglishBahasa Indonesia

نص الآية من مشروع تنزيل (Tanzil Quran Text, Uthmani v1.1، بترخيص CC BY 3.0). نصوص التفسير ومعاني الكلمات منقولة حرفيًا دون تعديل من موسوعة القرآن الكريم QuranEnc.com، وتفسير الجلالين من الموسوعة القرآنية Quranpedia.net، كلٌّ باسم مصدره. التفاصيل في مصادرنا. هذه نصوص منقولة كما هي من كتبها؛ لا يكتب الذكاء الاصطناعي أي إجابة. «شات القرآن» ليس جهة إفتاء.